page 285, entry [144]Open original source
الشبهة الثامنة: لعنُ وسبُّ معاوية لعلي بن أبي طالب ﵁ -: من الأباطيل التي تُنسب إلى معاوية ﵁: أنه كان يسبُّ عليَّاً ومن معه، ويأمر بسبِّهم! وهذا من الكذب والافتراء، فلم يصح عن معاوية -فيما علمنا- شيء من ذلك، وأما ما جاء صحيحا من الروايات يفهم منه البعض انتقاصا من معاوية لعلي؛ فهو على غير ما فُهم، كما سيأتي. ولنبدأ بما لم يصح سنده، لأنه صريح العبارة: قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي: «أن عليَّاً كان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعَمْراً، وأبا الأعور السلمي، وحبيباً، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليَّاً، وابن عباس، والأشتر، وحسناً، وحسيناً» (¬٢). والجواب عن هذه الرواية: أنا واهية السند، منكرة المتن! أما السند: ففيه أبو مخنف لوط بن يحيى، تقدَّم أنه أخباري تالف، وشيخه أبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية: ضعَّفوه لكثرة تدليسه (¬٣). وأما المتن: ففيه أن عليَّاً هو الذي بدأ بالقنوت على معاوية وأصحابه، وهذا بعيد عن علي، فهو الذي عذرهم -كما تقدَّم- وشهد لهم بالإيمان، وكذلك يبعد عن معاوية أن يسب من علم فضلهم، وقد تقدَّمت شهادته بأنه يعلم أن عليَّاً أفضل وأعلم منه، وسيأتي بعد قليل ما يؤكد هذا المعنى.قال الحافظ ابن كثير -بعد ذكر هذه الرواية-: «ولا يصح هذا عنهم ﵃» (¬١). وقال القرطبي: «يبعد على معاوية أن يصرح بلعن عليٍّ وسبه؛ لما كان معاوية موصوفاً به من الفضل والدين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح. وأصحُّ ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا التراب؟» (¬٢). وهذه الرواية التي ذكرها القرطبي في آخر كلامه، والتي أشار إلى أنها أصح ما قيل في ذلك؛ لا يُفهم منها انتقاص معاوية لعلي، وإليك البيان: فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليَّاً؛ فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليَّاً وفاطمة وحسنا وحسينا؛ فقال: اللهم هؤلاء أهلي» (¬٣). وهذا الحديث قد يفهم منه البعض أن معاوية يسب عليَّاً، ويدعو الناس لذلك، لكن الأمر ليس على ظاهره، فقد أوَّله العلماء بما يتناسب مع حال معاوية كما يلي:قال القرطبي: «وهذا ليس بتصريح بالسبِّ؛ وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحق لمستحقه» (¬١). قال النووي: «قول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبِّ علي، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعا؟ أو خوفا؟ أو غير ذلك؟ فإن كان تورعا وإجلالا له عن السب؛ فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك؛ فله جواب آخر، ولعل سعدا قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال» (¬٢). وأما القاضي عياض فإنه زاد على ذلك: أنه «ربما أراد معاوية أن يستخرج من سعد مثل ما استخرج مما حكاه عن النبي ﵊، فيكون له حجة على من سبه ممن ينضاف إليه من غوغاء جنده، فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة» (¬٣). وهناك تأويل آخر: قال القاضي عياض: «من الممكن أنه أراد السب الذي هو بمعنى التغيير للمذهب والرأى، وقد سمى ذلك في العرف سبا، ويقال في فرقة: إنها تسب أخرى إذا سمع منهم أنهم اخطؤوا في مذاهبهم، وحادوا عن الصواب، وأكثروا من التشنيع عليهم» (¬٤). وعلى هذا التأويل قال النووي: «فيكون معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ؟» (¬٥). ومع هذا: فمع افتراض صحة تأويل من رأى ذلك حملا على السب على ظاهره؛ فيُتوجه إلى أنه طلب للسب على التقصير في تسليم قتلة عثمان لمعاوية.قال القرطبي: «ولو سلمنا أن ذلك من معاولة حمل على السَّب؛ فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما التصريح باللعن وركيك القول، كما قد اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم؛ فحاشا معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم» (¬١). قلتُ (أحمد): والذي يبدو أن الوجه الأول أرجح، لأنه يتوافق، ليس فقط مع خُلُق معاوية، ولكن يتوافق مع سائر النصوص الأخرى التي يظهر فيها فضل عليٍّ وعلمه، ومنها -غير ما تقدَّم- أن معاوية سئل عن الخنثى، كيف يُورث إذا مات، فأرسل إلى علي يسأله، فكتب إليه علي: يورث من حيث يبول (¬٢). فهذه القصة تدلك على ما كان عليه هؤلاء الأفاضل، من العلم، والإنصاف، وطلب الحق، فمع ما بينهما من حروب واختلاف؛ فمعاوية يعرف قدر علي وفضله، ولا يستنكف أن يرسل إليه فيسأله، وعليٌّ في المقابل لا يكتم علماً ولا يضنُّ به، فمثل هؤلاء لا ينبغي أن يُظن بهم إلا الخير، ﵃ أجمعين. ومع هذا كله: فلو سلَّمنا بوقوع السب بينهم؛ فليس السبُّ بأكبر من القتال، وهذا كله تتناوله -بإذن الله مغفرته ورحمته- بالتوبة والحسنات، وغير ذلك.يقول ابن تيمية: «وأما ما ذُكر من لعن علي؛ فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة، وكان هؤلاء يلعنون رءوس هؤلاء في دعائهم، وهؤلاء يلعنون رءوس هؤلاء في دعائهم. وقيل: إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى. والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان، وهذا كله سواء كان ذنباً أو اجتهاداً: مخطئاً أو مصيباً؛ فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك» (¬١).