page 1345, entry [2044]Open original source
١٥٩٧ - [أبو الطّيّب المتنبّي] (٤) أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي نسبا، الكوفي، ثم الكندي-نسبة إلى محلة بالكوفة تسمى كندة، لا إلى القبيلة المشهورة المعروفة-المعروف بالمتنبي، قيل: لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير في تلك الناحية من كلب وغيرهم، فخرج عليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذية فأسره، وتفرق أصحابه، وحبسه طويلا، ثم استتابه وأطلقه. قدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين في نقل اللغة، والمطلعين على غريبها ووحشيها، فلا يسأل عن شيء إلا واستشهد له بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب«الإيضاح» و «التكملة» قال له: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ بكسر الفاء، وسكون العين، وفتح اللام، فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى، قال أبو علي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا فلم أجد. وشعره أشهر من أن يذكر، وله ديوان مجموع، اعتنى العلماء به فشرحوه. وذكر ابن خلكان: (أن بعض مشايخه الذين أخذ منهم قال: وقفت له على أكثر من أربعين شرحا ما بين مطولات ومختصرات، ولم يفعل هذا بديوان غيره، قال: ولا شك أنه رزق في شعره السعادة التامة. قال ابن خلكان: من الناس من يرجح شعر المتنبي على شعر أبي تمام ومن بعده، ومنهم من يرجح شعر أبي تمام عليه) (١). ومدح الملوك وغيرهم، وأجزلوا صلته، قيل: إنه وصل إليه من ابن العميد ثلاثون ألف دينار، ومن عضد الدولة صاحب شيراز مثلها، وبعد أن خلص من حبس الأمير لؤلؤ التحق بالأمير سيف الدولة ابن حمدان في سنة سبع وثلاثين، ثم فارقه، ودخل مصر في سنة ست وأربعين، فمدح كافورا الإخشيذي، فوعده كافور بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاطيه في شعره السمو بنفسه .. خافه، فعوتب في خلف وعده، فقال: يا قوم؛ من ادعى النبوة مع محمد ﷺ أما يدعي الملك مع كافور الإخشيذي؟ ! فحسبكم. قيل: إن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدة: [من الطويل] لكل امرئ من دهره ما تعوّدا (٢) ... فلما عاد سيف الدولة إلى داره .. استعاده إياها، فأنشدها قاعدا، فقال بعض الحاضرين ممن يريد أن يكيد المتنبي: لو أنشدها قائما .. لأسمع أكثر الناس، فقال المتنبي: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا فهذا من مستحسن الأجوبة. وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة، يتكلمون بحضرته، فوقع بينالمتنبي وابن خالويه النحوي كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان في يده فشجه، فخرج ودمه يسيل على ثيابه. وخرج إلى مصر، فامتدح كافورا، فلما لم يف له بما وعده .. ذمه، ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة الديلمي، فأجزل جائزته، ورجع من عنده قاصدا بغداد، ثم الكوفة، وذلك لثمان خلون من شعبان، فعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضا جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فيقال: إن المتنبي لما رأى الغلبة .. فر، فقال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: [البسيط] الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم (١) فكرّ راجعا حتى قتل، وقتل قبله ابنه محسد-بضم الميم، وفتح الحاء، والسين المشددة بين المهملتين-وقتل معه غلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له: الصافية، وقيل: حيال الصافية في الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين، وذلك يوم الأربعاء لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مائة، وكان ميلاده بالكوفة في محلة تسمى كندة سنة ثلاث وثلاث مائة. ورثاه أبو القاسم المظفر بقوله: [من الخفيف] لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي كبرياء ذي سلطان هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وإشبيلية أنشد يوما بيت المتنبي وهو من جملة قصيدته المشهورة: [من الطويل] إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه (٢)وجعل يردده استحسانا له وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالا: [من الطويل] لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... يجيد العطايا واللها تفتح اللها تنبأ عجبا بالقريض (١) ... ولو درى بأنك تروي شعره لتألها واللها الأول-بضم اللام-: جمع لهوة، وهو ما يجعل في الرحى من الحب، واللها الثانية-بفتح اللام-: جمع لهاة، وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، واستعار بذلك استعارة حسنة؛ يعني: إنما تفتح تلك اللهاة؛ لأجل ما يوضع في فمه من المآكل الطيبة. والمراد: إنما يجيد شعره ما يأخذه من أموال السلاطين والولاة، فذلك الذي يحمله على تجويد شعره.