page 969, entry [716]Open original source
٦٩٦ - محمَّدُ بنُ جَرِير * ابن يزيدَ بن كَثير، الإمامُ الفَردُ الحافظ، أبو جَعْفر الطَّبري، أحدُ الأعلام، وصاحبُ التَّصانيف، من أهل آمُل طَبَرِسْتان.أكثرَ التَّطواف، وسمع: محمدَ بنَ عبد الملك بن أبي الشَّوارب، وأبا همّام السَّكُوني، وإسحاقَ بنَ أبي إسرائيل، وإسماعيلَ بنَ موسى الفَزاري بنَ بنت السُّدِّي، ومحمدَ بنَ حُميد الرّازي، وأحمدَ بنَ مَنيع، وأبا كُريب، وهنّاد بنَ السَّري، وخلائق. وأخذ القراءات عن جماعة. روى عنه مَخْلد الباقَرْحي، وأحمدُ بنُ كامل، وأبو القاسم الطَّبراني، وعبدُ الغفّار الحُضَيني، وأبو عَمرو بنُ حَمْدان، وخلق. قال الخطيب: كان ابنُ جَرير أحدَ الأئمَّة، يُحكم بقولِه، ويُرجع إلى رأيه لمعرفتِه وفضلِه. جمع من العلوم ما لم يشاركْهُ فيه أحدٌ من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب اللَّه، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنن وطرقها، صحيحِها وسقيمِها، ناسِخِها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصَّحابة والتَّابعين، بصيرًا بأيام النّاس وأخبارهم، له الكتاب الكبير المشهور في "تاريخ الأمم" وله كتاب "التفسير" الذي لم يُصَنَّف مثلُه، وكتاب "تهذيب الآثار" لم أرَ مثلَه في معناه لكن لم يُتمَّه، وله في الأصول والفروع كتبٌ كثيرة، وله اختيارٌ من أقاويل الفقهاء، وقد تفرَّد بمسائلَ حُفِظت عنه (١).وقيل: إنَّ ابنَ جَرير مكثَ أربعينَ سنةً يكتبُ كلَّ يومٍ أربعينَ ورقة. وقال تلميذُه أبو محمد الفَرْغاني (١): حسب تلامذةُ أبي جَعْفر منذ احتلم إلى أن مات، فقسموا على المدَّة مصنَّفاته، فصار لكلِّ يومٍ أربعَ عشرةَ ورقة. وقال أبو حامد الإسْفَراييني: لو سافرَ رجل إلى الصِّين في تحصيل "تفسير" ابن جَرير لم يكن كثيرًا (٢). وقال حُسَينك الحافظ: سألني ابنُ خزيمة: أكتبتَ عن ابنِ جَرير؟ قلت: لا، لأنَّه لا يظهر، وكانت الحنابلةُ تمنعُ من الدُّخول عليه، فقال: بئسَ ما صَنَعت (٣). وقال أبو بكر بن بالُوية: سمعتُ إمام الأئمَّة ابنَ خُزيمةَ يقول: ما أعلمُ على أديم الأرضِ أعلمَ من محمد بن جَرير، ولقد ظَلَمَتْه الحنابلة (٤). وقال أبو محمد الفَرْغاني: كان ابنُ جَرير لا تأخذُهُ في اللَّهِ لومةُ لائم مع عظم ما يُؤذى، فأمّا أهلُ الدِّين والعلم فغيرُ منكرين علمَه وزُهدَهورفضَه لدُّنيا وقناعتَه بما يجيئُه من حصَّةٍ خلَّفها له أبوه بطَبَرسْتان. بثَّ مذهبَ الشَّافعي ببغداد سنين (١)، واقتدى به، ثم اتَّسع علمُه، وأدّاه اجتهادُهُ إلى ما اختار في كتبه. وعُرضَ عليه القضاء، فأبى. وله "التفسير" و "التاريخ" وكتاب "القراءات" وكتاب "العدد والتنزيل" وكتاب "اختلاف العلماء" وكتاب "تاريخ الرجال" وكتاب "لطيف القول" في الفقه، وهو ما اختاره وجوَّده، وكتاب "الخفيف" وكتاب "التبصير" في الأصول، وابتدأ بتصنيف كتاب "تهذيب الآثار" وهو من عجائب كُتبه، ابتدأ بما رواه أبو بكر الصِّديق ممّا صحّ، وتكلَّم على كلِّ حديثٍ وعلّته وطُرقه وما فيه من الفِقه واختلاف العلماء وحججهم واللُّغة، فتم مسند العشرة وأهل البيت والموالي، ومن مسند ابن عباس قطعة، ومات. وابتدأ بكتاب "البسيط" فعمل منه كتاب الطَّهارة في نحو ألفٍ وخمسِ مئة ورقة، وخرج منه أكثر الصَّلاة، وخرج منه كتاب الحكام، والمحاضر، والسجلات. ولمّا بلغَهُ أنَّ ابنَ أبي داود تكلَّم في حديث "غَدير خُمّ" (٢)عمل كتاب "الفضائل" وتكلَّم على تصحيح هذا الحديث. قال: ورحل محمدٌ لمّا ترعرع من آمُل، وسمح له أبوه، وكان طولَ حياتِه يوجِّه إليه بالشيء إلى البلدان. قال لي: أبطأَتْ عني نفقةُ أبي حتّى بعتُ كمي قَميصي. وذكر عبيد اللَّه (١) بنُ أحمد السَّمْسار: أنَّ ابنَ جَرير قال لأصحابِه: هل تَنْشَطُون لتاريخ العالم؟ قالوا: كم يَجيء؟ فذكر نحوًا من ثلاثينَ ألف ورقة، قالوا: هذا ممّا يُفني الأعمارَ قبل تمامه، فقال: إنا للَّه، ماتت الهِمَم، فأملاه في نحو ثلاثةِ آلافِ ورقة. ولمّا أراد أن يُمليَ "التفسير" قال لهم كذلك، ثم أملاه على نحوٍ من "التاريخ" (٢). ولد ابنُ جَرير سنةَ أربعٍ وعشرين ومئتين. وقال ابنُ كامل: تُوفي عشيَّةَ الأحد ليومين بقيا من شوّال سنةَ عشرٍ وثلاثِ مئة، ودُفن في داره برَحْبة يَعْقوب، ولم يغيِّر شيبَة، وكان السَّواد فيه كثيرًا، وكان أسمَر إلى الأُدْمَة، أعيَن، نحيفَ الجسم، طويلًا، فصيحًا، شيَّعَهُ منْ لا يُحصيهم إلَّا اللَّه، وصُلِّي على قبره عدَّةَ شهورٍ ليلًا ونهارًا. ورثاه خلقُ من أهل الأدب والدِّين، ومن ذلك قولُ أبي سعيد بنُ الْأعرابي: حَدَثُ مُفْظِعٌ وخَطْبٌ جَلِيلٌ ... دَقَّ عَنْ مِثْلِهِ اصْطِبارُ الصَّبُورِ قامَ ناعي العُلوم أَجْمَعِ لمّا ... قامَ ناعي محمدِ بنِ جَرِيرِ (٣)وعملَ ابنُ دُرَيدٍ قصيدةً يقولُ فيها: إنَّ المَنيَّةَ لم تُتْلِفْ بهِ رَجُلًا ... بَلْ أَتْلَفَتْ عَلَمًا للدِّينِ مَنْصُوبا كانَ الزَّمانُ بهِ تَصْفُو مَشارِبُهُ ... والآنَ أَصْبَحِ بالتَّكْدِيرِ مَقْطُوبا كَلَّا وأيَّامُهُ الغُرُّ التي جَعَلَتْ ... للعِلْمِ نُورًا وللتَّقوى مَحَاريبا أَوْدى أبو جَعْفرٍ والعِلْم فاصْطَحَبا ... أعْظِمْ بِذا صَاحِبًا إذْ ذاكَ مَصْحُوبا وَدَّتْ بِقاعُ بلادِ اللَّهِ لو جُعِلَتْ ... قَبْرًا لهُ فَحَباها جِسْمُهُ طِيبا (١)