page 2461, entry [3957]Open original source
٢٩٣٠ - ابن المرحّل (ابن الوكيل) [٦٦٥ - ٧١٦] (٣) محمد بن عمر بن مكّيّ بن عبد الصمد بن عطيّة بن أحمد، صدر الدين، أبو عبد الله، ابن زين الدين أبي حفص، ابن أبي الحرم، العبديّ، القرشيّ، العثمانيّ، الشافعيّ، الخطيب، الإمام، المعروف بابن المرحّل وبابن الوكيل- ويعرف أبوه بابن الجوهريّ. ولد بدمياط- وقيل: بأشموم الرمّان- في تاسع عشر شوّال سنة خمس وستّين وستّمائة. وتفقّه على أبيه وسمع الحديث من جماعة، وحفظ عدّةكتب، منها المفصّل في النحو، حفظه في مائة يوم. وحفظ مقامات الحريريّ في خمسين يوما، وديوان المتنبّي في أسبوع. وبرع في العقليّات والنحو والأدب، وصار أحد العلماء المتقنين، له معرفة تامّة بالفقه، وأصول الفقه والدين، قد صارا له طباعا لا يتكلّفهما. وأفتى ودرّس بدمشق ومصر والقاهرة في عدّة مدارس. وكان له أنس بعلم الحديث وشعر رائق، مع ذكاء مفرط ووجاهة عند الملوك والأكابر. وكان يضرب المثل باسمه فارسا في البحث نظّارا عجيب الحافظة كثير الأسفار، جيّد المحاضرة. توفّي يوم الأربعاء الرابع والعشرين [١٨٩ أ] من ذي الحجّة سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وكان قد تخصّص بالأمير جمال الدين آقوش الأفرم اختصاصا زائدا، وبعثه إلى مصر في سنة ثلاث وسبعمائة في رسالة إلى الأمير بيبرس الجاشنكير فأكرمه وأخذ له تدريس الناصريّة بدمشق ثمّ أعاد إليه المدرسة الخاتونيّة والمدرسة العذراويّة وركّبه البريد إلى دمشق، فلم يوافق أهل دمشق على ذلك ومنعوه فامتنع. ثمّ قدم مصر ثانيا في رسالة إلى الملك المظفّر بيبرس فأقام عنده، وصار هو وشمس الدين ابن عدلان من أخصّائه. فلمّا عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك بعد فرار بيبرس، دخل عليه ابن المرحّل للهناء. فلمّا قبّل يده قال له: كيف تقول: ما للصبيّ وما للملك يكفله ... فأقسم بالله أنّه لم يقله، وإنّما الأعداء قصدوا إتلافي بهذا وزادوا هذا البيت، فأغضى عنه. وكان ابن المرحّل قد مدح المظفّر بقصيدة منها [البسيط]: ما للصبيّ وما للملك يكفله ... شأن الصبيّ لغير الملك مألوف (١) وفيه يقول الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشارمساحيّ (٢)، من أبيات يهجو بها المظفّر بيبرس قد ذكرتها في ترجمته [البسيط]: ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحّل، قل لي: كيف ينتصر؟ ثمّ إنّ السلطان ولّاه تدريس زاوية الإمام الشافعيّ المعروفة اليوم بالخشّابيّة من جامع عمرو بن العاص، عوضا عن الصاحب ضياء الدين عبد الله بن أحمد النشائيّ في يوم الخميس مستهلّ رجب سنة ثنتي عشرة وسبعمائة ودرّس فيها يوم الأربعاء سادسه. ثمّ ولّاه تدريس الزاوية المجديّة بجامع عمرو بن العاص بمصر، في يوم السبت ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة بعد عزل الفقيه جلال الدين أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن عبد القويّ بن أبي الحسن بن أبي المجد بن ناجي بن سليمان المدلجيّ الشافعيّ المعروف بالعصلوجيّ. وبعثه في الرسالة إلى الأمير مهنّا بن عيسى أمير العرب ليردّه إلى الطاعة ويحضر بأحد أولاده، وكان مهنّأ صديقا لابن المرحّل. فقدم عليه وما زال به حتى أصلح ما بينه وبين السلطان ووعده بردّ الإمرة إليه. فأجابه وأنعم عليه بثلاثين ألف درهم. وأخذ معه سليمان بن مهنّأ بالقود، وتقدّمه ومعه أخوه موسى بن مهنّأ. وقدم على السلطان فسرّ بقدوم موسى كثيرا، ثمّ قدم سليمان بالقود. فردّ على أبيه مهنّأ الإمرة. فزادتمكانة ابن المرحّل وزادت وجاهته. ولمّا بلغ ابن تيميّة وفاته قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين! - فإنّه كان فصيحا مناظرا لم يكن في الشافعيّة أحد يقوم بمناظرة ابن تيميّة غيره. وجرت بينهما مناظرات عديدة. وتخرّج به جماعة. وكان محظوظا من الناس. عاشر الأفرم نائب الشام واختصّ به اختصاصا زائدا، ثمّ تمكّن بمصر من الملك المظفّر، وحظي عنده. ثمّ خاف من الوزير فخر الدين عمر ابن الخليليّ لمّا همّ بالقبض عليه ورماه بمساعدة المظفّر بيبرس، ففرّ من القاهرة ولحق بالملك الناصر محمد بن قلاوون، فعفا عنه. وسار إلى دمشق بعد عود الناصر إلى السلطنة فعمل عليه في نيابة الأمير [١٨٩ ب] قراسنقر، فتوجّه إلى حلب وتصدّى للاشتغال بالعلم. فأقبل الحلبيّون عليه إقبالا زائدا، ووصلوه في مدّة عشرة أشهر بما يزيد على أربعين ألف درهم. وتمكّن من الأمير أسندمر نائب حلب وأحبّه حبّا كثيرا. ولم يقع بينه وبين أحد من الأكابر إلّا وعاد من أحبّ الناس فيه. وكان حسن الشكل والبزّة، حلو المجالسة، طيّب المفاكهة، كريما جوادا، ينفق كلّ ما يتحصّل له على خلطائه بنفس ملوكيّة. فكان أهل المعروف يرون أنّ تلك الصدقات تدفع عنه السوء، فلطالما دخل في مضايق فينجيه الله منها. وكان يتردّد على أهل الصلاح يلتمس بركة دعائهم. وتعرّض له مرّة فقير في ليلة عيد وقال له: شيء لله! فدفع له مائتي درهم لم يكن يملك غيرها، فلامه الشهاب أحمد [بن عبد الرحمن] (١) العسجدي على ذلك، فقال له: امض إلى كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ وقل له: الشيخ يهنّئك بهذا العيد. فلمّا مضى إليه وهنّأه عن الشيخ أمر بألفي درهم للشيخ وثلاثمائة درهم له، فعند ما أتاه بها، قال: صدق رسول الله ﷺ: الحسنة بعشر أمثالها: أعطينا مائتين، بعث الله بألفين. وكان فيه ملل لمن يعاشره. وله من المصنّفات: كتاب الأشباه والنظائر، في الفقه. كتاب الفرق بين الملك والنبيّ، والشهيد والوليّ والعالم. وجمع موشّحاته وسمّاها «طراز الدار». وشعره جيّد مليح إلى الغاية. وكان عارفا بالطبّ، علما لا علاجا. قال عنه ابن تيميّة: ابن الوكيل لا يرضى لنفسه بأن يكون في شيء إلّا غاية. وكان إذا انقضى لعبه ولهوه تطهّر وصلّى وعفّر وجهه في التراب وبكى حتى تبلّل لحيته، ويكثر الاستغفار ويسأل الله التوبة. فإذا عاد فعل هذا أيضا. ومن بديع شعره قوله [البسيط]: ليذهبوا في ملامي أيّة ذهبوا ... في الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب والمال أجمل وجه فيه تنفقه ... وجه جميل وراح في الدجى لهب لا تأسفنّ على مال تمزّقه ... أيدي سقاة الطلا والخرّد العرب فما كسوا راحتي من راحها حللا ... إلّا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا ٥ راح بها راحتي في راحتي حصلت ... فتمّ عجبي بها وازداد لي العجب أن ينبع الدرّ من حلو مذاقته ... والتبر منسبك في الكأس منسكبوليست الكيميا في غيرها وجدت ... وكلّ ما قيل في أبوابها كذب قيراط خمر على القنطار من حزن ... يعيد ذلك أفراحا وينقلب [١٩٠ أ] عناصر أربع في الكأس قد جمعت ... وفوقها الفلك السيّار والشّهب ١٠ ماء ونار هواء أرضها قدح ... وطوقها فلك والأنجم الحبب ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب وما تركت بها الخمس التي وجبت ... وإن رأوا تركها من بعض ما يجب وأن أقطّب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحفظ الأدب ١٥ صفراء فاقعة، في الكأس ساطعة ... كالتبر لامعة، كاساتها سحب عاطيتها من بنات الترك عاطية ... لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا هيفاء جارية، للراح ساقية ... من فوق ساقية تجري وتنسكب من وجهها وتثنّيها وقامتها ... تخشى الأهلّة والقضبان والكتب (١) يا قلب، أردافها مهما مررت بها ... قف لي عليها وقل لي: هذه الكتب ٢٠ وإن مررت بشعر فوق قامتها ... بالله قل لي كيف البان والعذب؟ (٢) تريك وجنتها ما في زجاجتها ... لكن مذاقته للريق تنتسب تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب ... «لقد حكيت ولكن فاتك الشنب» (٣) ومن بديع شعره، قوله من أبيات [الطويل]: سرى وستور الهمّ بالكأس تهتك ... وساكن وجدي بالغناء يحرّك وأقسم لولا نار قلبي تبرقعت ... لها في الدياجي ما اهتدت كيف تسلك فعاطيته كأسا فحيّا بفضلها ... ومازج ذاك الفضل ريق ممسّك ولمّا رأيت القوم بالكأس صرّعا ... وأنّ [ ... ] المطران بالقوم يفتك ٥ أرقت دم الراووق حلّا لأنّني ... رأيت صليبا فوقه، فهو مشرك وسالت دموع العين منه وكلّما ... بكى بالدما ممّا جرى منه أضحك وزوّجت بنت الكرم بابن غمامة ... فصحّ على التعليق والشرط أملك (٤) وقال [الطويل]: ولمّا جلا فصل الربيع محاسنا ... وصفّق ماء النهر إذ غرّد القمري أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه ... فنقّط وجه الماء بالذهب المصريّ (٥)