page 902, entry [1289]Open original source
١٠٠٥ - [الهيثم بن عدي] (١) الهيثم بن عدي. كان راوية أخباريا، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير، وله عدة تصانيف، واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد، وروى عنهم. قال الهيثم: قال لي المهدي: ويحك يا هيثم؛ إن الناس يخبرون عن الأعراب شحّا ولؤما وكرما وسماحا، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك؟ فقلت: على الخبير سقطت، خرجت من عند أهلي أريد ديار قرابة لي ومعي ناقة أركبها؛ إذ ندت فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت، فأدركتها، فنظرت فإذا خيمة أعرابي، فأتيتها، فقالت ربة الخباء: من أنت؟ قلت: ضيف، قالت: وما يصنع الضيف عندنا؟ ! إن الصحراء لواسعة، ثم طحنت برا، وعجنته وخبزته وأكلته، فجاء زوجها ومعه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: حياك الله، وقال: يا فلانة؛ ما أطعمت ضيفك شيئا؟ فقالت: نعم، ثم دخل الخباء وأتاني بقعب مملوء لبنا، فشربت شرابا هنيئا، فقال: ما أراك أكلت شيئا، وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل مغضبا عليها وقال: ويلك؛ أكلت وتركت ضيفك، قالت: ما أطعمه طعامي، وتجاريا الكلام بينهما حتى شجها، ثم أخذ شفرة ونحر ناقتي، فقلت: ما صنعت عافاك الله؟ ! قال: والله لا يبيت ضيفي جائعا، ثم جمع حطبا، وأجج نارا، وأقبل يكبّب ويطعمني ويأكل، ويلقي إليها ويقول: كلي لا أطعمك الله، حتى إذا أصبح .. تركني ومضى، فقعدت مهموما، فلما تعالى النهار .. أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه، فقال: هذا مكان ناقتك، ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره، فخرجت من عنده، فضمني الليل إلى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء السلام وقالت: من الرجل؟ فقلت: ضيف، فقالت: مرحبا بك، وحياك الله وعافاك، فنزلت، ثم عمدت إلى برّ فطحنته وعجنته، ثم خبزته خبزة روتها بالزبد واللبن، ثم وضعتها بين يدي وقالت: كل ذا واعذر، فلم ألبث أن أقبل أعرابي كريه الوجه، فسلم، فرددت ﵇، فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: وما يصنع الضيف عندنا؟ ! ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي؟ قالت: أطعمته الضيف، فقال: أتطعمين طعامي الأضياف؟ !فتجاريا الكلام، فرفع عصاه وشجها بها في رأسها، وخرج إلي وأنا أضحك، فقال: ما يضحكك؟ ! قلت: خير، فقال: والله لتخبرنّي، فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عليهما قبله، فقال: إن هذه التي عندي أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي، فبت متعجبا، وانصرفت. وحكى الهيثم أيضا قال: صار سيف عمرو بن معدي كرب الزبيدي الذي اسمه (الصمصامة) إلى موسى الهادي، فجرّده يوما وجعله بين يديه، وأذن للشعراء فدخلوا عليه، ودعا بمكتل فيه بدرة، وقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري وأنشد: [من الخفيف] حاز صمصامة الزبيديّ من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر اللون بين حدّيه برد ... من ذباح تبين فيه المنون أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت به الزعاف القيون فإذا ما سللته بهر الشم ... س سناه فلم تكد تستبين ما يبالي من انتضاه لضرب ... أشمال سطت به أم يمين وكأنّ الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين مع أبيات أخر، فقال الهادي: أصبت والله ما في نفسي! واستخفه السرور، وأمر له بالمكتل والسيف، فلما خرج .. قال للشعراء: إنما حرمتم من أجلي فشأنكم والمكتل، ففي السيف غنائي، قال في «مروج الذهب»: (فاشتراه منه بخمسين ألفا) (١). وتوفي الهيثم سنة ست ومائتين.