page 453, entry [156]Open original source
ذكر أمر صالح الحسن بن مهنا قد ذكرنا الحركة والتقلبات في القصيم، وذلك لأنه لما بادر ابن سعود لنجدة ابن ثاني في قطر انتهز أمير بريدة فرصة غيابه، وظهر من آل مهنا في هذه السنة حقدهم الذي كان كامنًا في قلوبهم كالنار في الزناد. وذلك أن عبد الله بن فيصل بن سعود قد شكى إليه فيما تقدم آل مهنا أعدائهم آل أبي عليان، فلم ينصرهم عبد الله بل انضم إلى عدوهم بالمناصرة، فظل هذا الغل والحقد كامنًا إلى هذا الوقت فظهر من صالح الحسن الذي يود الاستقلال كأبيه أيضًا، وهيهات فقد تغيرت الأحوال والظروف وكان يتبادر منه الانضمام إلى الدولة. ثم خرج على ابن سعود وابن رشيد معًا وشرع يتزلف إلى الترك لتحقيق مايريد في تقلب الأحوال وتلون الحوادث، ولما أن تباعد ابن سعود من نجد كان في ذلك أخذة أسف لابن رشيد من القصيم. ولما أن أطلق صالح الحسن يديه من ابن سعود كان لابن سعود أكبر الحظ في ذلك لأن صالحًا تأكد وأتباعه بعد ذلك أنهم لا يستطيعون الدفاع إذا أشهر ابن رشيد عليهم الحرب، وربما أن يكون ابن سعود ارتحل من القصيم ليتخلى عن أهله ويدع صالحًا وشأنه ليكون له من خطأه وعجزه أكبر تأديب. فقد أرسل ابن رشيد سرية على الفور إلى الرس يقودها صالح العذل معه حسين بن عساف فاستولت عليه، فاجتمع أهل القصيم في قرية الشقة لأجل الدفاع وقد انضم إليهم عدد من العربان، فهجم عليهم ابن رشيد وقتل منهم عددًا وحاصر البقية في تلك القرية، فضج القصيم وعلم الأمير صالح الحسن أنه ليس لهم منعة إلا بعون الله ثم بابن سعود. فلما بلغت ابن سعود أخبار القصيم بعده عاد مسارعًا إلى نجد وبعث أخاه محمد على الفور يقود سرية لمدافعة ابن رشيد، فهجمت السرية على حرب وعادت فنزلت وادي الدواسر. أما صالح الحسن فإنه أرسل أخاه مهنا إلى أهل عنيزة يطلب منهم أن يشفعوا له عند ابن سود، فذهب الوفد ورحب به وعفا عن صالح وأتباعه، ثم إنه توجه ابن سعود إلى القصيم ولكنه لم يكن إذ ذاك قادرًا على محاربة ابن رشيد لسببين: أحدهما الجدب القحط في تلك السنة، والثاني تفرق البادية ليهتموا بمواشيهم. ولما علم ابن رشيد بقدوم خصمه خرج من منزله في البقيعة وأغار على قبيلة من مطير، فأخذها وعاد فنزل في قصيبا، وتكررت غزواته على قبائل ابن سعود وجعل ينتقل من قصيبا إلى الأجفر، ومن الأجفر إلى البشوك، وكانت قصيبا على مسيرة اثنتي عشرة ساعة من بريدة إلى الشمال، كما أن الأجفر بين القصيم وحائل. وأما البشوك فكانت على مسيرة خمسة أيام من حائل شرقًا، فلما رآه ابن سعود على تلك الإغارات قفل راجعًا إلى نجد ليستفز العربان من عتيبة ومطيرالأعلين، فجمع جيشًا وعاد به إلى القصيم لمحاربة هذا الجبار المريد عبد العزيز بن متعب بن رشيد. ولما وصل القصيم أحسّ أن صالح يسعى سرًا في مصالحة ابن رشيد، غير أن صالحًا جاء معه قوم من أهالي بريدة فانضم إلى ابن سعود، ولما جاء بهذه الصفة وانضم إليه قبله على علاته، وما كان ليخفى عليه أمره وخيانته، لكنه حليم وذو سياسة. أما عبد العزيز فإنه نزل بجيشه في الأسياح، وأقام بها عشرين يومًا في جيشه الذي كان مؤلفًا من الحاضرة والبادية، هذا وأمير بريدة صالح بن حسن عنده تلك الأيام يظهر الولاء، ثم إنه بدا له أن ينسحب وقومه من الأسياح فيبقى ابن سعود بجيشه الذي معه، ولا قدرة له على ابن رشيد، وهذه خيانة من صالح، نسأل الله العافية، ففطن ابن سعود، غير أنه أحب ترميم الشرور، وقام بجيشه من الأسياح فزحف إلى الزلفي، وكان بينهما قدرًا من خمسين ميلًا جنوبًا عن الأسياح، كما أن الأسياح عن بريدة شمالًا بشرق قدرًا من أربعين ميلًا، وإنما انتقل ابن سعود ليبعد عن صالح ومحلته. ولما أن وصل في زحفه إلى مكان يسمى النبقية، استأذنه صالح الحسن بالرجوع إلى بريدة، فأذن له لأنها تقررت خيانته، فعاد إلى بريدة، واستمر ابن سعود بزحفه إلى الزلفي وجعل يجمع الجيش، ثم رحل من الزلفي ونزل على ماء غدير بالقرب من الأرطاوية، فانضمت إليه قبائل مطير التي يرأسها فيصل الدويش، وبلغه هناك خبر الصلح الذي تم بين مبارك بن صباح وبين ابن رشيد وما ملأ عليه صالح الحسن من التحريض على قتاله ومقاومته، وختمت هذه السنة بزعازع وخيانات وتقلبات، فالله المستعان.