page 1547, entry [2378]Open original source
١٨٣٨ - [السلطان محمود بن سبكتكين] (١) السلطان يمين الدولة وأمين الملة محمود بن الأمير ناصر الدولة أبي منصور سبكتكين. كان أبوه أمير الغزاة الذين يغزون من بلاد ما وراء النهر على أطراف الهند، فأخذ عدة قلاع، وافتتح ناحية بست. وأما محمود صاحب الترجمة .. فافتتح غزنة، ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، ودان له الخلق على اختلاف أجناسهم، وفرض على نفسه غزو الهند كل عام، فافتتح منه بلادا واسعة، وقد مضى ذكر فتحه للقلعة التي بسومنات وإتلافه للصنم الذي كان يعبده الهنود في سنة عشر وأربع مائة (٢). وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن الإمام أبي محمد الجويني في كتابه الموسوم ب «مغيث الخلق في اتباع الأحق»: (أن السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة ﵁، وكان مولعا بعلم الحديث، وكان الناس-أو قال: الفقهاء -يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع، فكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي، فوقع في خلده محبته، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي وركعتين على مذهب أبي حنيفة يقتصر فيهما على أقل الفروض؛ لينظر فيهما السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنه، فصلى أبو بكر القفال المروزي ركعتين بأقل ما يعتبر من الطهارة والستر واستقبال القبلة وما لا بد من الأركان والفرائض، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها، ثم صلّى ركعتين على ما يجوزه أبو حنيفة، فلبس جلد كلب مدبوغ، ولطخ ربعه بالنجاسات، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان في صميم الصيف في المفازة، واجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوؤه منعكسا منكوسا، وكبر بالفارسية، ثم قرأ آية بالفارسية «دوبر كك سبز» (٣)، ثم نقر نقرتين كنقراتالديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهد، وضرط في آخره من غير نية السلام، وقال: أيها السلطان؛ هذه صلاة أبي حنيفة. فقال السلطان: إن لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة .. قتلتك؛ لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، وأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة، وتمسك بمذهب الشافعي ﵄ انتهى كلام إمام الحرمين (١). يحكى أنه كان يود معرفة ثلاثة أشياء: إحداها: أنه كان يتكلم في صحة نسبته إلى أبيه سبكتكين، فيود معرفة حقيقة ذلك. الثانية: يود معرفة أنه من أهل الجنة أم لا؟ الثالثة: معرفة من هم العلماء الذين قال فيهم النبي ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» فإن كل طائفة تزعم أنها المعنية بالحديث، فمر ليلة في موكبه والمشاعل تضيء بين يديه، فلمح شخصا أخرج من محفظته كراسة لينظر فيها في ضوء المشعل، وأظن ذلك الشخص من المحدثين، فوقف السلطان محمود، ووقف العسكر لوقوفه، ولم يدروا ما سبب وقوفه حتى انتهى غرض ذلك الشخص من الكراسة وطبقها، فسار السلطان، فرأى تلك الليلة في النوم النبي ﷺ وهو يقول له: غفر الله لك يا بن سبكتكين كما وقفت لوارثي حتى انتهى غرضه من الكتاب، أو معنى ذلك، فاستفاد من ذلك معرفة الثلاثة. توفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة.