page 800, entry [492]Open original source
٤٧٣ - محمد بن أحمد بن أبى نصر بن الدباهى البغدادى، الزاهد شمس الدين، أبو عبد الله بن أبى العباس. ولد سنة ست - أو سبع - وثلاثين وستمائة ببغداد. وصحب الشيخ يحيى الصرصري، وكان خال والدته، والشيخ عبد الله كتيلة مدة، وسافر معه، وأجاز له التسترى من ماردين، وجاور بمكة عشر سنين، ودخل الروم، والجزيرة، ومصر، والشام، ثم استوطن دمشق، وتوفى بها. قال الشيخ كمال الدين بن الزملكانى عنه: شيخ صالح، عارف زاهد، كثير الرغبة فى العلم وأهله، والحرص على الخير، والاجتهاد فى العبادة، تخلى عن الدنيا، وخرج عنها، ولازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته فى الخير، وكان لديه فضل. وعنده مشاركات جيدة فى علوم. وله عبارة حسنة فيما يكتبه، وطلب الفوائد الدينية. متقشف ورع، صلب فى الدين، مجانب لمن يخشى على دينه منه، محب للصالحين وأهل الخير، منقطع عن الناس مهيب. يقوم الليل ويكثر الصوم، ويطيل الصلاة بخشوع وإخبات واستغراق، ويتلو القرآن العظيم، لا يرى خاليا من أفعال الخير وأعمال البر، ويتصدق فى السر، وينصح الإخوان، ويسعى فى مصالحهم، ويحسن القيام على عياله، ويلازم الجماعات فى الجامع، ولا يغشى السلاطين ولا الولاة، ولا أهل الدنيا، إلا عند ضرورة دينية. وكان يخشن مأكله وملبسه، ويحب طريق السلف الصالح، وإذا رآه إنسان عرف الجد فى وجهه، يقوم فيما يظهر له من الحق، ويأمر بما يمكنه من المعروف، وينهى عما يقدر على النهى عنه من المنكر، ولم يزل كذلك حتى توفى. قال البرزالى: أحد المشايخ العارفين الصالحين، وله كلام حسن. وجمع وتأليف، وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فى العلم، سيد من السادات. وقال الذهبى: كان إماما فقيه النفس، عارفا بمعاملات القلوب، صحبخلقا من المشايخ، وأخذ عنهم أخلاق القوم وطريقهم، وكان حسن المجالسة، متبعا للسنة، محذرا من البدعة، كثير الطلب، ترك أباه ونعمته وتجرد، ودخل الروم، والجزيرة، والشام، ومصر، والحجاز، يصحب بقايا الصوفية، ويقتفى آثارهم، وحفظ كثيرا عنهم وعن مشايخ الطريق، وأنفق كثيرا من الأموال من ميراثه على الفقراء. وقرأ الفقه فى شبيبته على مذهب أحمد، وجاور بالحرمين بضع عشرة سنة، وتأهّل وولد له، فلما لمعت له أنوار شيخنا - يعنى: ابن تيمية - وظفر بأضعاف تطلبه: ارتحل إلى دمشق بأهله، واستوطنها. علقت عنه: أشياء، وسمعت من تأليفه خطبة بليغة، وصحبته بضع عشرة سنة، وسمعت منه جزءا بإجازته من التشتبرى. قلت: سمع منه البرزالى، والذهبي، وذكراه فى معجميهما. قال الذهبى: ابتلى بضيق النفس سبعة أشهر، ثم بالاستسقاء. وانتقل إلى رحمة الله يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى عشر وسبعمائة. ودفن بقاسيون قبل الشيخ عماد الدين الواسطى بيومين. وأنشدنى بعضهم: الدهر ساومنى عمرى، فقلت له … لا بعت عمرى بالدنيا وما فيها ثم اشتراه تفاريقا بلا ثمن … تبّت يدا صفقة قد خاب شاريها وذكر البرزالى: أنه توفى آخر نهار الخميس المذكور عند الغروب، وصلّى عليه ضحى نهار الجمعة بالجامع، ودفن غربى تربة الشيخ أبى عمر، رضى الله عنهما.