page 472, entry [173]Open original source
سعدون المجنون سعدون المجنون؛ يقال إن اسمه سعيد وكنيته أبو عطاء ولقبه سعدون، من أهل البصرة؛ كان من عقلاء المجانين وحكمائهم، له أخبار ملاح وكلام سديد ونظم ونثر يستحسن، وطوف البلاد، ودونت أخباره. استقدمه المتوكل وسمع كلامه، وكان من المحبين لله ﷿، صام ستين سنة فجف دماغه، فسماه الناس مجنوناً. قال عطاء السلمي: احتبس علينا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي، وإذا بسعدون المجنون، فلما أبصرني قال: يا عطاء إلى أين؟ قلت: خرجنا نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب أرضية؟ قلت: بقلوب سماوية، قال: لا تبهرج فإن الناقد بصير، قلت: ما هو إلا ماحكيت لك، فاستسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال: أقسمت عليك إلا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول: أيا من كلما نودي أجابا ... ومن جلاله ينشي السحاباويا من كلم الصديق موسى ... كلاماً ثم ألهمه الصوابا ويا من رد يوسف بعد ضرٍ ... على من كان ينتحب انتحابا ويا من خص أحمد واصطفاه ... وأعطاه الرسالة والكتابا اسقنا؛ فأرسلت السماء شآبيب كأفواه القرب، فقلت: زدني، قال ليس ذا الكيل من ذا البيدر، ثم أنشأ يقول (١) : سبحان من لم يزل له حجج ... قامت على خلقه بمعرفته قد علموا أنه مليكهم ... يعجز وصف الأنام عن صفته وقال عطاء: رأيت سعدون المجنون ذات يوم يتفلى (٢) في الشمس، فانكشفت عورته، فقلت له: استرها يا أخا الجهل، فقال: من لك مثلها فاستر. ثم مر بي يوماً وأنا آكل رماناً في السوق، فعرك أذني وقال (٣) : أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه وكيف أرى عيباً وعيبي ظاهر ... وما يعرف السوءات غير سفيه وقال عبد الله بن سويد: رأيت سعدون المجنون وبيده فحمة وهو يكتب بها على قصر خراب: يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... إن لها في كل يوم خليل ما أقبح الدنيا بخطابها ... تقتلهم عمداً قتيلاً (٤) قتيل تستنكح البعل وقد وطنت ... في موضعٍ آخر منه البديلإني لمغتر وإن البلى ... يعمل في نفسي قليلاً قليل تزودا للموت زاداً فقد ... نادى مناديه الرحيل الرحيل وقال الفتح بن سالم: كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول، فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون المصري وهو يقول: يا ذا النون، متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟ فقال ذو النون: إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا الخبير، قال: فصرخ سعدون، ثم خر مغشياً عليه، ثم أفاق وهو يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولابد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال: أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: يا أبا الفيض، إن من القلوب قلوباً تستغفر قبل أن تذنب، قال: نعم، تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع، أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين. وكانت وفاة سعدون بعد الخمسين والمائتين، رحمه الله تعالى. ١٦٧ - (١)