page 985, entry [1419]Open original source
١١١٢ - [بشر الحافي] (١) أبو نصر بشر بن الحارث، الولي الكبير، العارف بالله الشهير، المعروف ببشر الحافي. ذكروا أنه سمع من حماد بن زيد، وإبراهيم بن سعد، واعتنى بالعلم، وتفقه على مذهب الثوري، وحدث باليسير. وكان رأسا في الورع والزهد، وكان يقول لأصحاب الحديث: أدوا زكاة الحديث، قالوا: وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وقيل له: لم لا تحدث؟ قال: إني أحب أن أحدث، ولو أحببت أن أسكت .. لحدثت؛ يعني أخالف نفسي في هواها، وهو مروزي، من أولاد الكتاب والرؤساء. قيل: إن سبب توبته أنه وجد ورقة تداس في الطريق، مكتوب فيها اسم الله فرفعها، وكان معه درهم فاشترى به غالية وطيب الورقة، وجعلها في شق حائط، فرأى في المنامقائلا يقول له: يا بشر؛ طيبت اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما انتبه من نومه .. تاب وأناب. واختلف في سبب حفائه: قيل: إنه كان في داره مع جماعة ندماء له في اللهو واللعب، فدق عليهم الباب داق، فقال للجارية: اذهبي فانظري من بالباب، ففتحت؛ فإذا فقير على الباب، فقال: سيدك حر أم عبد؟ فقالت: بل حر، فقال: صدقت، وذهب وخلاها، فأخبرت سيدها خبره، فخرج يعدو في إثره حافيا وهو يقول: بل عبد، بل عبد، ولم يلحقه، فرجع ولزم الحفاء، فقيل له في ذلك، فقال: الحالة التي صولحت عليها لا أحب أن أغيرها. ويقال: إنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعا لإحدى رجليه وكان قد انقطع، فقال له الإسكافي: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس بعدها نعلا. يحكى: أنه أتى باب المعافى بن عمران فدق الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: بشر الحافي، فقالت بنت من داخل الدار: لو اشتريت نعلا بدانقين .. لذهب عنك اسم الحافي. قيل له: بأي شيء تأكل الخبز؟ قال: أذكر العافية فأجعلها إداما. ومن دعائه: اللهم؛ إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة .. فاسلب ذلك عني. ومن كلامه: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه. وقال: من طلب الدنيا .. فليتهيأ للذل. وتكلم رحمه الله تعالى في الورع وعدم طيب المطاعم، فقيل له: ما نراك تأكل إلا من حيث نأكل؟ ! فقال: ليس من أكل وهو يبكي كمن أكل وهو يضحك. وفي رواية قال: أكلتموها كبارا، وأكلتها صغارا. وتوفي ﵀ سنة سبع وعشرين ومائتين. وكان له ثلاث أخوات ورعات زاهدات عابدات: مضغة-وهي الكبرى-ومخّة، وزبدة، ﵏.قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: قالت امرأة لأبي: إني أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفئ السراج فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر؟ فقال لها: إن كان عندك فرق .. فعليك أن تبيني ذلك، فقالت: يا أبا عبد الله؛ أنين المريض هل هو شكوى؟ فقال: إني لأرجو ألاّ يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى. قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني؛ ما سمعت قط أحدا يسأل عن مثل ما سألت عنه المرأة، اتّبعها، فتبعتها، فدخلت دار بشر الحافي، فقلت لأبي: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال: إي والله هذا هو الصحيح، محال أن تكون هذه إلا أخت بشر. قال عبد الله أيضا: جاءت مخة أخت بشر إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله؛ رأس مالي دانقان، أشتري بهما قطنا وأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقا من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر بي الطائف ومعه مشعل، فاغتنمت ضوء المشعل وغزلت طاقين على ضوئه، فعلمت أن الله سبحانه لي مطالب، فخلصني من هذا خلصك الله، فقال: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرا منه. قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها: حتى تخرج رأس مالها، قال: يا بني؛ سؤالها لا يحتمل التأويل، فمن هذه المرأة؟ قلت: هي مخة أخت بشر، فقال: من ههنا أتيت. وفي رواية: أن أخت بشر قالت للإمام أحمد: إن مشاعيل الولاة تمر بنا ونحن نغزل على سطوحنا، أفيحل لنا أن نغزل على شعاعها؟ فقال لها: من أنت رحمك الله؟ فقالت: أخت بشر الحافي، فقال: صدقت، من بيتكم يخرج الصافي-أو قال: الصادق-لا تغزلي في شعاعها. رحم الله الجميع ورضي عنهم.