page 1485, entry [563]Open original source
ذكر أخلاقه وشمائله كان حليمًا إلى حد كبير وقورًا متواضعًا ومع كثرة الأشغال والمشاكل القضائية وإثارتها فإنَّه لم يشاهد في يوم ما قد استبدَّ به الغضب أو تملكه وكانت معاملته لأفراد أسرته مثالًا في العطف والرفق والحنان والتربية الحسنة والبعد عن القسوة في التربية، وكان وقورًا يميل إلى الاعتصام بالصمت حينما لا يكون ثم داع للكلام، وكثيرًا ما تراه في بعض المجالس وهو يتلو القرآن أو يذكر الله. وهذا ما طبع مجاله بالطابع الجدي وكان متصفًا بالأناة والورع ويكثر من التهجد وتلاوة القرآن الحكيم ليلًا ومن النوافل نهارًا وخصوصًا بعد أن تقدمت به السن. وبالرغم من ضعفه وسنه المتقدمة فإنَّه لم يخل بشيء من عبادته أو تهجده، وكان ﵀ لا يميل إلى الانتقام أو الأخذ لنفسه ممن يرتكب في حقه خطأ ولا يتأدب معه بل كان في الغالب يكل ذلك إلى الله ﷾. وهذه خصلة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾. ومن النَّاس من إذا هضم حقه فإنَّه يقوم بما لديه من القدرة ويدأب في إرداء خصمه والإِجلاب عليه بخيله ورجله ولو كلف ذلك مهما كان من الثمن. وقد طهر الله أخلاق المترجم من ذلك لما له من الفضل والرفعة التي لا تسمح له بهذه الدناءة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وفي عام ألف وثلثمائة وستين تخلى عن القضاء وذلك لكبر سنه فكان ذلك حافزًا له على الانقطاع عن العمل والتفرغ للتعليم والعبادة وألف في تلك الفترة حاشيته التي علقها على الروض المربع. وكان يعتزم إصدار تاريخ لنجد في الفترة الوسطى والأخيرة، وبينما هو يجمع المراجع ويسجلالخطوط الأولى إذا وافاه أجله المحتوم على أثر مرض استمرَّ قريبًا من أربعة أشهر، وتوفاه الله تعالى في ثاني صفر من هذه السنة. فرحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار. فيا من هو القدوس لا رب غيره ... تباركت أنت الله للخلق مفزع أنله الرضا والعفو فضلًا ورحمة ... فأنت الذي المعروف ليس يضيع لديه بلى يبقى ذخيرة عامل ... وأنت الذي بالفضل تجزي وتنفع وفيها وفاة الشيخ سعود بن رشود ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو العالم الفاضل الشجاع المجاهد في سبيل الله الشيخ سعود بن محمد بن عبد العزيز بن راشد بن رشود بن سعيد من قبيلة سبيع. ولد في مدينة الإفلاج مسكن أسرته وذويه وكان ذلك في عام ١٣٢٢ هـ. كان أبوه مزارعًا من كبار المزارعين في الإفلاح. أدخله والده عند معلم يدعى سعد بن سعود آل مفلح وبعدما أدرك الكتابة والقراءة ومبادئ من الحساب فرغه والده للتعلم لما رأى من حرصه، فأخذ عن علماء بلدته ثم سافر إلى مدينة الرياض للأخذ عن المشائخ فيها فأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وعن الشيخ حمد بن فارس وكان نبيهًا ذكيًا رآه الملك عبد العزيز لما مرَّ بوالده محمد بن عبد العزيز في بيته فتوسم فيه النجابة، وطلب من والده أن يفرغه لطلب العلم فنفذ والده رغبة الملك، وما زال المترجم يدأب في تحصيل العلم فأخذ عن مشائخ، سوى من ذكرنا، وهم الشيخ عبد العزيز بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم وأطال في التعلم والدراسة حتى نبغ من بين أقرانه. ولمَّا أن بلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عينه الملك عبد العزيز قاضيًا بوادي الدواسر وذلك بعدما شاور في شأنه شيخه محمد بن إبراهيم. وبعدها بسبع سنين نقل من وادي الدواسر إلى قضاء مدينة المجمعة أي عام ١٣٦٤ هـ فكان قاضيًا لإِقليم سدير، ثم أمر الملك بأن يوافيه في الرياض ثم أخذه في معيته إلى روضة خريم لإِنهاء القضايا التيلا تزال معلقة وحل المشاكل هناك. وبعدما أنهى القضايا أعجب الملك به لحسن حله للأحكام التي كانت معقدة وأمره بالبقاء في مدينة الرياض للقضاء بين البوادي في الدماء والأموال ثم عينه رئيسًا لمحكمة الرياض بدلًا من الشيخ إبراهيم بن سليمان بن مبارك الذي نقل إلى محكمة وادي الدواسر. فاستمر فيها طيلة حياته ﵀ وكان في جميع تقلباته موضع الإِعجاب وكان قارعًا للشعر حسن العقيدة مضافًا إلى ذلك أنَّه شجاع، فكان مع تحصيله للعلم شجاعًا مقدامًا غزى في صحبة جلالة الملك عبد العزيز قتال جده وغزى في قتال اليمن عام ١٣٥٢ هـ. وظهرت في هذه الغزوة منه شجاعة تجلت عن إقدامه وبسالته بحيث إنَّه لما قتل حامل الراية تلقفها وأخذها بيمينه ورفعها وتقدم بقوة وشجاعة فائقة أمام الغزاة حتى انهزم العدو. وقد استمرَّ رئيسًا لمحكمة الرياض سبع سنين تقريبًا إلى أن مرض مرضًا مخوفًا في منتصف عام ١٣٧٣ هـ فنقل إلى المستشفى اللبناني بجدة ووافاه أجله المحتوم في سابع عشر شوال من هذه السنة فنقل إلى المسجد الحرام للصلاة عليه ودفن في مقابر العدل رحمة الله عليه. ولله در الشيخ حسين بن علي بن نفيسه حيث يقول في رثائه للشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: أولو العلم صاروا للحوادث عرضة ... وما ذاك إلا شوم ذنب تعظما إذا مات عالم مات عالم ... وأصبح نور الحق بالجهل مسهما على مثله نبكي جهارًا وخفية ... ونبكي على بنيان علم تهدما