page 811, entry [852]Open original source
٨٣٩ - ابن جَمَاعة * الشيخ الإمام العالم العلّامة المفتي ذو الفنون، قاضي القضاة، بقيّة الأعلام، بدر الدين أبو عبد الله، محمد ابن القُدْوة البَرَكة إبراهيم بن سعد الله بن جَمَاعة بن علي بن جَمَاعة بن حازم بن صخر، الكِنَاني الحَمَوي الشافعي، صاحب التصانيف. وُلد بحَمَاة سنة تسع وثلاثين وست مئة. وسمع سنة خمسين من: شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضيِّ ابن البُرهان، والرَّشيد العطّار، وإسماعيل بن عَزُّون، وعدة، وبدمشق من ابن أبي اليُسْر، وابن عبدٍ، وطائفة، وأجاز له عمر ابن البَراذِعي، والرَّشيد ابن مسلمة، وطائفة. وحدث بـ"الشاطِبيّة" عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبيّ، وحدَّث بالكثير، وتَفرَّد في وقته. وكان قويَّ المشارَكة في فنون الحديث، عارفًا بالفقه وأصوله، ذكيًّا يَقِظًا، مناظرًا، متفنِّنًا مفسِّرًا، خطيبًا مفوَّهًا، وَرِعًا صَيِّنًا، تامَّ الشَّكل، وافر العقل، حسن الهَدْي، متين الدِّيانة، ذا تعبُّد وأوراد، وحجٍّ واعتمار، وله تصانيفُ سائرة، و"أربعون تُساعيّة".درَّس وأفتى وأَشغَل، ثم نُقِل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن السَّلْعوس فولَّاه قضاءَ مصر، وارتفع شأنُه، ثم بُعِثَ على قضاءِ الشام، ثم وليَ خطابةَ دمشق، وروى الكثير، ثم طُلِبَ لقضاءِ مصر بعد ابن دَقِيق العيد. وامتدَّت أيامُه، وحُمِدَت أحكامه، وكَثُرَت أمواله، فتَرَك الأخذَ على القضاء عِفّةً، وكان يَخطُب من إنشائه، ولي مناصِبَ كِبارًا، وكان السلطان لما رجع من الكَرَك ومهَّد الأمور صَرَفَ من القضاء القاضي بدر الدين بالقاضي جمال الدين الزُّرَعي، فاستمرَّ الزُّرَعي نحوَ السنة، ثم رضِي السلطانُ وأعاد ابنَ جماعة إلى المنصب، وامتدَّت أيامُه وشاخ، وثَقُلَ سمعُه، ثم أَضَرَّ فَعَزَل نفسه وأقبل على شأنِه. وعَلَا إسنادُه وتفرَّد، وصنَّف في علوم الحديث وفي الأحكام وغير ذلك، وكان روضةَ معارف، يَضرِبُ في كل فنٍّ بسَهْم، ويَنطَوي على دين وتألُّه وتصوُّن، وله وَقْعٌ في القلوب وجلالة في الصدور. وكان والده من كبار الصالحين، تُوفِّي ببيت المَقدِس سنة خمس وسبعين وست مئة، وتوفِّي هو في العشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وله أربع وتسعون سنة وشهر، وكان مليحَ الهيئة، أبيض، مُسمتًا، مستدير اللحية كثَّها، نقيَّ الشَّيبة، دقيق الصوت، جميل البِزّة، يعلوه وَقارٌ وسَكِينة، ﵀، وعاش أبوه ثمانين سنة، ومات جدُّه في العام الذي وُلِدَ فيه أبوه سنة ست وتسعين وخمس مئة بحَمَاة، فتفقَّه والدُه بدمشق على الشيخ فخر الدين ابن عساكر، وحفظ نصف "المهذَّب" ثم أقبل على الحديث، وقرأ "الوسيط" دروسًا، ودرَّس بالبَشيريةوبالبارِزِيّة، ثم في أواخر أمره تَرَكَهما وأقام بدار الحديث الخَطِيبية. وكان ذا حظٍّ من صلاة وصيام، وتألُّه وإنابة، وكتب بخطِّه "جامع الأصول" مراتٍ، وهو سماعه من ابن أبي الدَّم بسماعه من المصنِّف، وكان شيخَ البيانيّة بحماة، وله أصحاب ومُرِيدون، وكان حسنَ الموعظة بليغ التذكير، يَحضُر مِيعادَه عدد كثير، وينتفعون به ويَتغالَوْن فيه، ولكلامه أثرٌ عظيم في القلوب، ﵀.