page 711, entry [985]Open original source
٧٧١ - [أبو جعفر المنصور] (١) عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس. ولد بالحميمة من أرض البلقاء-وقيل: بالسراة من أرض الشام-سنة خمس وتسعين، وقيل: إنه ولد يوم مات الحجاج، وحج في أيام أخيه أبي العباس السفاح، ومات السفاح وعهد إليه بالخلافة، ثم من بعده لابن عمه عيسى بن موسى، فأخذ له عيسى بن موسى البيعة على الجند وعامة الناس، وأعطاهم أرزاقهم، وبلغ أبا جعفر موت السفاح وهو بطريق مكة راجعا من الحج، فلما وصل إلى الكوفة .. خرج عليه عمه عبد الله بن علي، فبعث المنصور أبا مسلم الخراساني لحربه، فهزمه أبو مسلم، وصفا الأمر لأبي جعفر، ثم همّ أبو مسلم بعزل أبي جعفر، فلم يزل أبو جعفر يتلطف به حتى صار إليه فقتله. وكان المنصور ذا حزم وعزم، ودهاء ورأي، وشجاعة وعقل، وفيه جبروت وظلم. ولما عزم على قتل أبي مسلم صاحب الدعوة .. كتب إليه ابن عمه موسى بن عيسى: [من الطويل] إذا كنت ذا رأي فكن ذا روية ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا فكتب إليه المنصور: [من الطويل] إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تتردداوكان جيد السياسة والتدبير، حسن البيان، سليط اللسان، شديد البخل؛ مات وفي بيت المال ست مائة ألف ألف وستون ألف دينار، وقيل: درهم. وكان يسمع الوعظ من أهل الفضل والدين، وهو الذي بنى بغداد وأسسها، ومكث قبل بنائها سنة يتردد ليرتاد موضعا يبنيه، فبينا هو كذلك؛ إذ براهب أشرف من بنيان مقيم فيه، فقال له: أراك منذ شهور تدور وتكثر الترداد في هذا الموضع، قال: أريد أن أبني فيه مدينة، فقال له الراهب: لست صاحبها، إنا نجد أن صاحبها يقال له: مقلاص، فقال له أبو جعفر: أنا والله؛ صاحبها، كنت أدعى وأنا صبي في الكتّاب بمقلاص، وأمر حينئذ ببنائها، وكتب إلى البلدان: أن يوجه إليه بما يحتاجه، ويتوقف على عمارتها، ثم قال لنبوخت المنجم: اختر لي وقتا أضع فيه الأساس والبناء، فاختار له، فوضع الأساس في ذلك الوقت الذي عينه له، ويقال: إن أول لبنة من الأساس وضعها المنصور بيده وقال: باسم الله والحمد لله، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. فلما وضع الأساس .. قال لنبوخت المنجم: احكم الآن، فقال: يتم بناؤها وتكون مدينة ليس في شرق ولا غرب لها نظير، وتعمر عمرانا لم ير مثله، قال أبو جعفر: ثم ماذا؟ قال: ثم تخرب بعد موتك خرابا ليس بصحراء، ولكن دون العمران. ووزنت لبنة سقطت من السور؛ فكان وزنها اثنين وثمانين رطلا، ولما تم بناؤها وأراد النقلة إلى قصره بباب الذهب .. وقف على باب القصر يتأمله؛ فإذا على الحائط: [من الخفيف] أدخل القصر لا تخاف زوالا ... بعد ستين من سنيك رحيل فوقف مليا وتغر غرت عيناه وقال: بقية لغافل، وفسحة لجاهل كأنه حسب ما بقي من عمره من السنين. ومات محرما بالحج ببئر ميمون بالقرب من مكة، ودفن مكشوف الرأس، وذلك سنة ثمان وخمسين ومائة.