Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 453029

أحمد الجابري - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان · page 256, entry [132]

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان — أحمد الجابري

page 256, entry [132]Open original source
الفصل الرابع شبهاتٌ وردُود لا ريب أن الاعتقادات المسبقة عند الكثيرين تؤثِّر على نظرهم للأدلة، فكم من دليلٍ صحيح يعمى عنه الكاره له، ويقدح فيه بما ليس بقادح، وفي المقابل: كم من دليلٍ ضعيفٍ يستمسك به المحتاج إليه، المحبُّ له، ويستميت في تقويته، ولو كان أوهى من خيط العنكبوت! فحبُّ الشيء يعمي ويصم، والإنصاف: أن يعافي الله العبد من هذين النقيضين، فلا يرد الحق لأنه يخالف هواه، ولا يتكئ على الباطل لأنه صادف رضاه؛ وهذا ما نحاول هنا أن نتحرَّاه. وهكذا كان سبيل أئمة السنة الأعلام، فتأمَّل هذا الكلام، ليتضح لك المقصد والمرام: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: «وقد روى الوليد بن مسلم خبرا يتوهم كثير من طلاب العلم ممن لا يفهم علم الأخبار أنه خبر صحيح، من جهة النقل، وليس كذلك هو عند علماء أهل الحديث، وأنا مبيِّنٌ علله إن وفق الله لذلك، حتى لا يغتر بعض طلاب الحديث به، فيلتبس الصحيح بغير الثابت من الأخبار، قد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أموه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية، وإن كانت حجة لمذهبي» (¬١). فتأمل كيف أن ابن خزيمة يُعرض عن الأدلة الضعيفة التي تقوِّي مذهبه، وتنصره على خصمه، لأنه لا يستحلُّ أن يُدلس على الطلبة، ويخشى يوما يقف فيه بين يدي خالقه. فقارن بين هذا وبين من يبترون النصوص، أو يلوون أعناقها، أو يوردون من الأدلة: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ كل ذلك لتقوية موقفهم وحجتهم! ﴿ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون﴾. ونجد نموذجا مشرِّفا آخر عند أهل السنة، يورد ما يراه صحيحا من الأدلة، ثم لا يكتفي بصحته عنده، بل يرد طعون وشبهات خصمه على تلك الأدلة، حتى لا يبقيَ لأحد بعد ذلك حجة. يقول الطبري: «القول في علل هذا الخبر، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، وذلك: أنه ........ ». هذه العبارة كثيرا ما ذكرها الطبري في كتابه العظيم: «تهذيب الآثار» (¬٢)، ثم يتبعها ببيان ما يُعل به منازعوه الخبر، ثم يأتي على بنيان هذه العلل من قواعدها، تاركاً إياها ركاما، بعد أن كانت عند أصحابها صرحا مشيدا!هكذا شأن المحققين من أهل العلم: استدلال بأدلة صحيحة، تَرْكُ الأدلة الباطلة والضعيفة، الجواب عن الشبهات التي تطرأ على الأدلة الصحيحة، تزييف الأدلة الضعيفة حتى لا ينخدع بها جاهل، أو طالب علم. وقد حاولتُ -قدر الاستطاعة- أن أسير على هذا النهج طوال العمل في هذا البحث، فأوردتُ عن معاوية ﵁ ما صحَّ في فضائله، ورددتُ ما أعلَّ به المبغضون له هذه الفضائل، وحان الآن وقت تزييف الباطل الذي يُطعن به فيه، وإعادة الأدلة السويَّة -إن وُجدت- إلى مسارها الصحيح، بعد أن لُويت أعناقها، وحُوِّلت وجهتها، ولولا أن هذه الشبهات قِيلت وانتشرت، وإلى أماكن مختلفة طارت، وعلى البعض دخلت وراجت؛ لأعرضت عن ذكرها، رغبة في إماتتها، وإخمال ذكر قائلها، لكن: «كيف وقد قيل؟!». فأقول -مُستعينا بالله، راكنا إليه-: ما طُعن به في معاوية ﵁ لا يخرج عن أحد دليلين: ١ - إما دليل ضعيف، لا يقوى على مناهضة الأدلة الصحيحة التي تخالفه، ولو كان ضعيفا فقط لرُدّ؛ فكيف وهو مع ضعفه مخالف للصحيح؟! لا ريب أن هذا هو (المنكر) بعينه. ٢ - وإما دليل صحيح، لكنه فُهم خطأ، حيث عُزل عن سائر الأدلة التي ترافقه، وأراد مورده أن يبني به صرحاً من الأباطيل، وهو لا يُسعفه في ذلك، فهنا لا نرد الدليل، وإنما نرد الفهم الخاطئ ونصوِّب التأويل. قال القاضي عياض: «مذهب أفاضل العلماء: أن ما وقع من الأحاديث القادحة فى حديث عدالة بعض الصحابة، والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعاً للشغب نزل وراح، وإن رواها الثقات تُأوِّلت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل، ولا يقع فى روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله» (¬١).وقال أبو المعالي الجويني: «فحقيقٌ على المتدين أن يستصحب ما كانوا عليه -أي: الصحابة- في دهر الرسول ﷺ، فإن نُقلت هناة فليتدبر النقل وطريقه، فإن ضُعِّف: ردَّه، وإن ظهر وكان آحادا: لم يقدح فيما علم تواترا منه، وشهدت له النصوص، ثم ينبغي ألا يألوا جهداً في حمل كل ما ينقل على وجه الخير، ولا يكاد ذو دين يعدم ذلك، فهذا هو الأصل المغني عن التفصيل والتطويل» (¬١). ولذا، فسأورد أهم الطعون التي وُجِّهت، والشبهات التي حول معاوية ﵁ أُثيرت، مبيِّنا صحة الدليل من ضعفه أولاً، فإن كان ضعيفاً: فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن كان صحيحاً: بيَّنتُ ما يدل على خطأ المستدل، ليس من كيسي، وإنما بجمع باقي الصحيح من الأدلة، مع نقل أقوال علماء هذه الأمة. فليكن هذا منك على ذُكر وبينة. وهذا أوان الشروع في المقصود:
Parsing and provenance details
Local passage ID
453029
Book record
shamela-609
Source record
dedupe:132:58385
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 453029 — shamela-609 · Hadith Research Library