page 384, entry [133]Open original source
أخلاقه ونشأته كان كبير القلب كبير النفس كبير الوجدان، انتهت إليه الفضائل العربية بأجمعها، قليل النوم، كثير التيقظ، عظيم الانتباه، كريمًا إلى حد السرف، وكان ذا عدلٍ وإنصاف، وآتاه الله بسطة في العلم والجسم، وعليه البهاء، وله الهيبة العظيمة. ولما بلغ السابعة من عمره أرسله والده إلى المدرسة في الرياض حين كانوا فيها، فكان يقرأ القرآن ولا يترك الصلاة، ويألف المسجد ويصوم، وقد أبعده والده عن أسباب الفسوق كعادته مع أبناءه. ذلك الإمام عبد الرحمن بن فيصل، فلا يهمل في تربية أبناءه، فإنه كان شديدًا عليهم في التأديب، وحملهم على مكارم الأخلاق وما ذاك إلا لما أودعه الله ﷿ من السلوك على طريق الحق كعادة الوهابية، كيف لا وهو من سلالة محمد بن سعود الذي نصر الحق بنفسه وأولاده. ولما كان الإمام عبد الرحمن يتوسم في هذا الابن أمور النجاح وأسبابه، كان يمرنه في حال صغره على معاناة المشاق، ويصلب عوده ونفسه وجسمه، فكان يبعثه تحت الشمس القائظة إلى خارج الرياض ويكلفه المسير في منتصف النهار على الرمال الحارة حافي القدمين، ويأمره بمغادرة فراشه مبكرًا، كل هذا ليجعله قويًا شديدًا.ثم إنه نشأ مع الفتى هذا عبيد صغار مثله في الشباب والفتوة، لاعبوه صغارًا وحفظوه بالحراسة كبارًا، فكانوا أكثر جنده له إخلاصًا وأعظم عنه دفاعًا، وهؤلاء العبيد هم الذين قال عنهم رسول ابن رشيد لسيده إنه قد شغلهم بالمصارعة والمغالبة، ولما تم له خمسة عشر سنة اختارت له والدته قدس الله روحها فتاة عربية يتزوجها، وكان والده في فاقة يشق عليه زواجه، فتأخر الزواج حتى قدم تاجر نجدي فعرض ما لديه من مال ينفق في عرس الفتى عبد العزيز، فأفضى هذا العمل إلى حزن عميق ملأ قلب الوالد أسًا وحزنًا، ولكنه تقبل الأمر الواقع رحمة الله عليه، ولما تزوج الابن تلك الزوجة شاء الله ﷿ أن لا يستمر ابن سعود مع زوجه أكثر من ستة أشهر فطواها الموت، فالتاع لفقدها وموتها لوعة هدت من صحته ثم تعاقبت الأيام والشهور على هذه الفاجعة، ثم تزوج الفتى من امرأة ثانية، فوهب الله له منها غلامًا سماه تركي وهو بكره ويكنى به، وقد سرّ به والده الإمام عبد الرحمن كل السرور.