page 207, entry [91]Open original source
مرضه وفاته: لما استشعر معاوية ﵁ دُنوَّ أجله، خطب الناس، فوعظهم وذكَّرهم، وكذلك أوصى ولده يزيد، وأعلمه ما يصنع عند موته. فعن ثمامة بن كلثوم: «أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زَرْعٍ قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني، ويا يزيد! إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ، وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد! احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين» (¬١). وقد أصابت معاوية ﵁ لقوة (¬٢) في آخر عمره، فكان يستر وجهه، ويقول: «رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رُميت في أحسني وما يبدو مني» (¬٣). لكن يبدو أن هناك إصابة أخرى أقعدته في بيته، وهي أشبه ما تكون بقرحة ظهرت في جنبه، فكانت بسببها وفاته. فعن أبي بردة، قال: «دخلتُ على معاوية حيث أصابته قرحته، فقال: هلم يا بن أخي نحوي فانظر، فنظرت فإذا هي قد سبرت، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد، فقال معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلا -أو: نحو ذلك من القول- غير أني رأيت في القتال ما لم يره» (¬٤).وعن محمد بن سيرين قال: «أخذت معاوية قِرَّة (¬١)، واتخذ لُحَفاً خِفافا، فكانت تلقى عليه، فلا يلبث أن ينادي بها، فإذا أخذت عنه سأل أن ترد عليه، فقال: قبحك الله دارا، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى» (¬٢). وقال ابن كثير: «وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد، فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له ثوب من حواصل الطير (¬٣)، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة; عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ومحبيها» (¬٤). وقد أثَّر المرض فيه، حتى ذبل جسمه، وشحب لونه، وأصبح حاله لا يخفى على زائره وناظره.فعن قيس بن أبي حازم قال: «دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، وكأن ذراعيه سعفتان (¬١) محترقتان، فقال: إنكم تقلبون غدا فتى حُوَّلا قُلَّبا (¬٢). وأيُّ فتى أهلِ بيتٍ إن نجا غدا من النار؟» (¬٣). وعن عبد الملك بن عمير قال: «دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد انخرط (¬٤) أنفك، وذبلت شفتاك، وتغير لونك، وما رأيت أحدا من أهل بيتك في مثل حالك إلا ما ترى! فقال معاوية: فإن الموت لم يَخْلُق جديدا (¬٥) ... ولا هَضْبا (¬٦) تُوَقِّلُه (¬٧) الوِبَارُ (¬٨) ولكن كالشهاب يضي ويخبو ..... وحادي الموت عنه ما يُحار فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناسِ عار» (¬٩).وعن محمد بن عقبة قال: «لما نزل بمعاوية الموت قال: ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم أل من هذا الأمر شيئا» (¬١).