page 606, entry [210]Open original source
معاهدة العقير سنة ١٣٣٤ هـ فنقول: لما فتح ابن سعود الإحساء وانتصر على الأتراك أخذ يفكرفيما يبيتون له من الكيد وما سينصبونه له من الأشراك لعلمه أن الدولة لا تدعه وشأنه، ولحسن حظه اشتعلت نيران الحرب العالية الأولى وانشغلت الدولة عنه، ولكنه ماذا يصنع لما سمع بانتصاراتها الباهرة وهي متى ما خرجت من الحرب فلا بد أن تحمل عليه حملة قوية للتنكيل به واسترجاع البلاد منه، لا سيما وهي لا يزال لها الحجاز قوة لا يستهان بها، أضف إلى ذلك أن بريطانيا العظمى تفاوض الشريف وقد اعترفت له بالزعامة على بلاد العرب وتمنيه ببسط حمايته على نجد بمقتضى خطابات مكماهون للشريف فإن سلم ابن سعود من الأتراك فإنه لا يسلم في الغالب من نفوذ بريطانيا فبينما هو يفكر في الموضوع إذا ببريطانيا تطرق أبوابه لوضع اتفاقية معه تأمن بها شره وتخطب بها وده ويأمن بها في ملكه، فيا لهذا الفرج الذي من به الله عليه. ولما كلمه السير برسي كوكس انتهز الفرصة ليأمن على حكومته فقال له المندوب أن بريطانيا العظمى قد انتدبتني إليك لأعقد معك أيها الأمير معاهدة صداقة تحقق لك كلما تصبو إليه وتمنع عنا ما نخشاه من ضرر قد يتأتى منك فماذا تريد فلم يكد يسمع هذا من مندوب بريطانيا حتى تلألأ وجهه فرحًا وأجابه بصراحة العربي وطيبة قلبه أن نجدًا والإحساء والقطيف والجبل وملحقاتها والمرافئ التابعة لها على سواحل خليج العجم كل هذه المقاطعات متابعة لي ولآبائي من قبلي وأنا الحاكم المطلق على جميع القبائل الموجودة فيها، وكلما أريده هو أن أحتفظ باستقلالي ولا يعارضني أحد في الحكم والسلطان، وإذا حاول أحد الاعتداء علي فأريد منكم أن تعينوني عليه ولا أريد منكم غير هذا، وأنتم ماذا تريدون، فأجابه السر برسي كزكس بلغة السياسي العظيم ودهائه: نحن على استعداد لأن نجيبك إلى طلبك هذا ولا نريد منك إلا ما فيه رعاية مصالحك وتقديم كل ما يمكن من الخدمات إليك: ثم عقدت الاتفاقية في سبع مواد وهذا نص بعضها: رابعًا: يتعهد ابن سعود بأن لا يسلم ولا يبيع ولا يرهن ولا يؤجر الأقطار المذكورة ولا قسمًا منها ولا يتنازل عنها بطريقة ما.ولا يمنح امتيازًا لدولة أجنبية أو لرعايا دولة أجنبية بدون رضي الحكومة البريطانية وبأن يتبع مشورتها دائمًا بدون استثناء على شرط أن لا يكون ذلك مجحفًا بمصالحه. خامسًا: يتعهد ابن سعود بحرية المرور في أقطاره على السبل المؤدية إلى المواطن المباركة وأن يحمي الحجاج في مسيرهم إلى المواطن المباركة ورجوعهم منها. سادسًا: يتعهد ابن سعود كما تعهد آباؤه من قبل أن يتحاشى الاعتداء على أقطار الكويت والبحرين ومشايخ قطر وسواحل عمان التي هي تحت حماية الحكومة البريطانية، ولها صلات عهديه مع الحكومة المذكورة، وأن لا يتدخل في شؤونها وتخوم الأقطار الخاصة بهؤلاء ستعين فيما بعد. وجرى توقيعها في ١٨ صفر من هذه السنة الموافق ٢٦ ديسمبر ١٩١٥ م، ولا ريب أن هذه الاتفاقية جائرة لأنها جعلت بريطانيا كأنها ولي الأمر على ابن سعود وقد انتقدها الكتاب فقال عنها الضليع فؤاد حمزة لما أشرف عليها أنها معاهدة جائرة. وقال عنها الماهر الذكي حافظ وهبة المشهور بحرية الفكر ورجاحة العقل واستقلال الرأي ما نصه: تجلى قصر نظر مستشاري ابن سعود بما يجري في العالم والاستفادة من الفرص ولكن يقال عنها أن الظروف والأحوال ذلك الوقت دعت إلى توقيعها. ولما خلى ابن سعود وصحبه الذين فيهم الشرف والدين والقوة غير أنهم لا يعرفون لغة السياسة وأساليب الاستعمار ولا يصدقون بالظفر لغير الصارم البتار واستشارهم كعادته أجابوه بأننا في حال ضعف وخصمنا قوي جبار فنراها تنفعنا بإذن الله ولا تضرنا إذا كنا في حالة منعة وقوة ويمكن تعديلها فيما بعد فالعبرة في القوة في كل وقت وحال، فقم وتوكل على الله ووقعها، كما أنه أدرك بأنه لا يبيع ولا يتخلى ولا يرهن ومن نيته حسن الجوار وتسهيل طرق الحجاج فما أحسن نتائج هذه الآراء والأفكار ولنا أسوة في صلح الحديبية، أضف إلى ذلك أنها لغتبعد سبع سنوات وعدلت فيما بعد ذلك لما فتح الله له الحجاز واعترفت له بريطانيا بالاستقلال التام يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم أنه عاد ابن سعود بعد عقدها إلى الرياض فبعث رسولًا إلى الحسين بن علي الشريف وهذا الرسول هو صالح العذل ليخبره بما جرى بينه وبين الإنكليز ويسأله المؤازرة في مساعدة الأحلاف فعندما علم الشريف بعقد المعاهدة خشي أن يتقدمه ابن سعود في الزعامة والنفوذ لدى الأحلاف إلى قبول البنود الخمسة، وتم الاتفاق سرًا بينه وبين المعتمد البريطاني فكتم الدولة اتفاقه مع الإنكليز، وكتم ابن سعود ذلك وأعطى الشريف رسول ابن سعود جوابًا نصفه شكر والنصف الآخر إيهام في ثوب المجاملة وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى اشتعلت نار الثورة، ولما خاض السر برسي كوكس في الخلافة وانتقالها إلى العرب اتخذت المجاملة سبيلًا إلى غرضه فعرضها على ابن سعود قائلًا إن حكومة جلالة الملك تستحسن ذلك وتساعد في تحقيقه، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن حكيمًا لم يخف عليه قصد المعتمد أجاب قائلًا: لا ذوق لي بالخلافة، وإني لا أرى من هو أجدر بها من الشريف حسين فاطمأن بال الوكيل وتلقفها حسين بن علي الشريف.