page 100, entry [345]Open original source
الوليد بن عبد الملك بن مروان (١) بويع بعد موت أبيه بعهده إليه، النصف من شوّال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر. وعمّر مسجد رسول الله ﷺ سنة ثمان، وكان على يد عمر بن عبد العزيز ـ وهو على المدينة ـ فكتب إليه فى ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبى فى مسجد رسول الله ﷺ وأن يشترى ما فى نواحيه حتى يكون مائتى ذراع فى مثلها، وأن يقدّم القبلة، فقوّم عمر الأملاك قيمة عدل، وأعطى الناس أثمانها، وهدم بيوت أزواج النبى ﷺ وبنى المسجد، وأتته الفعلة من الشام. وبعث الوليد بما عزم عليه إلى ملك الروم، فبعث إليه مائة ألف مثقال ذهبا، ومائة عامل، وأربعين حملا من الفسيفساء، فحمل الوليد ذلك إلى عمر بن عبد العزيز (٢)، فحضر عمر ومعه الناس فوضعوا أساس المسجد، وابتدأوا بعمارته، وكتب أيضا إلى عمر أن يسهل الثنايا، ويحفر الآبار، ويصل الفوارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، ولما حج الوليد ورآها أعجبته، فأمر لها بقوّام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن يسقفوا منها، وكتب إلى جميع البلاد بإصلاح الطرق وعمل الآبار بطريق الحجاز، ومنع المجذومين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأزراق.وكان حجه فى سنة إحدى وتسعين، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، وأخرج الناس منه، ولم يبق غير سعيد بن المسيب، فلم يجسر أحد من الحرس يخرجه، فقيل له: «لو قمت»، فقال: «لا أقوم حتى يأتى الوقت الذى كنت أقوم فيه»، فقيل: «لو سلّمت على أمير المؤمنين»، قال عمر بن عبد العزيز: «فجلست أعدل بالوليد فى ناحية المسجد لئلا يراه»، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال: «من ذلك الشيخ، أهو سعيد؟ »، قال عمر: «نعم، ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك، هو ضعيف البصر»، فقال الوليد: «قد علمت حاله، ونحن نأتيه، فدار فى المسجد ثم أتاه، فقال: «كيف أنت أيها الشيخ؟ »، فو الله ما تحرك سعيد بل قال: «بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ »، فانصرف الوليد وهو يقول لعمر: «هذا بقية الناس». وقسم الوليد بالمدينة أموالا كثيرة وصلّى بها الجمعة، فخطب الناس الخطبة الأولى جالسا، ثم قام فخطب الثانية قائما، فقال رجل لرجاء بن حيوة (١): «أهكذا يصنعون؟ »، قال: «نعم وهكذا صنع معاوية، وهلم جرّا»، فقيل له: «ألا تكلمه؟ »، فقال: «أخبرنى قبيصة بن ذؤيب (٢) أنه كلّم عبد الملك بن مروان فى القعود فلم يتركه وقال: هكذا خطب عثمان»، قال: فقلت: «والله ما خطب عثمان إلا قائما»، قال رجاء: «روى لهم شيء فأخذوا به». * * *