Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Muhammad bin Ahmed bin

ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي · page 491, entry [240]

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي — ابن رجب الحنبلي

Open narrator profile: Muhammad bin Ahmed bin
page 491, entry [240]Open original source
٢٢٩ - محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله الجماعيلى المقدسى، ثم الدمشقى الصالحى، الزاهد العابد الشيخ أبو عمر. قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل. شاهدته بخط والده. وهاجر به والده وبأخيه الشيخ الموفق وأهلهم إلى دمشق سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة، فنزلوا بمسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى، فأقاموا به مدة نحو سنتين، ثم انتقلوا إلى الجبل قال أبو عمر: فقال الناس: الصالحية، الصالحية، ينسبونا إلى مسجد أبى صالح، لا أنا صالحون. قال أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه -: أنزلهم والدى فى مسجد أبى صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم فى شهر واحد قريب أربعين نفسا فأشار عليهم والدى بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه. وكان رأيا مباركا. حفظ الشيخ أبو عمر القرآن. وقرأه بحرف أبى عمرو. وسمع الحديث من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى تميم سلمان ابن الرحبى، وأبى نصر عبد الرّحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبى الفتح عمر ابن على بن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، وأبى محمد عبد الله بن عبد الواحد الكنانى، وأبى عبد الله محمد بن على الحرانى، وأبى الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدى، ويحيى بن محمود الثقفى، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر. وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبى المفاخر سعيد بن الحسن المأمونىوأبى محمد بن برى النحوى، وخرج له الحافظ عبد الغنى المقدسى أربعين حديثا من رواياته، وحدث بها. وسمع منه جماعة، منهم: الضياء، والمنذرى، وروى عنه ابن خليل، وولده أبو الفرج عبد الرحمن، قاضى القضاة، وحفظ منه مختصر الخرقى فى الفقه. وتفقه فى المذهب. وقرأ النحو على ابن برى بمصر، وأظنه حفظ «اللمع» بن جنى. وكتب بخطه كثيرا، من ذلك: «الحلية» لأبى نعيم، و «تفسير البغوى»، و «المغنى» فى الفقه لأخيه الشيخ موفق الدين، و «الإبانة» لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة لأهله، وكتب «الخرقى» للناس، والكل بغير أجرة. وكان سريع الكتابة، وربما كتب فى اليوم كراسين بالقطع الكبير. قال الحافظ الضياء: وكان الله قد جمع له معرفة الفقه، والفرائض، والنحو، مع الزهد والعمل، وقضاء حوائج الناس. قال: وكان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثا إلا عمل به. وكان يصلى بالناس فى نصف شعبان مائة ركعة، وهو شيخ كبير، وكأنه أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، وسافر هو وجماعة، فقام فى الليل يصلى ويحرس الجماعة، وقلل الأكل فى مرضه قبل موته، حتى عاد كالعود. ومات وهو عاقد على أصابعه يسبح قال: وحدثت عن زوجته، قالت: كان يقوم الليل، فإذا جاءه النوم، عنده قضيب يضرب به على رجليه، فيذهب عنه النوم. قال: وكان كثير الصيام سفرا وحضرا. قال ولده عبد الله: إنه فى آخر عمره سرد الصوم، فلامه أهله، فقال: إنما أصوم أغتنم أيامى؛ لأنى إن ضعفت عجزت عن الصوم، وإن مت انقطع عملى. وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده،ولا جهاد إلا خرج فيه. وكان يقرأ فى الصلاة كل ليلة سبعا مرتّلا، ويقرأ فى النهار سبعا بين الظهر والعصر، فإذا صلّى الفجر قرأ آيات الحرس بعد أن يفرغ من التسبيح. وكان قد كتب فى ذلك كراسة، وهى معلقة فى المحراب، وربما قرأ فيها خوفا من النعاس، ثم يقرأ ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلى الضحى صلاة طويلة. وكان يسجد سجدتين طويلتين، إحداهما فى الليل، والأخرى فى النهار، يطيل فيهما السجود، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها فى كل يوم ركعتين، يقرأ فى الأولى أول المؤمنون، وفى الثانية آخر الفرقان. وكان يصلى بين المغرب والعشاء أربع ركعات، يقرأ فيهن السّجدة، ويس، وتبارك، والدخان. ويصلى كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها، ويصلى يوم الجمعة ركعتين بمائة ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾ وكان يصلى فى كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة، وله أوراد كثيرة. وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ويحافظ على سن وأذكار عند نومه: من التسبيح، والتكبير، والتحميد، وقراءة تبارك، وغيرها من القرآن، ويقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة يا حى يا قيوم، لا إله إلا أنت. وكان لا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شئ يتصدق به، وكان يحمل همّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله. وكان يتفقد الأشياء النافعة، مثل النهر، والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين. وكان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، ويتصدق كثيرا ببعض ثيابه، حتى يبقى فى الشتاء بجبة بغير قميص، وكثيرا من وقته بغير سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له. وكان يلبس الخشن وينام على الحصير. وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمّه إلى رسغه، وربما تصدق بالشئ وأهله محتاجون إليه. ومكث مدة لا يأكل أهل الدير إلا من بيته. يجمع الرجال ناحية والنساء ناحية، وكان إذا جاء شئ إلى بيته فرقه على الخاص والعام.وكان يقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر. ويقول: إذا لم تتصدقوا لا يتصدق أحد عنكم، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم. وكان يحب اللبن المصفى بخرقة، فعمل له منه مرة فلم يأكل منه، فقيل له. فقال تركته لحبى إياه، ثم لم يأكله بعد ذلك. وكان إذا خطب ترقّ القلوب، ويبكى بعض الناس بكاء كثيرا. وكان له هيبة عظيمة فى القلوب، حتى كان أحد الطلبة يريد أن يسأله عن شئ، فما يجسر أن يسأله، وإذا دخل المسجد سكتوا، وخفضوا أصواتهم، وإذا عبر فى طريق والصبيان يلعبون هربوا، وإذا أمر بشئ لا يجسر أحد أن يخالفه. وكان كثيرا ما يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده. فقال له المتولى يوما: إنك تكتب إلينا فى قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهى أن لا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدنى، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتى وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا. واحتاج الناس فى سنة إلى المطر، فطلع معهم إلى مغارة الدم، ومعه نساء من محارمه، واستسقى ودعا، فجاء المطر حينئذ، وجرت الأودية شيئا لم يره الناس من مدة. وله كرامات كثيرة. وذكر بعضهم، قال: جئنا مرة إلى عنده، ونحن ثلاثة أنفس جياع، فقدّم إلينا سكرجة فيها لبن، وكسيرات، فأكلنا وشبعنا، وأنا انظر إليها، كأنها لم تنقص قال الضياء: وسمعت الإمام محمد بن أبى بكر بن عمر يقول: دعانى الشيخ مرة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأنى وقال: إذا قرأ الإنسان قبل الأكل ﴿(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾ و ﴿(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)﴾ ثم أكل، فإنه لا يضره. وسمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن النحاس، يقول: كان والدى يحب الشيخ أبا عمر، فقال لى يوم جمعة: أنا أصلى الجمعة خلف الشيخ،ومذهبى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون فى صلاتى شئ، فمضينا إلى المسجد، فوجدنا الشيخ، فسلم على والدى وعانقه، ثم قال: يا أخى، صل وأنت طيب القلب؛ فإننى ما تركت (بسم الله الرحمن الرحيم) فى نافلة، ولا فريضة، منذ أممت بالناس، فالتفت إلىّ والدى، وقال: احفظ. وكان بعض الناس يرسل إلى الشيخ فى كل سنة شيئا فيقبله، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما فتألم، ثم فكر فيهما، فوجدهما من جهة غير طيبة. قال: فبعث إليه غيرهما، فقبلهما. قال الضياء: وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان، قال: جاء رجلان إلى الشيخ أبى عمر، فقالا له: إن قراحا قد أخذ فلانا وحبسه، فادع عليه، فباتا عند الشيخ، فلما كان من الغد قال: قضيت الحاجة، وإذا جنازة قراح عابرة، وأطال الضياء ترجمة الشيخ أبى عمر. وكذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى المرآة. وقال: كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. قال: وكان إذا نزل من الجبل لزيارة القبور - أو غير ذلك - جمع الشيخ من الجبل وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل فى الليل إليهم الدراهم والدقيق، ولا يعرفونه. قال: وما نهر أحدا. ولا أوجع قلب أحد. وكان يقول: أنا زاهد. ولكن فى الحرام. ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة فى خيمة، فجاء العادل إلى زيارته وهو فى الصلاة، فما قطعها ولا التفت إليه ولا ترك ورده. وكان يصعد المنبر فى الجبل، وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفى يده عصا والمنبر يومئذ ثلاث مراق. وكان يجاهد فى سبيل الله.، ويحضر الغزوات مع صلاح الدين.وكان أخوه الموفق يقول عنه: هو شيخنا، ربّانا وأحسن إلينا، وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة كالوالد يقوم بمصالحهم، ومن غاب منهم خلفه فى أهله. قال: وكان أبى أحمد قد تخلى عن أمور الدنيا وهمومها، فكان المرجع فى مصالح الأهل إليه، وهو الذى هاجر بنا، وسفّرنا إلى بغداد، وبنى الدير. فلما رجعنا من بغداد زوجنا وبنى لنا دورا خارجة عن الدير وكفانا هموم الدنيا. وكان يؤثرنا ويدع أهله محتاجين، وبنى المدرسة والمصنع بعلو همته. وكان مجاب الدعوة، وما كتب لأحد ورقة للحمى إلا شفاء الله تعالى. قال أبو المظر: وكراماته كثيرة، وفضائله غزيرة، فمنها: أنى صليت يوم جمعة بجامع الجبل فى أول سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونانى إلى جانبى، فلما كان فى آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة قريبة وكان نازلا بها، فظننت أنه احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شئ. فلما صليت الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير، ما الذى أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر، ما تحل خلفه صلاة، قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذى يقول؟ قال: قال الملك العادل، وهو ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول فى آخر الخطبة: اللهم، أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبى عمر لا تصح، فيا ليت شعرى خلف من تصح؟ وبينا نحن فى الحديث، وإذا بالشيخ أبى عمر قد دخل ومعه مئزر، فسلم وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة. ثم قال ابتداء: قد جاء فى الحديث: أنّ النبى ﷺ قال «ولدت فى زمن الملك العادل كسرى» فنظر إلى الشيخ عبد الله: وتبسم، ومدّ يده فأكل. وقام أبو عمر فنزل. فقال الشيخ عبد الله: ماذا إلا رجل صالح. قال أبو المظفر: وقلت له يوما: أول ما قدمت الشام ما كان يرد أحدا فى شفاعته إلى من كان، وقد كتب ورقة إلى الملك المعظم عيسى بن العادل. وقالفيها: إلى الولد الملك المعظم، فقلت له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى؟ فتبسم ورمى بالورقة، وقال: تأملها. وإذا به لما كتب «الملك المعظم» كسر الظاء، فصار المعظم، وقال، لا بد أن يكون يوما قد عظم الله تعالى، فعجبت من ورعه وتحفظه فى منطقه عن مثل هذا. قال أبو المظفر: وأصابنى قولنج عانيت منه شدة، فدخل علىّ أبو عمر وبيده خروب شامى مدقوق، فقال: استفّ هذا. وكان عندى جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضره، فما التفت إلى قولهم. فأخذته من يده فأكلته، فبرأت فى الحال. قال: وحكى الجمال البصراوى الواعظ قال. أصابنى قولنج فى رمضان، فاجتهدوا فى أن أفطر، فلم أفعل، وصعدت إلى قاسيون، فقعدت موضع الجامع اليوم، وإذا بالشيخ أبى عمر قد أقبل من الجبل، وبيده حشيشة، فقال: شم هذه تنفعك، فأخذتها وشممتها، فبرأت. وقرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: كان أبو عمر فقيها زاهدا عابدا. كتب بخطه كثيرا من كتب الحديث والفقه على مذهب الإمام أحمد، وكتاب «المغنى» لأخيه. وكان مع ذلك له أوراد من الصلاة والتلاوة، يقوم بها، وحج وغزا وكان شيخ جماعته، مطاعا فيهم، محترما عند نور الدين محمود بن زنكى. وزاره وبنى لهم فى الجبل مسجدا وسقاية. وقال غيره: له آثار جميلة، منها: مدرسته بالجبل، وهى وقف على القرآن والفقه. وقد حفظ القرآن فيها أمم لا يحصون. وذكر جماعة: أن الشيخ أبا عمر قطب، وأقام قطب الوقت قبل موته ست سنين. وقال أبو المظفر: كان على مذهب السلف الصّالح، حسن العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، والآثار المروية وغيرها كما جاءت، من غير طعن على أئمة الدينوعلماء المسلمين. وينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصّالحين. قال: وأنشدنى لنفسه: أوصيكم فى القول بالقرآن … بقول أهل الحق والإتقان ليس بمخلوق ولا بفانى … لكن كلام الملك الدّيان آياته مشرقة المعانى … متلوة فى اللفظ باللسان محفوظة فى الصدر والجنان … مكتوبة فى الصحف بالبنان والقول فى الصفات يا إخوانى … كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران … من غير تشبيه ولا عدوان قال: وأنشدنى لنفسه: ألم يك ملهاة عن اللهو أننى … بدا لى شيب الرأس والضعف والألم ألمّ بي الخطب الذى لو بكيته … حياتى حتى ينفد الدمع لم ألم قال أبو المظفر: وكان سبب موته: أنه حضر مجلسى بقاسيون فى الجامع، مع أخيه الموفق والعماد والجماعة. وكان قاعدا فى الباب الكبير، وجرى الكلام فى رؤية الله تعالى ومشاهدته، واستغرقت فى ذلك. وكان وقتا عجيبا، وأبو عمر جالس إلى جانب أخيه الموفق. فقام وطلب باب الجامع، ولم أره. فالتفت، فإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد، فظن أبو عمر أننى أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية إلى أن فرغ المجلس. ثم حمل إلى الدير. فكان آخر العهد به. وأقام مريضا أياما، ولم يترك شيئا من أوراده. فلما كان عشية الاثنين ثامن عشر ربيع الأول - يعنى سنة سبع وستمائة - جمع أهله واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة يس وكان آخر كلامه: (١٣٢:٢ ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)﴾. وتوفى رحمه الله تعالى، وغسل فى السحر. ومن وصل إلى الماء الذى غسل بهنشف به النساء مقانعهن، والرجال عمائمهم، ولم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والعلماء والأمراء والأعيان وعامة الخلق. وكان يوما مشهودا. ولما خرجوا بجنازته من الدير كان يوما شديد الحر، فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره. وكان يسمع منها دوىّ كدوىّ النحل. ولولا المبارز المعتمد، والشجاع بن محارب، وشبل الدولة الحسامى ما وصل إلى قبره من كفنه شئ. وإنما أحاطوا به بالسيوف والدبابيس. وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأن قاسيون قد وقع أو زال من مكانه فأوّلوه بموته. ولما دفن رأى بعض الصالحين فى منامه تلك الليلة النبى ﷺ وهو يقول: من رأى أبا عمر ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا قليلا ولا كثيرا. وقال غيره: حزر من حضر جنازته، فكانوا عشرين ألفا. وذكر الضياء عن عبد المولى بن محمد: أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى قوله تعالى (٦٨:٢ ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)﴾ قال: فغلطت، فرد علىّ الشيخ من القبر، قال: فخفت وفزعت وارتعدت وقمت، ثم مات القارئ بعد ذلك بأيام. وهذه الحكاية مشهورة. قال: وقرأ بعضهم عند قبره سورة الكهف، فسمعه من القبر يقول: لا إله إلا الله. وذكر له عدة منامات. وقال أبو شامة فى مذيله: أول ما وقفت على قبره وزرته وجدت - بتوفيق الله تعالى ﷿ رقة عظيمة، وبكاء صالحا. وكان معى رفيق لى، وهو الذى عرفنى قبره، وجد أيضا مثل ذلك. قال: وأخبرنى بعض أصحابنا الثقات: أنه رأى الإمام الشافعى ﵀ فىالمنام، فسأله: إلى أين تمضى؟ فقال: أزور أحمد بن حنبل، فأتبعته انظر ما يصنع. فدخل دارا، فسألت: لمن هى؟ فقيل: للشيخ أبى عمر ﵀. وقد رثاه الأديب أبو عبد الله محمد بن سعيد المقدسى بقصيدة، منها: أبعد أن فقدت عينى أبا عمر … تضمنى فى بقايا العمر عمران؟ ما للمساجد منه اليوم مقفرة … كأنها بعد ذاك الجمع قيعان؟ ما للمحاريب بعد الأنس موحشة … كأنّ لم يتل فيها الدهر قرآن؟ تبكى عليه عيون الناس قاطبة … إذ كان فى كل عين منه إنسان وكان فى كل قلب منه نور هدى … فصار فى كل قلب منه نيران وكل حى رأينا فهو ذو أسف … وكل ميت رآه فهو فرحان لا زال يسقى ضريحا أنت ساكنه … سحائب غيثها عفو وغفران كم ميت ذكره حيّ، ومتصف … بالحيّ ميت، له الأثواب أكفان وكان والده الشيخ أبو العباس أحمد خطيب جماعيل رجلا صالحا، زاهدا عابدا، صاحب كرامات، وأحوال وعبادات ومجاهدات. قرأ فى رمضان خمسا وستين ختمة. وكان عليه مهابة عظيمة، لا يراه أحد إلا قبّل يده. قال أبو الفرج بن الحنبلى: كان له قدم فى العبادة والصلاح. سمعت والدى يقول: لو كان نبى يبعث فى زمان الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة كان هو. وقد حدث وروى عنه ولداه: أبو عمر، والموفق. وكان مولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتوفى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ودفن بسفح جبل قاسيون. وإلى جانبه دفن ولده أبو عمر. رحمهما الله. قرئ على أبى محمد عبد الله بن إسماعيل الأنصارى - وأنا أسمع - أخبركم محمد بن أحمد القاضى أبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة أخبرنا والدى الزاهد أبو عمر.
Parsing and provenance details
Local passage ID
783690
Book record
shamela-1053
Source record
dedupe:240:119828
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
Muhammad bin Ahmed bin — shamela-1053 · Hadith Research Library