page 315, entry [195], entry [156]Open original source
١٥٦ - هشام بن عروة قال ابن رجب: قال أحمد في رواية الأثرم: كأن رواية أهل المدينة عن هشام بن عروة أحسن، أو قال: أصح، وقال: كان يحيى بن سعيد يرسل الأحاديث التى يسندونها، يعني أنه كان يرسل عن هشام كثيرًا. قال: فقلت له: هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يسند عنه، من قبله كان؟ فقال: نعم. وذكر أن عيسى بن يونس أسند عنه ما كان يرسله الناس، كحديث الهدية وغيره. وقيل له: علي بن مسهر؟ قال: كان علي بن مسهر قد ذهب بصره، فكان يُحدثهم من حفظه. وقال الأثرم أيضًا: قال أبو عبد الله: ما أحسن حديث الكوفيين عن هشام ابن عروة، أسندوا عنه أشياء. قال: وما أرى ذلك إلا على النشاط، يعنى أن هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل تارة أخرى. قلت لأبي عبد الله: كان هشام تغير؟ قال: ما بلغنى عنه تغير.وقال أبو عبد الله: ما كان أروى أبا أسامة، يعنى عن هشام، روى عنه أحاديث غرائب. قال: ومالك يرسل أشياء كثيرة يسندها غيره، وقال أيضًا: ما رأيت أحدًا أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة ولا أحسن رواية منه، ثم ذكر حديث تركة الزبير فقال: ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه، قال: وحديث الإفك حسنه وجوده. وقال الدارقطني: أثبت الرواة عن هشام بن عروة الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وابن نمير، والليث بن سعيد. وقال ابن خراش في "تاريخه": هشام بن عروة كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقًا، تدخل أخباره في الصحاح، بلغني أن مالكًا نقم عليه حديثه لأهل العراق قدم الكوفة ثلاث قدمات، قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية فكان يقول: حدثني أبي، عن عائشة، وقدم الثالثة فكان يقول: أبي عن عائشة، يعنى لا يذكر السماع. قال: وسمع منه بآخره وكيع، وابن نمير، ومحاضر. انتهى وهذا مما يؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه كمالك وغيره، أصح من حديث أهل العراق عنه. وذكر العقيلي بإسناده عن ابن لهيعة، قال: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه. وعن ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: لم يكن عروة يرفع حديث أم زرع إلى النبي ﷺ إنما كان يقطع به الطريق.قال العقيلي: لم يأت بحديث أم زرع غير هشام، وأبو الأسود يتيم عروة أوثق من هشام. وقال ابن أبي خيثمة: رأيت في كتاب علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدّث به وهو عندنا فهو، أي كأنه صححه، وما حدّث به بعد ما خرج من عندنا فكأنه يوهنه. قال القاضي إسماعيل المالكي: بلعني عن علي بن المديني أن يحيى القطان كان يضعف أشياء حدّث بها هشام بن عروة في آخر عمره، لاضطراب حفظه بعدما أسن، والله أعلم. وسمعت على بن نصر وغيره يذكرون نحو هذا عن يحيى بن سعيد (¬١). قال الخطيب البغدادي: أخبرني الأزهري، حدثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا جدي قال: هشام بن عروة ثبت ثقة، لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية، فأنكر ذلك عليه أهل بلده. قال جدي: والذي يرى أن هشامًا يتسهل لأهل العراق، أنه كان لا يُحدّث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أن أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه (¬٢).قال ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض الاختلاف، وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش، يسند الحديث أحيانًا ويرسله أحيانًا، لا أنه يقلب إسناده كأنه على ما يذكر من حفظه يقول: عن أبيه عن النبي ﷺ، ويقول عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ، إذا أتقنه أسنده، وإذا هابه أرسله. قال ابن رجب: وهذا فيما نرى أن كتبه لم تكن معه في العراق فيرجع إليها، والله أعلم (¬١). قال مغلطاي: قال الآجري عن أبي داود: لما حدّث هشام بن عروة بحديث أم زرع هجره أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن وقال: لم يُحدّث عروة بهذا، إنما كان يُحدثنا بهذا يقطع السفر (¬٢). قال الذهبي: هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا. نعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان! ولما قدم العراق في آخر عمره حدّث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيعولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان، وكذا قول عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضاه، نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات: قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، والثانية كان يقول: أخبرني أبي عن عائشة، وقدم الثالثة فكان يقول: أبي، عن عائشة. يعني يرسل عن أبيه (¬١). قال العلائي: هشام بن عروة أحد الأعلام المتفق عليهم. ذكر ابن القطان في أثناء كلام له أن هشامًا هذا تغير واختلط، وهذا القول لا عبرة به، لعدم المتابع له، بل هو حجة مطلقًا، وإن كان وقع شيء ما فهو من القسم الذى لم يؤثر فيه شيء من ذلك (¬٢). قال ابن حجر: قال أبو الحسن بن القطان: هشام بن عروة تغير قبل موته، ولم نر له في ذلك سلفًا (¬٣). قال المعلمي اليماني معقبًا على ما قاله الذهبي في "الميزان": أما النسيان فلا يلزم منه خلل في الضبط، لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديثفحدّث بها ثم نسيها فلم يُحدّث بها. وأما الوهم فإذا كان يسيرًا يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يُسمى خللًا في الضبط ولا ينبغي أن يُسمى تغيرًا، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات، ولم يذكروا في ترجمته شيئًا نُسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرة في حديث أم زرع، والحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبيه عن عائشة قالت: "جلس إحدى عشرة امرأة … ". فساقت القصة بطولها. وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: "قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ كنت لك كأبي زرع لأم زرع". وهذا السياق صحيح اتفاقًا ولكن رواه هشام مرة أخرى فرفع القصة كلها وقد تُوبع على ذلك كما في "الفتح" ولكن الأول أرجح. واستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفاقًا وهو قوله ﷺ: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" مبنى على القصة، فلابد أن يكون ﷺ بدأ فذكر القصة ثم بنى عليها تلك الكلمة، أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة. وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب، وكان ﷺ قد سمعهم يحكونها، وعلم أن عائشة قد سمعتها فبنى عليه تلك الكلمة. وعلى كل حال فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام (¬١).