page 729, entry [516]Open original source
[أخباره مع الرشيد والمهدي] وعن عتيق بن يعقوب الزبيري قال: قدم هارون الرشيد المدينة وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجَّه إليه البرمكي فقال: أَقْرِئه السَّلام، وقل له يحمل إليَّ الكتاب فيقرؤه عليَّ. فأتاه البرمكي، فقال: أقرئه السلام وقل له: العلم يُزَار ولا يزور، وإن العلم يُؤتى ولا يأتي. فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبويوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجَّهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك، اعزم عليه. فبينا هو كذلك إذ دخل مالك بن أنس فسلّم وجلس، فقال: يا ابن أبي عامر، أبعث إليك فتُخالفني؟ فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزّهري وذكر سنده عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه ﵀ قال: «كنت أكتب الوحي بين يدَيْ رسول الله ﷺ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، قال: وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله في فضل الجهاد ما قد علمت. فقال النبي ﷺ: «لا أدري» وقلمي رطب ما جفَّ، حتى وقع فخذ النبي ﷺ على فخذي، ثم أغمي على النبي ﷺ، ثم جلس فقال ﷺ: «يا زيد اكتب: ﴿ .. غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ … (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]». فيا أمير المؤمنين: حرف واحد بُعث فيه جبرائيل والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أُعِزّه وأُجِلّه؟ وأن الله تعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول مَنْ يضع عن العلم فيضع الله عزك. قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصّة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرؤه عليّ؟ قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان. قال: فَتُخرج الناس عني حتى أقرؤه أنا عليك، فقال مالك: إن العلم إذا مُنع من العامّة لأجل الخاصة لم ينفع الله به الخاصة. فأمر له معن بن عيسى القزَّاز ليقرأه عليه.فلما بدأ ليقرأه قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركتُ أهل العلم ببلدنا وإنهم ليحبون التواضع للعلم. ونزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه (¬١). قال ابن ناصر الدين: وقد رويت هذه القصة أطول من هذا عن عبد الله بن وهب، وهذه أمثل. وأخرج الخطيب عن أبي بكر ابن أبي زيد الزبيري قال: قال الرشيد لمالك: لم نرَ في كتابك ذكراً لعلي وابن عباس، فقال: لم يكونا ببلدي، ولم ألقَ رجالهما. وذكر الدّولابي عن حسين بن عروة قال: قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك بألفيّ دينار أو بثلاثة آلاف. ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السلام. فقال مالك: قال رسول الله ﷺ: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (¬٢)، والمال عندي على حاله (¬٣).