page 1985, entry [2814]Open original source
[رواية أخرى في محنته ومناظرته ببغداد] (قال): فخرج أبو مصعب قاضيا على اليمن وخرجت معه. فلمّا صرنا باليمن وجالسنا الناس كتب مطرّف بن مازن إلى أمير المؤمنين: إن أردت يا أمير المؤمنين، أصلحك الله، اليمن، وأردت أن لا يخرج عن يدك، فأخرج عنها محمد بن إدريس- وذكر معي أقواما من الطالبيّين. فكتب أمير المؤمنين هارون إلى حمّاد البربريّ أن اقبض على محمد بن إدريس وأوثقه بالحديد وأنفذه إليّ إن شاء الله! فأخذني حمّاد وثقّلني بالحديد، ولم يكن لأبي مصعب حيلة في أمري. فلم أزل مثقلا بالحديد من اليمن إلى أن قدمت على أمير المؤمنين، وهو إذ ذاك [١٢٥ أ] بالرقّة، فأدخلت عليه، وأخرجت من عنده، وكان قد تبقّى معي من تلك الدنانير نحو من خمسين دينارا. وكان محمد بن الحسن يومئذ بالرقّة. فأنفقت تلك الدنانير على كتبهم. (قال): فوجدت مثلهم ومثل كتبهم كمثل رجل كان عندنا يقال له فروج، وكان يحمل دهنا يبيعه في زقّ له، وكان إذا قيل له: عندك برسيان؟ قال: نعم- عندك زنبق؟ قال: نعم- عندك خيريّ (١)؟ قال: نعم، فإذا قيل: أرنا منه- وكان للزقّ رءوس كثيرة- يخرج لهم من تلك الرءوس، وإنّما هو دهن واحد: وكذلك وجدت كتبهم، إنّما يقولون: كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وهم يخالفون الله ويخالفون الرسول. (قال): وسمعت محمد بن الحسن، وأنا من أشدّ الناس غمّا، وهو يقول لأصحابه: إن تابعكم محمد بن إدريس، فما عليكم من حجازيّ بعده كلفة. فجئت يوما فجلست إلى محمد بن الحسن، وأنا من أشدّ الناس همّا وغمّا، وقلقا وأرقا من سخط أمير المؤمنين عليّ، وأخرى أنّ زادي قد فني والدراهم التي كانت معي أنفقتها على كتبهم. فلمّا أن جلست إليه وبصرني، أقبل يطعن على دار الهجرة. فقلت: على من تطعن؟ أعلى البلد أم على أهله؟ فو الله لئن طعنت على أهله، فإنّما تطعن على مثل أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ﵃. وإن طعنت على البلد، فإنّما تطعن على بلدته التي دعا رسول الله ﷺ أن يبارك الله لهم في صاعهم ومدّهم، وحرّمها رسول الله ﷺ كما حرّم إبراهيم مكّة، لا يقتل صيدها. فعلى أيّهما تطعن؟ فقال لي: معاذ الله أن أطعن على أحد منهم أو على بلدته، وإنما أطعن على حكم من أحكامهم. قلت: وما هو؟قال: اليمين مع الشاهد. قلت: ولم طعنت عليهم؟ قال: لأنّه مخالف لكتاب الله ﷿. فقلت له: أفكلّ خبر يأتيك مخالفا لكتاب الله تسقطه؟ فقال لي: كذا يجب. فقلت له: فما تقول في الوصيّة للوالدين والأقربين؟ ففكّر ساعة. فقلت: أجب! فقال: لا تجب. فقلت له: فهذا مخالف لكتاب الله. ثمّ قلت له: لم لا تجب؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺ قال: لا وصيّة لوارث. فقلت له: أخبرني عن الشاهدين، أهما حتم من الله تعالى؟ فقال: ما تريد بهذا؟ قلت: لأنّك زعمت أنّ الشاهدين حتم من الله تعالى، لا غير. وكان ينبغي لك أن تقول: إذا زنى زان فشهد عليه شاهدان [١٢٥ ب] إن كان محصنا رجمته، وإن كان غير محصن جلتده. قال لي: فإن قلت لك: ليس هما حتم [ا] من الله؟ قلت له: فإذا لم يكونا حتما من الله، ينزّل كلّ حكم منزلته: ففي الزنا أربع [ة]، وفي غيره شاهدان، [وفي غيره] رجل وامرأتان، وإنّما في القتل لا يجوز إلّا شاهدان. فلمّا رأيت قتلا وقتلا، أعني شهادة الزنا وشهادة القتل، فكان هذا قتل [ا] وهذا قتل، غير أنّ أحكامهما مختلفة. فكذلك كلّ حكم أنزل حيث أنزل الله: فمنها بأربع، ومنها بشاهدين، ومنها بشاهد وامرأتين، ومنها بشاهد ويمين. وأنت قد تحكم بدون هذا. فقال لي: وأين أحكم بدون هذا؟ قلت له: ما تقول في الرجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت؟ فقال: أصحابي يقولون فيه: ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء، فهو للمرأة. فقلت له: أبكتاب الله تعالى قلت هذا، أو بسنّة رسوله ﷺ؟ ثمّ قلت له: ما تقول في الرجلين إذا اختلفا في الحائط؟ فقال: من قول أصحابنا أنّه إذا لم يكن لهما بيّنة ينظر إلى العقد، من أين هو البناء، فأحكم لصاحبه به. فقلت له: أفبكتاب الله هذا قلت أم بسنّة رسول الله ﷺ؟ ثمّ قلت له: فما تقول في رجلين يكون بينهما خصّ فيختلفان فيه: لمن تحكم به إذا لم تكن لهما بيّنة؟ قال لي: انظر إلى معاقده من أيّ وجه هي، فأحكم له. فقلت له: أفبكتاب الله قلت هذا أم بسنّة رسول الله ﷺ؟ ثمّ قلت له: ما تقول في ولادة المرأة إذا لم تحضرها إلّا امرأة واحدة، هي القابلة، ولم يكن ثمّ غيرها؟ فقال لي: الشهادة جائزة، شهادة القابلة وحدها نقبلها. فقلت له: أفبكتاب الله قلت هذا أم بسنّة رسول الله ﷺ؟ثمّ قلت له: من كانت هذه أحكامه فليس من سبيله أن ينكر على غيره. فبقي متعجّبا، فقلت له: أتعجب من حكم حكم به رسول الله ﷺ وحكم به أبو بكر، وحكم به عمر، وحكم به عليّ بن أبي طالب بالعراق، وقضى به شريح؟ (قال): ورجل من ورائي يكتب ألفاظي وأنا لا أعلم به. ثمّ إنّه أدخل ما كتب من كلامي وألفاظي على أمير المؤمنين هارون الرشيد وقرأه عليه. فقال لي هرثمة بن أعين: وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: اقرأه عليّ ثانية- فقرأه عليه، فأنشأ أمير المؤمنين يقول: صدق الله ورسوله [١٢٦ أ] حتى قالها ثلاث مرّات. ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلّموا من قريش ولا تعلّموها، قدّموا قريشا ولا تؤخّروها»، ما أنكر أن يكون محمد بن إدريس أعلم من محمّد بن الحسن؟ (قال): ثمّ إنّه رضي عنّي وأمر لي بألف دينار. فخرج هرثمة فقال لي- بالسوط هكذا (١) - فتبعته فحدّثني بالقصّة كلّها، وقال لي: قد أمر لك أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، بألف دينار، وقد أضفت إليها مثلها غير خمسين دينارا، فإنّ أمير المؤمنين لا يساوي في جائزته. (قال): فو الله ما ملكت قبلها مثل هذا المال قطّ، وكان أوّل مال كثير ملكته، وكنت رجلا أتشيّع فوقاني الله على يدي أبي مصعب. فلمّا كان بعد ذلك جلست إلى محمد بن الحسن [ ... ] تجاهه، ومعي جزء انظر فيه فقال لي: أرني في أيّ شيء تنظر- فلم أره، فتناول القلم والقرطاس وكتب إليّ [الرجز]: فقل لمن لم ير عيبا من رآه مثله ... ومن كان قد رآه قد رأى من قبله (٢) العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله ... لعلّه يبذله لأهله لعلّه فلمّا قرأت هذه الأبيات دفعت الجزء إليه.