page 978, entry [1411]Open original source
١١٠٤ - [أبو دلف العجلي] (٣) أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، الأمير الكبير، صاحب الكرج-بفتحتين وجيم- أحد قواد المأمون، ثم المعتصم، وكان أحد الأبطال المذكورين، والأجواد المشهورين، وله وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة. أخذ عنه الأدباء والفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله كتاب «البزاة والصيد»، وكتاب «السلاح»، وكتاب «النّزه»، وكتاب «سياسة الملوك» وغير ذلك.ومدحه أبو تمام بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النّطّاح، وفيه يقول: [من الكامل] يا طالبا للكيمياء وعلمه ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم يقال: أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فأغفله قليلا، ثم دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلّة، فأنشده: [من الطويل] بك ابتعت في نهر الأبلّة قرية ... عليها قصير بالرخام مشيد إلى جنبها أخت لها يعرضونها ... وعندك مال للهبات عتيد فقال: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له ثم قال له: تعلم أن نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب .. اتسع الخرق، فاقنع بهذه، فدعا له وانصرف. وطعن أبو دلف فارسا في معركة، فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه، فنفذ فيه السنان فقتلهما، فقال بكر بن النّطّاح في ذلك: [من الكامل] قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج ولا تراه كليلا لا تعجبوا لو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا وكان أحمد بن أبي صالح مولى بني هاشم أسود مشوه الخلق، وكان فقيرا، فقالت له امرأته: يا هذا؛ إن الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئا، فأنشد: [من البسيط] ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف ظننت أنّ نزال القرن من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فبلغ خبره أبا دلف، فوجه إليه بألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبه الدين، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده: [من الوافر] أيا ربّ المنائح والعطايا ... ويا طلق المحيّا واليدينلقد خبّرت أن عليك دينا ... فزد في رقم دينك واقض ديني فوصله وقضى دينه. ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده: [من البسيط] الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على يديك بعلم يا أبا دلف ما خط لا كاتباه في صحيفته ... كما تخطط لا في سائر الصحف بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف ومما يحكى من حسن ذكائه وسرعة جوابه أن المأمون قال: أنت الذي يقول فيك الشاعر: [من المديد] إنما الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره فقال: لست كذلك يا أمير المؤمنين، ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة: [من الطويل] أبا دلف يا أكذب الناس كلّهم ... سواي فإني في مديحك أكذب يحكى أنه أغمي عليه في مرض موته، فأفاق وقال: من بالباب؟ فقالوا: عشرة من خراسان يزعمون أنهم أشراف، فقال: أدخلوهم، فسألهم عن حاجتهم، فأخبروه بأنهم فقراء وعليهم دين فقصدوه لقضاء حوائجهم، فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم-أو دينار، الشك مني-وأمر أن يكتب كل واحد منهم نسبه إلى رسول الله ﷺ، ثم يكتب في آخر ذلك: يا رسول الله؛ إنه لحقني فاقة، وركبني دين، فقصدت أبا دلف، فقضى ديني وحاجتي، ثم أمر بالأوراق أن تدفن معه بعد موته، وزود الأشراف بجميع ما يحتاجونه إلى بلدهم وقال: احفظوا هذه الدراهم لقضاء ديونكم، وسد فاقتكم، فدعوا له وانصرفوا، ﵀. وحكي عن ابنه دلف أنه رآه بعد موته في المنام في دار وحشة وعرة، سوداء الحيطان، مقلعة السقوف والأبواب، مشوهة البنيان، وأن أباه أبا دلف في غرفة منها في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين، ندمان، قال: فقال لي كالمستفهم: دلف؟ قلت: دلف، فأنشأ يقول: [من الخفيف] أبلغن أهلها ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الخناققد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، ثم أنشد: [من الوافر] فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيّ ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وحكايات أبي دلف كثيرة، وله أشعار حسنة، وقد كان أبوه عيسى قد شرع في مدينة الكرج، ثم أتمها القاسم المذكور، وكان بها أهله وأولاده وعشيرته. وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين.