page 385, entry [134]Open original source
سياسته ومقدرته كان سياسيًا ماهرًا ذا أناة وحلم ودهاء وذكاء، وكان ضخمًا تام الخلقة ساحرًا بكلامه يكلم الناس على قد عقولهم ومراتبهم، فيعامل المشايخ العلماء بالبحث والتدقيق بحيث لا يدع لقائل مقالًا في باب العلم، ويكلم الملوك والوزراء على حسب ما يقنعهم بسياسة حيرة بريطانيا والأمم الأخرى، ذلك لسعة عقله ومعرفته وغوره وبعد نظره، فكان عقله كاملًا ورأيه سديدًا، أضف إلى ذلك قوة في الدين وطهارة في عرضه، فما قارف فاحشةً مرةً قط. وقد جعل الله له محبة في القلوب عظيمة، ذلك بأنه جلو الحديث، جميل المخالطة، لطيف المعاشرة، محب للحديث، راغب في المعرفة، طالب للعلم، مكرم العلماء وأهل الدين والفضل والأدب. وكثيرًا ما يجلس لأصدقائه وأنصاره يحاورهم ويحدثهم ويجادلهم ويجادلونه وهوأرغب ما يكون في الاجتماع مع الغرباء، يستمع منهم أخبار بلدانهم وأمصارهم وما يتعلق به من أخبار السياسة وأحداث الزمان. ومن غرائبه أنه لا يحتاج للنوم كما يظهر، ولا ينام إلا حين لا يرى أحدًا غيره ساهرًا، وإذا نام فلا ينام إلا ثلاث ساعات أو أربع ساعات، ولو خير لجلس الليل كله يتحدث إلى أحد رجاله من الذين يروق له حديثهم، وتلذ له عشرتهم، وكان من الذين يستمعون القول ويحسنون الاستماع، فإن وجد في الحديث خيرًا تقبله وفعل بموجبه وهو إلى ذلك ليس عنيدًا في إنكاره، مع أنه لا يزال في سجيته يعامل بالحسنى ويقابل الإساءة بالإحسان، فإذا لم يفد ذلك بدرت منه بوادر تقضي على من خالفه بالدمار والتباب، فما ألينه في الأمن وما أصعبه في المخاوف كما قيل. هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا ... على الدر واحذره إذا كان مزبدًا