page 976, entry [1496]Open original source
١١٠٢ - جوهر الصقلّيّ [٣١٢ - ٣٨١] (٤) [٣٥٨ أ] جوهر بن عبد الله، القائد أبو الحسين، الصقلبيّ، الروميّ، الكاتب، مولى المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ. ولد في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وصار إلى ملك غلام لهم يقال له صابر. ثمّ انتقل إلى خادملهم يقال له خيران، ثمّ إلى خادم يقال له خفيف (١). فأهداه خفيف إلى الإمام المنصور بالله أبي الطاهر إسماعيل، فنحله (٢) ابنه الإمام المعزّ لدين الله وهو صغير فربّاه حتّى بلغ مبالغ الرجال في خدمته، وكنّاه بأبي الحسين ورقّاه في الخدم إلى أن قام في الخلافة بعد أبيه (٣). و[لمّا] كانت [سنة] خمس وأربعين وثلاثمائة ارتفع أمر جوهر، وصار إلى رتبة الوزارة. ثمّ أخرجه المعزّ في يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة سبع وأربعين [وثلاثمائة] على عسكر عظيم بالعدّة والقوّة ليتوجّه به إلى المغرب. وكتب له أن يأخذ من كلّ كورة مرّ عليها عددا معلوما. وكتب إلى جعفر بن علي الأندلسي وزيري بن مناد الصنهاجيّ ويعلى بن محمّد الزناتيّ أن يخرجوا معه بعساكرهم. فخرجوا معه حتّى وصلوا إلى تاهرت فتلقّاه يعلى بن محمّد الزناتي وكان صاحب المغرب، وأكرمه وقام له بالوظائف والعلف أيّاما، غير أنّ أهل مدينة إفكان كانوا إذا باعوا أهل عسكر جوهر شتموهم واستخفّوا بهم، ومع ذلك فكان يعلى لم يسارع بالمسير مع جوهر. فلمّا رحل جوهر بعساكره من عند يعلى، مشى يعلى ليشيّعه. فسار جوهر، وأخذ العسكر في رفع أثقالهم إذ سمع صياحا عظيما. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أصحاب يعلى قد ضربوا على ساقة العسكر وقد شغبوا. فقال يعلى: أنا أمضي لأفرّقهم. فمنعه جوهر من المضيّ وزاد الصياح. فأمر جوهر بيعلى فأرجل عن فرسه وأركب على بغلة. ثمّ زاد الأمر فأمر جوهر بيعلى فأنزل عن البغلة ومشى بين يديه راجلا، فاشتدّ الأمر ونهبت الزوامل (٤) فأتى أبو طاعة بن يصل الكتاميّ إلى جوهر، وقال: «السيف يعمل في عسكرنا وهذا حيّ»! فجرّد سيفه فضرب يعلى [ف] أطار رأسه ورفعها على قناة وحملها إلى موضع القتال. فلمّا رآها أصحابه انهزموا فمال عليهم العسكر حتّى بلغوا بهم إلى إفكان، والسيف يعمل فيهم فدخلوا إفكان بالسيف، فقتل أكثر أهلها ونهب كلّ ما فيها، وأسر يدو بن يعلى، ثمّ هدمت إفكان، وحرّقت بالنار، وذلك كلّه يوم الاثنين (٥) الثاني من جمادى الأولى [٣٤٧]. ورحل جوهر حتّى [٣٥٨ ب] انتهى إلى فاس وبها أحمد بن بكير، فامتنع من جوهر وقاتلة مدّة، فلم يقدر عليه جوهر ورحل عن فاس إلى سجلماسة. فلمّا قرب منها فرّ عنه محمّد بن الفتح الملقّب بالشاكر لله أمير المؤمنين، وكان قد تغلّب عليها ستّ عشرة سنة. ثمّ أخذ أسيرا وحمل إلى جوهر في يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب [٣٤٧] بغير حرب. فمضى جوهر إلى البحر المحيط، وأمر أن يصطاد له من حيتانه، وجعلهافي قلّة فيها ماء. وكتب إلى المعزّ كتابا جعل في طيّه من ضريع البحر المحيط وبعث بذلك إليه، يشير أنّه انتهى إلى البحر المحيط. ثمّ عاد إلى فاس (١) بعد أن ملك تلك البلاد كلّها، فنزل عليها وقاتل أهلها مدّة قتالا طويلا حتّى يئس منها. ثمّ جدّ فيها إلى أن ملكها ونهب عسكره مافيها، وسبوا ذراريّها. وأخذ أحمد بن بكير (٢) وقيّده وجعله مع محمد بن الفتح أمير سجلماسة، وذلك لعشر بقين من رمضان [٣٤٨]. وعمل قفصين من خشب سجن فيهما المذكورين. وقفل إلى إفريقيّة بعد ما فتح الفتوح وأراح البلدان إلى البحر المحيط. ولم يتعرّض لسبته، وكانت بيد بني أميّة. فلمّا قدم تاهرت ولّى عليها زيري بن مناد وضمّها إلى يده فقوي أمره. وتركه بها، وسار إلى المسيلة فترك عليها عاملها جعفر بن عليّ الأندلسيّ، وردّ كلّ قوم إلى مواضعهم. ووصل إلى المنصوريّة ومعه أحمد بن بكير أمير فاس، ومحمد بن الفتح الشاكر لله أمير سجلماسة، ويدو بن يعلى بن محمد الزناتي أمير تاهرت، وكثير من الأسرى في يوم الجمعة لاثنتي عشرة بقيت من شوّال. ثمّ أخرجه المعزّ في سنة سبع وخمسين [وثلاثمائة] لإصلاح المغرب في عسكر عظيم، وليحشد كتامة الذين ينهض بهم إلى المشرق، ويجبي من البربر خمسمائة ألف دينار، فدوّخ المغرب. وقدم يوم الأحد لثلاث بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين [وثلاثمائة] بعساكر عظيمة من كتامة والجند والبربر، فأقام خارج المنصوريّة ليجتمع إليه الحشود والعساكر. وفتح المعزّ بيت المال، وأعطى الأموال من ألف دينار إلى عشرين دينارا. ثمّ رحل في يوم السبت لأربع عشرة مضت من ربيع الأوّل [٣٥٨] بالعساكر، ومعه زيادة على مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف ومائتي صندوق فيها المال. فنزل برقّادة وخرج إلي [هـ] المعزّ وخلا به، وأطلق يده ليتصرّف في بيوت أمواله كيف شاء، ويأخذ منها، زيادة على ما معه، ما أحبّ واختار. [٣٥٩ أ] فقال المعزّ، وجوهر قائم بين يديه، والعساكر مجتمعة: والله [لو] خرج جوهر هذا وحده بسوطه لفتح مصر، وليدخلنّ مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا! وأمر المعزّ أولاده وإخوته وسائر الأولياء وعبيد الدولة أن يمشوا بين يدي جوهر وهو راكب. وكتب إلى جميع من يمرّ عليه جوهر من العمّال يأمرهم، إذا قدم عليهم، أن يترجّلوا إليه عند لقائه ويمشوا في خدمته. ثم تقدّم إلى جوهر بالمسير، فرفع من مناخه، والمعزّ واقف، ثمّ أكبّ على جوهر وقد ركب فرسه فسارّه طويلا. ثمّ التفت إلى الأمراء أولاده وإخوته فقال: «ودّعوه»! فنزلوا عن خيولهم، ونزل بنزولهم كافّة الناس فودّعوه على قدر مراتبهم واحدا بعد واحد. فلمّا فرغوا من وداعه أقبل جوهر فقبّل يد المعزّ وحافر فرسه. فقال له المعزّ: «اركب! » فركب وسار، والمعزّ يسايره طويلا، ثمّ وقف وقال له: «سر! » فسار، ثم التفت والمعزّ قائم، فأومأ إليه بكمّه أن امض! فحرّك جوهر يريد عسكره حتى لحق بهم، ثمّ نزل منزله. وعاد المعزّإلى منزله، فنزع ثيابه وأنفذها كلّها إلى جوهر، ما عدا السراويل والخاتم. وأنشد أبو القاسم محمد بن هاني قصيدة بديعة في يوم رحيل جوهر، وكان من أيّام الله العظيمة المهولة، منها [الطويل]: رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأنّ الأفق سدّ بمثله ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودّعت كيف أودّع ... ولم أدر إذ شيّعت كيف أشيّع ألا إنّ هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن ولا بات يهجع ٥ إذا حلّ في أرض بناها مدائنا ... وإن سار عن أرض ثوت وهي بلقع تحلّ بيوت المال حيث يحلّه ... وجمّ العطايا والرواق المرفّع وكبّرت الفرسان لله إذ بدا ... وظلّ السلاح المنتضى يتقعقع وعبّ عباب الموكب الفخم حوله ... وزفّ كما زفّ الصباح الملمّع رحلت إلى الفسطاط أوّل رحلة ... بأيمن فأل بالذي أنت تجمع ١٠ فإن يك في مصر ظماء لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النيل يهمع ويمّمهم من لا يغار بنعمة ... فيسلبهم، لكن يزيد فيوسع [٣٥٩ ب] وفي غد رحيل جوهر هرب من البربر خمسمائة فارس، فخرج في طلبهم ففاتوه. فقال المعزّ: الله أكرم من أن ينصرنا بأراذل البربر، وإنّي لأرجو أن يكون بزوالهم زوال النحس عن عسكرنا.