page 679, entry [230]Open original source
ذكر سوء التفاهم بين صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود وبين سالم بن صباح قد أشرنا إلى ذلك في التي قبلها وذلك بأنه لما توفى مبارك بن صباح، تولى الإمارة بعده ابنه جابر، فكان حصيفًا حكيمًا، ولكنه توفى في السنة الثانية منحكمه، فتولى بعده أخوه سالم، ولكنه مفلس من السياسة والحكمة ففعل أفعالًا أغضبت ابن سعود، وما كان له حق في تلك المعاملة، كطرد التجار النجديين من بلاده ومساعدته للعجمان، أضف إلى ذلك أنه عدو لأهل هذه الدعوة الوهابية والعياذ بالله، وآخر ذلك أن فعل الفعلة التي أدت إلى محاربة النجديين للكويتيين، فركب سالم ذات يوم إلى مكان على الخليج بين جبيل والكويت يدعى "بلبول" فيه مغاص للؤلؤ وميناء طبيعي حصين للسفن الشراعية، وعزم على أن يبني قصرًا هناك وبلدة أيضًا تنافس جبيل بالتجارة والغوص، فلما علم ابن سعود بذلك كتب إلى سالم ليمتنع من العمل فأبى، فكتب ابن سعود إلى الوكيل السياسي البريطاني في الكويت يخبره أن الشيخ سالمًا فيما يقصد متجاوز حدوده وحقوقه لأن ذلك المكان من أراضي القطيف التابعة للحكومة النجدية، وقد طلب منه أن يحول دون هذا التعدي. أما سالم بن مبارك فكان يزعم أن بلبول ضمن حدود الكويت، ولكنه أذعن على ما يظهر للوكيل البريطاني فعدل عن قصده، وكان في تلك الناحية شمالًا بغرب من بلبول ماء يدعى "قرية" هو ملك قديم لعرب مطير، فنزح إليه بعض المهاجرين من الإخوان من هذه القبيلة وأسسوا هناك هجرة لهم، فاحتج ابن صباح على هذا العمل وأرسل إليهم فرقة صغيرة مئتي رجل ومائة خيال، أكثرهم من عربيدار بقيادة أحد أبناء الصباح اسمه دعيج، وكان للكويت في المراعي القريبة من تلك الناحية بضعة آلاف رأس من الجمال والغنم، وليس هناك من يستطيع حمايتها إذا اعتدى عليها، فسار دعيج برجاله حتى نزل في "حمض" قريبًا من قرية، وأرسل إلى الإخوان يأمرهم بأن يخلوا ذلك المكان وإلا فسنصبحكم ونقتلكم، وكان الإخوان عندما علموا بقدوم عساكر الكويت أرسلوا إلى فيصل الدويش أمير الأرطاوية يستنجدونه، فبادر فيصل إلى نجدتهم بألفين من رجاله وزحف مسارعًا حتى وصل إلى حمض، فصبح الكويتيين هناك،ولكنه لم يذبحهم كلهم، ففرَّ دعيج وأكثر جنوده هاربين، وقد تركوا ورائهم ذلك القطيع من الإبل والغنم، فكان للإخوان غنيمة باردة، كل ذلك وابن سعود في الرياض جاهل بما حدث، فغضب لما بلغه الخبر وكتب إلى الدويش يؤنبه ويقول قد تجاوزتم أوامري التي تنحصر في الدفاع، فأجابه أن الكويتيين جاءوا إخوانهم صائلين، وقد وصلوا إلى مكان يبعد عنهم أربع ساعات فقط، ثم أمر ابن سعود أن تجمع الأموال التي استولوا عليها من إبل وغنم وسلاح حتى وأواني وتودع عند أمير الأرطاوية إلى أن يأتيهم أمر آخر بخصوصها، فعمل الإخوان بالأمر بعد أن أرسلوا إليه خمس من الغنائم، وكان الأمير سالم قد عرض المسألة على الوكيل البريطاني، فأشار عليه بالتسوية السلمية، فأرسل إلى ابن سعود رسولين هما "عبد الله السميط" و"عبد العزيز الحسن"، فاعتذر ابن سعود عما حدث بدون أمر منه، ثم إنه قدم إليهما خمس الغنائم الذي كان عنده قائلًا هذا أول الأداء، وإذا أركبتم رجالًا من قبلكم إلى الأرطاوية فأخره هناك يسلم إليهم. ثم كتب ابن سعود إلى الشيخ سالم كتابًا قال فيه: إن السبب في هذا الحادث تدخلكم فيما لا يعنيكم، اعلموا أنه لا حق لكم فى بلبول أو في قرية، وإني أرى أن يقرر ذلك في عهد يعقد بيننا وبينكم فنرعاه، أما ما كان لآبائك وأجدادك من الحقوق والواجبات على آبائي وأجدادي فإني معترف به، فلما جاءه الكتاب لم يعبأ به ولا قبل بأن ترد الغنائم إليه، بل غضب غضبة يقتضي لتعزيزها عند العرب جيش كبير ولم يكن عنده سوى اليسير منه. ولما أن كتب سالم إلى ابن رشيد يستنجده ويهيجه فيما مرَّ وبعث ابن رشيد ضاري بن طوالة بقوة من شمّر، نزل الجهراء حيث كان دعيج ورجاله فأمرهما سالم بالهجوم مرةً ثانية على قرية فقتل ابن رشيد واستمرت الحال إلى ما سنذكره في واقعة الجهراء في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. وفيها منع الحسين بن علي الشريف أهل نجد من الحج وأغلق في وجوههمأبواب الحجاز حتى أصبح الحج بهذه المعاملة منه كالآعيب الصبيان يقبلون محرمين فيردهم من حيث أتوا، فرفع ابن سعود طلبًا حارًا إلى بريطانيا العظمى، أن تضع حدًا لهذه المشاكل التي لا تزال نارها مشبوبة بينه وبين خصمه الذي طالما آذاه وأساء إليه بالتأليب عليه ومنع رعيته من حج البيت الحرام، وإذا كان قد عمل بنصائحها فرجع فورًا بعد وقعة تربة، وترك الشريف وشأنه، ومع ذلك فهي لا تزال تقف في نحره دون الشريف، فكيف لا تمنعه من هذا الأذى أو تترك ابن سعود وشأنه في مشكلته يعالجها بنفسه، فكتب نائب مصر خطابًا إلى الحسين فيه: إنها لا تزال بريطانيا باذلة عنايتها بمصالح العرب، وإنه مما يؤلمها الحركات العدائية بينه وبين ابن سعود، وإنه لا يجهل شروط المعاهدة الحالية بين الحكومة البريطانية وبين ابن سعود الضامنة حقوقه داخل حدود بلاده، ثم أطال بتمام الاحتفاء والتوقير للحسين، وقال في آخر الكتاب مستنكرًا منه قطع علاقات الود مع ابن سعود بإرجاع رسله ورفض كتبه ثم قال: إنني أرجوكم أعظم الرجاء أن تجتهدوا لمنع كل البواعث الجوهرية التي تؤدي إلى سوء التفاهم مع الأمير المشار إليه بشأن سياستكم نحوه، فإنه وإن كان أقل درجة من جلالتكم وأضعف موارد لا ينكر أنه ذو أهمية في السياسة العربية. وحقًا أن يقال ما قصرت الإنكليز باحترام الحسين، ولكنه من قبل نفسه أتي ولو لم يقس هذه القساوة، وتوسل إلى أغراضه بالإناءة وسعة الحيلة لاستطاع أن ينال مبتغاه. فبعد هذا الكتاب عاد إلى الملكين الهدوء والسكينة، ولكن القلوب فيها ما فيها، ولم يدم الصفاء إلا أشهرًا قليلة حتى استيقظت الضغائن بالحوادث التي اندلعت نارها من جديد بين قبائل نجد والحجاز من أمر الاعتقادات، وعاد النزاع كأشد ما يكون، فاشتعل غضب الحسين ومنع أهل نجد من الحج، فتدخلت الحكومة البريطانية وبعثت خطابًا إلى ابن سعود وطلبت منه أن يمنع الحوادث، ورجت الحسين رجاءً حارًا أن يأذن بالحج لمن يرغب من أهل نجد أسوةً بالمسلمين في جميع الأقطار، ولكن الحسين أبى أن يظهر بمظهر السميع لتعاليم بريطانيا ليرى خصمهجانب التعالي، فسكت ثم أذن بالحج بعدها بسنتين، وكان قد تطلب ونصلب كقوله: يجب أن يبين عددهم، ثم نادى بأن يكون عددهم محدود لا يقبل الزيادة، ثم طلب بأن يأتوا عن طريق البحر كبقية المسلمين. وهذا والله من المبالغة الشديدة في العناد، وهكذا أخذ يشتد في الطلبات ويقسو في لهجة كتبه إلى بريطانيا ويتهمها بمحاربة خصمه، كما أنه طفق ابن سعود يتصل ببريطانيا عن طريق المندوب السامي بالعراق ويلح عليها أن تضع حدًا لعناد الشريف وإصراره على رغباته غير المشروعة، لأنه لا يمكن تحديد عدد الحجاج النجديين، وما داموا قد حجوا قبل ذلك بدون أن يحدث منهم شيء من الأذى فليس من الرأي وضع العراقيل أمامهم، ولم تيأس بريطانيا من السعي بينهما في الصلح، وكرهت أن تتخطى ليصطرعا وهي ترى أن هناك شعاعًا ضئيلًا. ولما رأى ابن سعود بكامل فكرته معاملة الشريف للإنكليز وعدم وفائه بالوعود، لذا أحب أن يكسب الخلاف الذي بينها وبينه، فالحسين طالما ألبَّ عليه ابن رشيد وآل صباح وغيرهم، وأراد أن يضربه ضربةً لا يفيق منها، ولكن الإنكليز لم تتخل عن الشريف لأنهم لا يزالون يذكرون أيامه ومقاماته لهم، ولكن ما الحيلة وقد بلغ السيل الزبى.