page 239, entry [136]Open original source
١٢٩ - محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضى أبى يعلى الصغير. ويلقب عماد الدين ابن القاضى أبى خازم ابن القاضى الكبير أبى يعلى، شيخ المذهب فى وقته. ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبيه وعمه القاضى أبى الحسين، وأبى البركات طلحة العاقولىوأبى علىّ التككى، وأبى الحسن بن العلاف، وأبى العز بن كادش، وأبى الغنائم النرسى، وابن نبهان، وابن بيان، وغيرهم. وظهر له إجازة لابن الجواليقى معه من الحريرى صاحب المقامات. وتفقه على أبيه القاضى أبى خازم، وعلى عمه القاضى أبى الحسين. وبرع فى المذهب والخلاف والمناظرة. وأفتى ودرس وناظر فى شبيبته. وكان ذا ذكاء مفرط، وذهن ثاقب، وفصاحة وحسن عبارة. قال ابن القطيعى: قرأت عليه شيئا من المذهب، وحضرت درسه، ولم ير مثله فى حسن عبارته، وعذوبة محاورته، وحسن سمته، ولطافة طبع، ولين معاشرة، ولطف تفهيم. عطر بالرئاسة، خليق بالتصدر، جد واجتهد حتى صار انظر أهل زمانه، وأوحد أقرانه، ذو خاطر عاطر. وفطنة ناشئة، أعرف الناس باختلاف أقوال الفقهاء. ظهر علمه فى الآفاق، ورأى من تلاميذه من ناظر ودرس وأفتى فى حياته. وولى القضاء بباب الأزج سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. ثم ولى قضاء واسط سنة سبع وثلاثين، وبقى مدة بها حاكما، ثم عزله قاضى القضاة أبو الحسن ابن الدامغانى. وذكر عنه: أنه لم يلتفت إلى عزله واستمر على الحكم، ثم خاف عاقبة ذلك فتشفع بصاحب البطيحة إلى الخليفة، ثم قدم بغداد بعد إحدى عشرة سنة، وقد ذهب بصره، فلازم بيته. وكانت له حلقة بجامع القصر للمناظرة، وبنيت له فى بعض الأوقات موضعها دكة، ثم أزيلت، وذلك قبل ولايته للقضاء. ولما بنى أبو المعالى بن النبل مدرسة بالريان جعلها للحنابلة، وفوض أمرها إلى القاضى أبى يعلى هذا. وكان ذا فصاحة، لسن. ومن بعض كتبه إلى بعض العلماء: فلو أن الكرم مقلة كان هو إنسانها، أو المجد لغة لكان هو لسانها، أو السؤدد دهرا لكان هو ربيع أزمانه، أو الشرفعمرا كان صفوة ريعانه، أو الاجواد شهبا لكان هو الشمس التى إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها، وإذا تأملها الراءون ردت أبصارهم عن شعاعها ونورها. وللشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى القاضى أبى يعلى هذا مدائح كثيرة. فمن ذلك قوله يهنيه بقدوم رجب، أنشده عنه ابن القطيعى فى تاريخه: تهن بشهر قد أتاك على يمن … يبشر بالإقبال والسعد والأمن وعش سالما من كل منية حاسد … ومن شر ذى شر ومن كيدذى ضغن ومر وانه وانعم واعل وانق وطب وجد … وعد وارق وازدد واسم بالفهم والذهن تدبرت بالفكر السليم عواقب … الأمور ولم تقبل على مثمر الغبن وسابقت أهل العلم حتى سبقتهم … فذو السبق منهم حين سعيك فى وهن وكلهم فى الدين أضحوا كهيئة … وأصبحت فى الإسلام كالشرط والركن وكم ليلة ناموا وبت مؤانسا … علوما أبت من لم يبت ساهر الجفن إذا أنت جادلت الخصوم تجدلوا … لديك بلا ضرب يقد ولا طعن وإن فهت بالتدريس نظمت لؤلؤا … وإن تسطر الفتوى فكالدر فى القطن فبيتك معروف وعلمك ظاهر … وفضلك مشهور، فما حصل المثنى عليك سوى تشريفه بمد يحكم … وإلا فعلم الناس فيكم بكم يغنى وذكر ابن الجوزى فى كتابه التلقيح: أن أبا يعلى هذا هو الذى كان فقيه العصر فى الطبقة الرابعة عشر. وصنف القاضى أبو يعلى تصانيف كثيرة، منها: «التعليقة» فى مسائل الخلاف كبيرة، و «المفردات»، وكتاب «شرح المذهب» وهو مما صنفه فى شبيبته، وكتاب «النكت والإشارات فى المسائل المفردات». وقرأ عليه المذهب والخلاف جماعة كثيرة، منهم: أبو إسحاق الصقال وأبو العباس القطيعى، وأبو الحسن بن ورخز، وأبو البقاء العكبرى. وعلق عنه الخلاف بواسط يحيي بن الربيع الشافعى مدرس النظامية.وحدث، وسمع منه جماعة، منهم: أبو العباس القطيعى، وأبو إسحاق الصقال وأبو المعالى بن شافع، وأبو بكر محمد بن المبارك بن الحضرى، وأحمد بن صرما، وغيرهم. وتوفى ليلة السبت - سحرا - خامس جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة. كذا ذكره ابن الجوزى فى طبقاته، وفى جزء مفرد، وابن القطيعى، وابن نقطة. وذكر ابن الجوزى أيضا فى تاريخه وفى كتاب فضائل مقبرة أحمد: أنه توفى فى خامس جمادى الآخرة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر، وأم الناس عليه ولده أبو منصور. ودفن بمقبرة باب حرب عند أبيه وجده. رحمهم الله تعالى. وذكر ابن الجوزى فى موضع: أنه لم يشيعه عدد كثير، وقال فى تاريخه: كان سأل فى مرضه أن يدفن فى دكة الإمام أحمد، فأرسل إلى الوزير يقول: فى الدكة جدى لأمى، فأنكر الوزير ذلك وقال: كيف تنبش عظام الموتى؟. قرأت على أبى المعالى محمد بن عبد الرّزاق بن أحمد الشيبانى ببغداد: أخبركم أبو الفرج عبد الرحمن ابن عبد اللطيف البزار - سماعا - أخبرنا أبو العباس أحمد بن صرما - قراءة عليه - أخبرنا القاضى الإمام أبو يعلى محمد بن محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلى - قراءة عليه - أخبرنا أبو الغنائم محمد بن على بن ميمون الحافظ بن على بن إبراهيم المقرئ ح وأخبرناه - عاليا - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصارى بدمشق، أخبرنا المسلم بن محمد بن علان أخبرنا، حنبل بن عبد الله، أخبرنا هبة الله ابن محمد بن الحصين أخبرنا أبو على التميمى قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فضيل بن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهنى عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فىّ حكمك، عدل فىّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته فى كتابك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيمربيع قلبى، ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى: إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا. قال: فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ قال: فقال: بل ينبغى لمن يسمعها أن يتعلمها». ذكر القاضى أبو يعلى الصغير فى تعليقته - ونقلته من خطه - فيما إذا طرح فى الماء طحلبا أو ورقا أو طينا تعمدا، فتغير به الماء: فهل يسلبه طهوريته؟ على وجهين. قال: وإن تغير بعود أو كافور أو دهن: فقيه وجهان. قال: ويتوجه على المذهب: أن يصح الوضوء والغسل من غير نية؛ لأن الأثرم نقل عن أحمد: أنه سأله عن رجل اغتسل يوم الجمعة من جنابة ينوى به غسل الجمعة؟ قال: أرجو أن يجزيه. قال: وظاهر هذا يقتضى الجواز. قال: وقد بنى القاضى هذه المسألة على أن التجديد هل يرفع الحدث أم لا؟ وقال: فأما إخراج البعير عن خمس من الإبل فلا يجوز عندنا فى أحد الوجهين، والثانى: يجوز. وإذا قلنا: يجزى: فهل البعير كله فرض، أو خمسه؟ فيه وجهان. وفائدة الوجهين: أنه إذا كان الفرض قدر خمس البعير جاز هذا البعير الواحد عن خمسة وعشرين بعيرا، وهل الأصل الشاة أم البعير؟ فيه وجهان. أحدهما: الأصل كلاهما، أيهما أدى كان أصلا. والثانى: الإبل أصل، والشاة بدل. وقال: فيه وجوب الحج على التراخى فى أحد الروايتين. ثم نصر هذا القول ورجحه. وقال أيضا: تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة، على قياس المذهب. والمنصوص: أنها لا تثبت ببذل الابن ماله وبدنه. وأخذه من قاعدة أحمد فى تصرف الأب فى مال ابنه، وبسطه فيه. ونصر فيه أيضا: أن الإحرام بالحج لا ينعقد فى غير أشهر الحج.قال: ورواه هبة الله الطبرى فى سننه عن إمامنا أحمد، قال: والذى نقله جماعة الأصحاب واختاروه: أنه يصح فى جميع السنة. ونصر فيه: صحة الاستئجار، وجواز أخذ الأجرة على سائر القرب غير المتعينة ومما ذكره فى شرح المهذب - ونقلته من خطه -: يتوجه أن يجب الغسل بغيبوبة بعض الحشفة؛ لأن من أصلنا: أن وجود بعض الجملة يجرى مجرى وجود جميعها، كما فى مسائل الأيمان. وذكر فيه: إذا أولج رجل فى قبل الخنثى المشكل: هل يجب عليه الغسل؟ يحتمل وجهين. وذكر فيه: أنه يستحب للرجل إذا أجنب وأراد النوم أن يتوضأ، فإن كان الجنب امرأة ففى استحباب الوضوء لها روايتان. قال: فإن أراد الجنب الأكل أو الشرب استحب له أن يغسل فرجه ويتوضأ، فى الروايتين. وفى الأخرى: يغسل يده وفمه. قال: ويستحب للإنسان إذا فرغ من وضوئه أن يشرب الماء الذى فضل منه وذكر حديث علىّ فى ذلك. وذكر فى جواز دخول المرأة حمامها فى بيتها لغير عذر شرعى: يحتمل وجهين قال: فإن أجزناه فإنها تدخل وحدها، ولا تدخل معها امرأة قريبة ولا بعيدة. وحكى فى كفارة وطء الحائض: هل يجزئ صرفها إلى واحد من الفقراء؟ على وجهين. أحدهما: يجزئ، وهو اختيار أبى حفص البرمكى. والثانى: لا يجزئ. وعلى هذا: فبكم يتقدر؟ لا نص فيها عن أصحابنا، ويحتمل وجهين. أحدهما: يجب صرفها إلى عشرة من المساكين؛ لأنه أقل عدد يجزئ فى كفارة اليمين.والثانى: يجزئ ثلاثة؛ لأنه أقل الجمع المطلق. وقال فيه: فأما من به جرح يجرى دمه فلا يرقأ: فعليه أن يغسله عند كل فريضة ويشده. وفى إيجاب الوضوء روايتان. وحكى رواية عن أحمد: أن أقل النفاس ثلاثة أيام؛ لقوله فى رواية أبى داود وقد قيل له: إذا طهرت بعد يوم؟ فقال: «بعد يوم لا يكون ولكن بعد أيام» وذكر فيمن اجتهد وصلّى، ثم بان أنه صلّى قبل دخول الوقت رواية: أنه لا يلزمه القضاء. قال: وقد تأولها أصحابنا. وقال: إذا كان عليه سجود وسهو بعد السلام أخر الدعاء إلى تشهده؛ ليكون خاتمة صلاته. وحكى فيما إذا كان عليه سجود بعد السلام، فسجد قبله: هل تجزيه ويعتد به؟ على وجهين. وقال فيه: فإن صلّى فاسق خلف فاسق: فهل تصح أم لا؟ على احتمالين.