page 1585, entry [2213]Open original source
[بصره بالشعر] وقال محمد بن يزيد المبرّد: حدّثني عمارة بن عقيل قال: قال ابن أبي حفصة (١*) الشاعر: أعلمت أنّ المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ والله إنّا لننشد أوّل البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه. قال: إنّي أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرّك له. وهذا البيت فاسمعه [البسيط]: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين، والناس بالدنيا مشاغيل فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة! فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوّق بها؟ ألا قلت كما قال عمّك جرير في عبد العزيز بن الوليد [الطويل]: فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (٢*) وقال إبراهيم بن سعيد الجوهريّ: كنت واقفا على رأس المأمون، وهو يتفكّر. ثمّ رفع رأسه فقال: يا إبراهيم، بيتا شعر قيلا لم يسبق قائليهما إليهما أحد ولا يلحقهما أحد! قلت: من هما يا أمير المؤمنين؟ قال: أبو نواس وشريح. فتبسّمت. فقال: أمن أبي نوّاس وشريح؟ قلت: نعم. قال: خذ! قال أبو نواس [الطويل]: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن [١٢٩ أ] عدوّ في ثياب صديق فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين. فما قال شريح؟فقال: قال شريح [الطويل]: تهون على الدنيا الملامة، إنّه ... حريص على استصلاحها من يلومها فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين. فقال: أحسن منهما [ما] سمعته أنا: كنت أسير في موكبي، فألجأني الزحام إلى دكّان عليه رجل عليه أسمال. فنظر إليّ نظر من رحمني أو تعجّب ممّا أنا فيه فقال [الطويل]: أرى كلّ مغرور تمنّيه نفسه ... إذا ما مضى عام، سلامة قابل وقال الزبير بن بكّار: حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو، وعليّ أطمار مترعبلة (١)، فقال لي: يا نضر، أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ حرّ مرو لا يدفع إلّا بمثل هذه الأخلاق. (٢) قال: «لا! ولكنّك تتقشّف! » فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشر عن مجالد عن الشعبيّ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز. قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم. حدّثني عوف الأعرابيّ عن الحسن أنّ النبيّ ﷺ قال: إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز. وكان المأمون متكئا. فجلس وقال: السّداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم ههنا. وإنما لحن هشيم، وكان لحّانا. فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت السداد- بفتح السين- القصد في السبيل. والسدّاد- بكسر السين- البلغة. وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد. قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم. هذا العرجيّ من ولد عثمان بن عفّان ﵁ يقول [الوافر]: أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر بكسر السين. فأطرق المأمون مليّا، ثم قال: قبّح الله من لا أدب له! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قلت: قول [حمزة] ابن بيض في الحكم بن مروان [المنسرح]: تقول لي، والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم أيّ الوجوه انتجعت قلت لها ... لأيّ وجه، إلّا إلى الحكم متى يقل حاجبا سرادقه: ... هذا ابن بيض بالباب، يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هيهات! إذ حلّ اعطني سلمي (١*) فقال المأمون: لله درّك! فكأنّما شقّ لك عن قلبي! انشدني أنصف بيت قالته العرب. قلت: قول ابن أبي عروبة المدني يا أمير المؤمنين [١٢٩ ب] [الكامل]:إنّي وإن كان ابن عمّي عاتبا ... لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرا ... متزحزحا في أرضه وسمائه وأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يحين إليّ وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا دعا باسم ليركب مركبا ... صعبا قعدت له على سيسائه (١)؟ وإذا أتى من وجهه بطريفة ... لم أطّلع فيما وراء خبائه وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت أنّ عليّ حسن ردائه! فقال: أحسنت يا نضر. أنشدني الآن أقنع بيت للعرب. فأنشدته قول [الحكم] ابن عبدل [الأسديّ] (٢) [المنسرح]: إنّي امرؤ لم أزل وذاك من ال ... لّه أديب [ا] أعلّم الأدبا أقيم بالدار وما اطمأنّت بي ال ... دار وإن كنت مازحا طربا لا أجتوي خلّة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا (٣) أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا وأحلب الثّرّة الصّفيّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا (١*) إنّي رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعة رغبا والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلّا إذا ذهبا مثل الحمار الموقع هو لا ... يحسن مشيا إلّا إذا ضربا (٢*) ولم أجد عروة العلائق إل ... لا الدين أنّى اختبرت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ لعيش رحلا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطيّة وال ... رحل ومن لا يزال مغتربا قال: أحسنت يا نضر. فهل عندك ضدّ هذا؟ قلت: نعم، أحسن منه. قال: هاته! فأنشدته [الوافر]: يد المعروف غنم حيث كانت ... تحمّلها كفور أو شكور قال: أحسنت يا نضر! وأخذ القرطاس، فكتب شيئا لا أدري ما هو. ثمّ قال: كيف تقول: أفعل من التراب؟ قلت: أترب. قال: الطين؟ قلت: طن.قال: فالكتاب؟ قلت: مترب. قال: هذه أحسن من الأولى. فكتب لي بخمسين ألف درهم. ثمّ أمر الخادم أن يوصله إلى الفضل بن سهل، فمضيت معه. فلمّا قرأ الكتاب قال: يا نضر، لحّنت أمير المؤمنين! قلت: كلّا، ولكن هشيم لحّانة. فأمر لي بثلاثين ألفا. فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا. *** وقال لي الفضل: يا نضر، حدّثني عن الخليل ابن أحمد. قلت: حدّثني الخليل بن أحمد قال: [١٣٠ أ] أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ، وكان من أعلم من رأيت، وكان على سطح. فلمّا رأيناه أشرنا إليه بالسلام، فقال: «استووا! » فلم ندر ما قال. فقال لنا شيخ عنده: يقول لكم: «ارتفعوا» (فقال الخليل: ) من قول الله ﷿: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصّلت: ١١]. ثم قال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء نمير؟ فلمّا فارقناه قال: سلاما. قلنا: فسّر قولك هذا. فقال: متاركة لا خير ولا شرّ. (فقال الخليل: ) هذا مثل قول الله ﷿: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣]، أيّ: متاركة. *** وقال محمد بن زياد الأعرابيّ: بعث إليّ المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم، فرأيتهما مولّيين فجلست فلمّا أقبلا قمت فسلّمت عليه بالخلافة. فسمعته يقول ليحيى: «يا أبا محمّد، ما أحسن أدبه! رآنا مولّيين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام». ثم ردّ عليّ السلام وقال: يا أبا محمّد، أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب. قلت: يا أمير المؤمنين، قوله [الطويل]: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق فقال: أشعر منه الذي يقول- يعني أبا نواس [الرمل]: فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السقم فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم واهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السّفر بالعلم فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين! فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة [الرجز]: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق من طارق هذا؟ فنظرت في نسبها فلم أجده. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أعرف في نسبها طارقا. فقال: إنّما أرادت النجم، وانتسبت إليه لحسنها، من قول الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١]. فقلت: فائدتان، يا أمير المؤمنين. فقال: «أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه! » ثمّ رمىإليّ بعنبرة كان يقلّبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم. *** وأشرف المأمون ليلة من موضع كان به على الحرس، فقال: هل فيكم من ينشد لأبي نواس أربعة أبيات؟ فقال غلام من الحرس: أنا يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك! قال: هات! فأنشد [البسيط]: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها ... أخذته حمرتها في العين والخدّ فالخمر ياقوتة، والكأس لؤلؤة ... في كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا، فما لك من سكرين من بدّ لي نشوتان، وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي [١٣٠ ب] فقال المأمون: «هذا والله الشعر، لا قول الذي يقول: ألا هبّي بسلحك فالطخينا! » وأمر للغلام بأربعة آلاف درهم.