page 1976, entry [801]Open original source
رحلتنا إلى الجهة الشمالية الغربية في هذه السنة قمنا من مدينة بريدة برحلة نحو تبوك ومدائن صالح ومدين بلاد شعيب بصحبتنا بعض الرفقة قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾. لقد قمنا في الساعة العاشرة تزيد ٤٥ دقيقة من شروق الشمس يوم الجمعة ثاني رجب (١٣٩٢ هـ) الموافق ١١ أغسطس آب (١٩٧٢ م) نسير في طريق المدينة المنورة ولما أن كنا محاذين لقرية الحناكية أدركتنا صلاة الجمعة هناك فملنا إلى اليمين لندرك صلاة الجمعة، فعنّ لنا أن نتجاوز إلى النخيل لزيارة بعض الأحبة هناك، وكانت الطريق إذ ذاك غير معبدة وكانوا أهل بادية على فطرهم وقد هاجر إليهم بعض من أهالي القصيم لأن الموضع قابل للزراعة ولمن كان يحب العزلة والوحدة فبتنا في ذلك الموضع واجتمعنا بالأمير وبعض الأحبة فوجدنا لديهم شوقًا ومحبة جزاهم الله خيرًا ومن الغد سرنا إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وبعد الصلاة في مسجد الرسول وزيارته وزيارة صاحبيه رضوان الله عليهما سرنا إلى جهة تبوك حيث كانت المسافة من نفس المدينة إليها ستمائة وأربعةوثمانين كيلومترًا، وبعد قطع ١٥٤ كيلو بلغنا الصلصلة وكانت قرية في واد تحتوي على آبار قليلة ومبانٍ صغيرة وساكنوها من قبيلة هيثم، ثم بعدها قرية شريف بقدر تسعة كيلوات ثم الجرة فيها شجر الإثل ومساكن قليلة مترامية الأطراف وهناك الثمد وتبعد عن الصلصلة بـ ٣٠ كيلو ويوجد في ذلك الوادي شجر الدوم، وما زلنا نواصل السير حتى قدمنا خيبر وكانت بلادًا في حرة تكسوها الحجارة السوداء وفيها منخفضات تحيط بها آكام صخرية وخيبر من أخصب واحات الجزيرة وتقع في مجتمع أودية تنحدر من سلسلة جبال فتتسرب مياه هذه الأودية في وهدة منخفضة من الأرض بحيث تكون ينابيع جارية وتبعد عن مدينة الرسول ﵊ بقدر من ١٨٣ كيلوًا وبعد تجاوزها بـ ٣١ كيلو نصل إلى مفرق الطريق إلى العلا يسارًا فانتهينا إلى وادي عشاش مارين بقهاوى عشاش وبناياته اليسيرة بحيث يبعد عن خيبر بـ ٤٩ كيلولما أن تجاوزنا ذلك بقدر من ١١٣ قريبًا من تيماء إذا قد أرهقنا السير فنزلنا بالبعد من قهوة هناك لا تزال أنوارها مضيئة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة ليلًا بالغروبي وكانت الشقة بعيدة ولا نسمع سوى صوت كلب ينبح فيها وكان نباحه يتردد في ذلك الفضاء فبتنا في ذلك الموضع بخير ليلة من الرفقة من نام للتعب ومنهم من جعل يصلح لنا طعام العشاء ولما أن كان من آخر الليل فزعنا للصلاة ومواصلة السير حتى قدمنا تيماء وكانت المسافة بينها وبين منزلنا ٧٤ كيلو مترًا وإذا هي آثار السموأل القديم وبلدة عبد الكريم بن رمان الحديث وكان وصولنا إليها في الساعة الحادية عشرة تزيد ٥٠ دقيقة صباحًا فطفقنا نسأل عن هداج تيماء أو بئر السموأل وبينما نحن نسير في أحد شوارعها الضيقة إذا بشاب من الأهالي لا يتجاوز عمره العشرين عامًا فاستقبلنا ورحب بنا ودعانا إلى تكرمته في بيته غير أننا اعتذرنا إليه وإنا على جناح السفر فقبل عذرنا على مضض بعد ما غلبناه على إرادته جزاه الله خيرًا فقلنا نفضل علينا بالهداية إلى بئر هداج ولما أن رأى أن لا فائدة في الإلحاح لإجابة دعوته قال انطلقوا إليها فسار ونحن نتبعه حتى وقفنا عليها كانت هداج تيماء بئرًا مشهورة تضرب الأمثال بسعتها فيبالغالرواة بأنه قد كان يستقي منها تسعة وتسعون بعيرًا كل بعير له غرب كبير ولا ينزح ماءها ويقول الشاعر عبد الله بن ربيعة يمتدح بندر بن سعدون الذي تولى إمارة المنتفق بعد وفاة أخيه عيسى سنة (١٢٥٩ هـ): بالله يا ركب تقلل هميما ... عوجوا رقاب الهجن يا ركب لمقيم لابن الكرام الهاشمي الكريما ... يا ركب روحوا بالتحية وتسليم سلام من طي الخوافي سليما ... ما خاشره ونوع الريا والتواهيم إلى قيل من هو قلت هداج تيما ... عد قراح الملتجي للدواهيم يا ناشدي ما هو خفي لا تعيما ... مفهوم أبو فرحان من غير تفهيم بندر إلى لز الحقب للبريما ... حامي جوانب دار من شا عن الضيم هذا الفحل واجد فحول الحريما ... الفحل الي يلقح برايه معاقيم إلى تغشم لا تظنه غشيما ... مخلف طنون أهل الفكر بالبراهيم وكانت على صفة مثلث الشكل أحد الزوايا متقوس وهي وإن كانت عظيمة الوضع واسعة الشكل لكنها أقل من سمعتها وقد سررنا كثيرًا برؤية بئر السموئل، وشرح الدليل لنا شيئًا من شأنها وذكر أن جميع أهالي تيما يسقون منها كما مر وركب عليها تسعة وتسعون غربًا كانت منضودة بالحجارة وتقدر إحدى جهاتها بعشر أمتار والجهة الأخرى كذلك، أما الجهة الثالثة فمتقوسة بقدر خمسة عشر مترًا وتعتبر هي البئر الوحيدة في الجزيرة العربية وكان هذا دأبهم إلى أن زارها الملك سعود وتبرع لها بأربع مضخات ركبت عليها.