page 279, entry [1013]Open original source
٩٣٤ - الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي سبط رسول الله ﷺ، فهو ابن ابنته السيدة فاطمة الزهراء: وريحانته من الدنيا، وأحد أصحابه، ولد في شعبان-وقيل: في نصف رمضان-سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة النبوية المهاجر إليها، وكان يشبه رسول الله ﷺ، قاله أبو جحيفة وأنس فيما صح عنهما، بل قاله أبو بكر الصديق ﵁، فإنه رآه يلعب، فأخذه وحمله على عنقه، وقال له: بأبي، شبيه بالنبي، ليس شبيها بعلي، وعلي يبتسم، ومناقبه ﵁ كثيرة وشهيرة، وترجمته تحتمل مجلدا، وجمع عثمان بن عفان الناس يوما لشيء، وقيل له: تكلم يا أمير المؤمنين، فقال: أنتظر سيد المسلمين، وسماه، وعهد إليه أبوه بالخلافة لما طعن، وبايعه على ذلك أزيد من أربعين ألفا، وبقي على ذلك سبعة أشهر بالعراق وما وراءها من خراسان، وبالحجاز واليمن وغير ذلك، ثم ترك الأمر لمعاوية ﵄، وقال رسول الله ﷺ في حقه «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين» فكان كما أخبر، فإنه تابعه بعد وفاة أبيه سبعون ألفا فأكثر، فزهد في الخلافة ولم يردها، وسلمها إلى معاوية. وبايعه على شروط ووثائق، وحمل إليه معاوية مالا-قيل: إنه خمسمائة ألف، أو أربعمائة ألف-بعد أن قال له: لأجيزنك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك، ولا أجيز بها أحدا من بعدك، وصرح الحسن قبل ذلك بأنه ترك الخلافة ابتغاء وجه الله، ولحقن دماء الأمة، وفي لفظ «لاتهتراق على يدي محجمة من دم»، وكسرت بذلك ظهور كثيرين من شيعته، من الغيظ، بحيث قيل له: يا مذل أعناق المؤمنين، فقال لقائل ذلك «لا تقل ذلك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك»، والتمس منه معاوية الصعود معه على المنبر: ويخبر الناس: أنه قد بايع معاوية، فصعد، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال «أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإني قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم، وأن يوفر عليكم غنائمكم، وأن يقسم فيكم فيئكم»، ثم أقبل عليه، فقال «أكذلك؟» قال «نعم» ثم هبط من المنبر، وهويقول-ويشير بإصبعه إلى معاوية- ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] فاشتد على معاوية ذلك، فقالوا له: دعوته فاستنطقته-يعني استفهمته-ما عني بالآية؟ فقال: مهلا، فأبوا عليه ودعوه، فأجابهم فأقبل عليه عمرو بن العاص، فقال له الحسن «أما أنت: فقد اختلف فيك رجل من قريش وجزار أهل المدينة، فادعياك، فلا أدري أيهما أبوك؟» وأقبل عليه أبو الأعور السلمي، فقال له الحسن «ألم يلعن رسول الله ﷺ رعلا، وذكوان، وعمرو بن سفيان؟ يعني اسم أبي الأعور، ثم أقبل عليه معاوية يعينهما، فقال له الحسن، «أما علمت أن رسول الله ﷺ لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو عمرو؟» ﵃ أجمعين، ثم أن الحسن رجع بآل بيته من الكوفة ونزل المدينة، ومن مآثره: أنه حج خمسة عشر حجة، قيل: أكثرها ماشيا من المدينة إلى مكة، وإن نجائبه لتقاد معه، وذكره مسلم فيمن سكن الكوفة، وكان سيدا حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، كارها للفتن والسيف، جوادا ممدحا كريما، بحيث كان يجيز الواحد بمائة ألف درهم، تزوج سبعين امرأة، وقلما كان يفارقه أربع ضرائر، ولما قال أبوه ﵁ «يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن، فإنه رجل مطلاق» قال له رجل: والله لنزوجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق، وعن ابن سيرين: أنه تزوج امرأة، فبعث إليها بمائة جارية، مع كل جارية ألف درهم، وقال ابن الزبير: وروينا-من أوجه-أنه لما احتضر قال لأخيه الحسين «يا أخي، إن أباك استشرف لهذا الأمر، فصرفه الله عنه، ووليه أبو بكر ﵁، ثم استشرف له، فصرف عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنه لا يعدوه، فصرف عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان، بويع، ثم نزع، حتى جرد السيف، فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن بما استخفك سفهاء الكوفة، فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة ﵂: أن أدفن مع رسول الله ﷺ، فقالت: نعم، فإذا مت فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم»، فلما مات أتى الحسين عائشة ﵂، فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح، حتى رده أبو هريرة، فآل الأمر إلى دفنه بالبقيع إلى جانب أمه، وقال ابن حبان في ثقاته: إنه قال لأخيه «إذا أنا مت فاحفر لي مع أبي، وإلا ففي بيت علي وفاطمة ﵄-وإلا ففي البقيع، ولا ترفعه في ذلك صوتا»، فلما مات أمر الحسين بالحفر له في بيت علي وفاطمة-﵄-فبلغ ذلك بني أمية، فأقبلوا وعليهم السلاح، وقالوا: والله لا تتخذ القبور مساجد، فنادى الحسين في بني هاشم، فأقبلوا بالسلاح، ثم ذكر قول أخيه «لا ترفعن في ذلك صوتا فحفر له في البقيع»، وقال محمد بن إبراهيم التيمي: إنه لما مات الحسن-﵁ وأرضاه-بعث سعيد بن العاص بريدا يخبر معاوية، وبعث مروان أيضا بريدا: أن الحسن أوصى أن يدفن مع رسول الله ﷺ، وأنذلك لا يكون وانا حي، فلما دفن الحسن بالبقيع أرسل مروان بذلك، وبقيامه مع بني أمية ومواليهم و «أني يا أمير المؤمنين عقدت لوائي، ولبست السلاح في ألفي رجل، فدرأ الله أن يكون مع أبي بكر وعمر ﵄ ثالثا أبدا، حيث لم يكن أمير المؤمنين عثمان ﵁، وكانوا هم الذين فعلوا بعثمان ما فعلوا، فكتب معاوية إلى مروان يشكر له، وولاه المدينة، وعزل سعيدا، وكتب إلى مروان أن لا يدع لسعيد مالا إلا أخذه، فلما جاء مروان الكتاب بعثه مع ابنه عبد الملك إلى سعيد، فلما قرأه سعيد أخرج كتابين، وقال لعبد الملك: اقرأهما، فإذا فيهما: من معاوية إلى سعيد، يأمره-حين عزل مروان-أن يقبض أمواله ولا يدع له عذقا، فجزاه عبد الملك خيرا، فقال: والله لولا أنك جئتني بهذا الكتاب ما ذكرت مما ترى حرفا واحدا، فجاء عبد الملك بالكتاب إلى أبيه، فقال مروان: هو كان أوصل لنا منّا له، وقبره-كما هو اليوم عند الناس-بحذاء قبر العباس في البقيع تحت القبة العالية على يمين الخارج من باب البقيع ﵃، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة خمسين، كما أرخه الجمهور، وقيل: في السنة التي قبلها، كما للواقدي، وابن سعد، ثم ابن حبان، وكانت بعد مضي عشر سنين من إمرة معاوية، عن تسع وأربعين سنة، وشهده سعيد بن العاص أمير المدينة، فقدمه الحسين للصلاة عليه، وقال: «هي السنة» وفي لفظ «تقدم فصل» فلولا أنها سنة ما قدمت، ويقال-فيما نقله ابن عبد البر عن قتادة، وأبي بكر بن حفص-إن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس سمعته نفرا وكرها لها، بل قيل: بتدسيس السم إليها وبذله لها، وكذا قال ابن حبان: إنه سم، حتى تفتت كبده، قال عمير بن إسحاق: عدناه قبل موته، فقام وخرج لحاجته، فلما عاد من الخلاء، قال: «إني والله لقطت طائفة من كبدي، وإني قد سقيت السم مرارا، فلم أسق مثل هذه قط»، فحرض أخاه الحسين على أن يخبره بمن سقاه السم، فأبى، وقال: «الله أشد نقمة، إن كان الذي أظن، وإلا فلا يقتل بي والله بريء»، وفي رواية: «أنه لما احتضر قال: ادعوا لي رجالا أشهدهم على شيء، فلما دخلوا عليه، قال: أشهدكم أني احتسبت نفسي عند الله»، وقد مضى ابنه الحسن.