page 1703, entry [2307]Open original source
[قول القاضي النعمان] وقال القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد في «افتتاح الدولة الزاهرة» (٣*): بدأنا بذكر صاحب دعوة اليمن وهو أبو القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زادان الكوفي، وتسمّى ب «منصور اليمن» لما أتيح له من [٢١٢ ب] النّصر والظفر. وكان من بيت علم وتشيّع، وقد قرأ القرآن وطلب الحديث والفقه على مذاهب الإماميّة الاثني عشريّة أصحاب محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق الذين كانوا يرون أنّه المهديّ وأنّه يظهر (٤*). قال أبو القاسم:فعرضت لي فكرة يوما في ذلك وذكرت قول الفهري [الهزج]: ألا يا شيعة الحقّ ... ذوي الإيمان والبرّ أتتكم نصرة الله ... على التخويف والزجر فلا تدعوا إلى الداعي ... ن أهل النكث والغدر فلو قد فقد العاش ... ر أو زيد على العشر لدارت عصب الضرّ ... على الدائر بالشرّ فعند الستّ والتسعي ... ن قطع القول والعذر لأمر ما يقول النا ... س: بيع الدرّ بالبعر وصار الجوهر المكنو ... ن علقا غير ذي قدر يتيم كان خلف البا ... ب فانقضّ على الوكر (١) قوله اليتيم ههنا رمز على المهديّ. (قال أبو القاسم) فرأيت الوقت قد قرب على ما قاله الفهريّ. فخرجت إلى دجلة ثمّ أخذت في قراءة سورة الكهف فإذا شيخ يمشي معه رجل ما نظرت إلى أحد يملأ قلبي هيبة قبله. فجلس ناحية وجلس الرجل بين يديه. وأقبل غلام فقرب منّي، فقلت: من أنت؟ فقال: حسينيّ. فاستعبرت وقلت: بأبي الحسين المضرّج بالدماء، الممنوع من هذا الماء! فرأيت الشيخ نظر إليّ وكلّم الرّجل الذي بين يديه فقال لي الرجل: تقدّم إلينا! فقمت وجلست بين يديه. فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل من الشيعة. قال: ما اسمك؟ قلت: الحسن بن فرح بن حوشب. قال: أعرف أباك من الشيعة الاثني عشريّة. قلت: نعم. قال: وأنت منهم؟ قلت: كنت على ذلك إلى أن بطل الأمر في أيدينا. فقال: سمعتك تقرأ، فاقرأ كما كنت تقرأ! (قال) فابتدأت من حيث وقفت حتّى بلغت فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف: ٧٤]. قال: أنت ممّن يقول بالعدل والتوحيد؟ قلت: نعم. قال: فمن أيّ وجه العدل أن تقتل نفس زاكية بغير نفس إلّا لقوله (١*): فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً [الكهف: ٨٠]؟قلت: والله لكأنّني ما قرأتها قطّ، وإنّني إلى علم الوجه في ذلك لفقير. فقال: دون ذلك ستر رقيق. ثمّ تحرّك للقيام وتركني. فلمّا غاب ندمت إذ لم أكن تبعته حتى عرفت مكانه. وعظم موقع كلامه من قلبي حتى إذا كنت في حدّ الإياس منه، مرّ بي الرجل الذي كان معه فسلّمت عليه وسألته عن [٢١٣ أ] الشيخ، فعرّفني أنّه الإمام (١) وجمع بيني وبينه. فصار يقوّيني ويرمز بقرب الأمر ودنوّ العصر، ويقول في كلامه: البيت يمان والركن يمان والدين يمان والكعبة يمانيّة، ولن يقوم هذا الدين ويظهر أمره إلّا من قبل اليمن. ثمّ قال لي يوما: يا أبا القاسم، هل لك في غربة في الله؟ قلت: الأمر إليك. فقال: ما لليمن إلّا أنت! اصبر، كأنّي برجل يقدم من اليمن. فقدم رجل من أهل جيشان مدينة باليمن، يشار إليه، يقال له أبو الحسن علي بن الفضل، قد خرج حاجّا في سنة ستّ وستّين ومائتين. فلمّا قضى حجّه أتى قبر الحسين بن علي ﵉ زائرا في جملة أهل اليمن. فاجتمع برجل من أصحاب الإمام فحمله إليه. فلمّا رآه واختبر حاله قال لأبي القاسم: «هذا الذي كنّا ننتظره، فاعزم على اسم الله! » ودعا بعليّ بن الفضل وسأله عن أخبار اليمن وقال له: أتعرف عدن لاعة؟ قال: لا. فقال لأبي القاسم: عدن لاعة (١*) فاقصد، وعليها فاعتمد، ففيها يظهر أمرنا. وقال لعليّ بن الفضل: إنّني مرسل أخاك هذا داعيا إلى اليمن، وأنت معه. وتقدّم إلى كلّ واحد منّا ناحية وأوصاه (٢*). وأعطى أبا القاسم كتابا فيه أصول ورموز، كان افتتاحه: «باسم الله الرحمن الرحيم. من أبي المسلمين وأمير المؤمنين ووارث الوارثين، وسماء الطارقين، وشمس الناظرين، وقمر المستضيئين، وقبلة المصلّين، وأمان الخائفين، وقاتل إبليس اللعين، ركن الإسلام، وعلم الأعلام، وقلم الأقلام، ويوم الأيام، ونور التمام، رسالة عبد مسكين يعمل في البحر منذ سنين لعلّ سفينته تنجو من الغرق فينجو فيها من ينجو من العطب». ثمّ أفسح الكلام الذي أصّله والمعنى الذي أراده وقال له في عهده إليه: إن لقيت من هو ألحن بالحجّة منك، فانغمس له في الباطن. قال: وكيف ذاك؟ قال: بقطع الكلام. وتريه أنّ تحت ما يريد الجواب به باطنا لا يمكن ذكره، فتحتجزه بذلك منه إلى أن تتهيّأ لك الحجّة عليه.وأوصاه بعليّ بن الفضل خيرا وتقدّم إلى علي وأوصاه (١). وودّعهما ودعا لهما. قال أبو القاسم: ولمّا ودّعت الأهل وخرجت إلى القادسيّة سمعت حاديا يقول [الرجز]: يا حادي الليل مليح الزجر ... بشّر مطاياك بضوء الفجر (قال) فسررت به واستحسنت ذلك الفأل، ووافيت مكّة. ثم دخل أبو القاسم [٢١٣ ب] وأبو الحسن اليمن في أوّل سنة ثمان وستّين ومائتين. فأقاما باليمن يدعوان الناس سنتين مستترين. ثم ظهرت الدعوة باليمن سنة سبعين ومائتين. قال أبو القاسم: واجتمعت بقوم يقال لهم بنو موسى، من الشيعة. فأخذت عليهم العهد. فقالوا لي: إنّ لنا إخوانا من الشيعة بعدن لاعة. فقلت: إليها أرسلت. وسرت معهم فأصبت دار شيعة. وتزوّج أبو القاسم: ابنة أحمد بن عبد الله بن خليع [وكان] داعيا للمهديّ (٢). قال أبو القاسم: وبعثت بكتاب ومال كثير وطرائف وطراز إلى المهديّ. فلمّا وصل إليه وقرأ الكتاب، تمثّل بهذه الأبيات [الرجز]: الله أعطاك التي لا فوقها ... وكم أرادوا منعها وعوقها عنك، ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك، حتى طوّقوك طوقها (١*) وفشا أمر الدعوة باليمن، وابتنى أبو القاسم حصنا (٢*) بجبل لاعة وملك صنعاء وفرّق الدعاة في نواحي اليمن وإلى سائر البلدان إلى اليمامة والبحرين والسّند والهند وناحية مصر والمغرب.