page 483, entry [886]Open original source
ذكر طلب أبي عبد الله أمام المأمون قال حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن عم الإمام أحمد: سمعت أبا عبد الله يقول: لمّا دعيت إلى المحنة رأيت في المنام عليّ بن عاصم (٥) فأوّلتها: علوّا وعصمة من الله ﷿ والحمد لله علىذلك. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أقلّ من دعي للمحنة سبعة أنفس، وهم: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقيّ، وإسماعيل الجزريّ، ومحمّد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم مستملي [يزيد بن هارون] (١) فأجابوا، ولو كانوا صبروا وقاموا لله لكان انقطع الأمر وحذر الرجل- يعني المأمون- ولكن، لمّا أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. وكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ ويقول: هم أوّل من ثلم هذه الثلمة. وقال حنبل: حدّثني أبي قال: ورد كتاب المأمون من الروم على بغداد إلى إسحاق بن إبراهيم (٢) يأمره بامتحان أبي عبد الله ابن حنبل وعبيد الله بن عمر القواريريّ والحسن بن حمّاد المعروف بسجّادة ومحمّد بن نوح، فوجّه إليهم إسحاق وأحضرهم، فأدخلوا على إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا. فلمّا كان بعد يوم أو يومين دعا إسحاق بالقواريريّ وسجّادة من الحبس وهما مقيّدان فسألهما فأجاباه فخلّى عنهما. وكان أبو عبد الله ﵀ يقيم عذرهما ويقول: أليس قد حبسا وقيّدا؟ قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦]. ثمّ قال أبو عبد الله ﵀: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأمّا إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له. قال أبو عبد الله ﵀: وكان في الكتاب: اقرأ عليهم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فقرأ عليّ إسحاق: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقلت: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] فقال لي إسحاق: ما أردت بهذا؟ قلت: قرأت كلام الله وذكرت ما وصف به نفسه ﷾ ولم أزد في كتابه شيئا. قلت (٣): انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجّته في إثبات الصفات من الآية التي احتجّوا عليه بها فكان الذي استدلّوا به دليلا له لا عليه ﵁. ثمّ ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم بحمل أبي عبد الله ومحمد بن نوح (٤) إليه ببلاد الروم فحملا. وسأل رجل أبا عبد الله فقال له: إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا أجيب. وذكر البيهقيّ وابن الجوزيّ كلّ منهما بسنده إلى إبراهيم بن عبد الله البصريّ (٥) أنّه قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة كانت أقوى لقلبي من كلمة كلّمني بها أعرابي في رحبة طوق (٦)، قال: يا أحمد إن يقتلك الحقّ متّ شهيدا وإن عشت عشت حميدا. قال البيهقيّ: زاد غيره- أي غير إبراهيم البصريّ- أنّه قال: يا أبا عبد الله، تحبّ الله؟ قال: قلت نعم، قال: فإنّك إن أحببت الله أحببت لقاءه، ثمّ مضى فلم أزل انظرإليه حتّى غاب. قال ابن أبي حاتم (١): وكان كما قال الأعرابيّ: لقد رفع الله ﷿ شأن أحمد بعد ما امتحن وعظم عند الناس وارتفع أمره جدّا. وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى أبي جعفر الأنباريّ (٢) أنه قال: لمّا حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس [في الخان] فسلّمت عليه فقال: يا أبا جعفر، تعنّيت! فقلت: ليس في هذا عناء، وقلت له: أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنّ بإجابتك خلق من خلق الله. وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير. ومع هذا فإنّ الرجل- يعني المأمون- إن لم يقتلك تموت، ولا بدّ من الموت، فثق بالله ولا تجبهم إلى شيء (قال) فجعل أبو عبد الله يبكي ويقول: ما شاء الله، ما شاء الله! . وقال أحمد بن غسّان (٣) كنت سائرا مع أحمد لمّا طلبه المأمون فلمّا صرنا قرب غابة قال لي أحمد: قلبي يحسّ أنّ رجاء الحضاري (٤) يأتي في هذه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني، وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينما نحن نسير إذ قرع قارع المحمل (٥) فاستشرف أبو عبد الله فإذا هو برجل فعرفه أبو عبد الله بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدّها على عنقه، فقال: يا أبا عبد الله إنّ الله قد رضيك له وافدا فانظر أن لا يكون وفودك على المسلمين وفودا مشئوما، واعلم أنّ الناس إنّما ينتظرونك لأن تقول فيقولوا، فاعلم إنّما هو الموت والجنّة، ثمّ مضى (قال) فلم يكن بأسرع من أن ورد علينا قاصد المأمون، وهو رجاء الحضاريّ، فقال: أين هؤلاء الأشقياء؟ فقال له أحمد: يا عدوّ الله، تقول: القرآن مخلوق ونكون نحن الأشقياء؟ (قال) فأنزلنا من المحامل وصيّرنا في خيمة فخرج إلينا خادم وهو يمسح عن وجهه بكمّه ويقول: عزّ عليّ يا أبا عبد الله: [لقد] جرّد أمير المؤمنين سيفا لم يجرّده قطّ، وبسط نطعا لم يبسطه قطّ. ثمّ قال: وقرابتي من رسول الله ﷺ [٣ أ] لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتّى يقولا: القرآن مخلوق. (قال) فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينه ثمّ قال: علا عن هذا الفاجر حكمك حتّى يتجرّأ على أوليائك بالضرب والقتل! اللهمّ فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته! (قال) فو الله ما مضى الثلث الأوّل من الليل إلّا ونحن بصيحة وضجّة وإذا برجاء الحضاريّ قد أقبل علينا فقال: صدقت يا أبا عبد الله: القرآن كلام الله غير مخلوق وقد مات والله أمير المؤمنين (٦). فلمّا مات المأمون ووليّ أخوه أبو إسحاق المعتصم ردّ بأبي عبد الله ومحمد بن نوح إلى بغداد، فمات محمد بن نوح في الطريق، ووصل أبو عبد الله إلى بغداد مقيّدا (قال) فكان أبو عبد الله يقول: ما رأيت أحدا على حداثة سنّه وقلّة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله إنّك لست مثلي: أنت رجل يقتدى بك، وقد مدّ الخلق أعناقهم [إليك] ليسمعوا مقالتك، فاتّق الله واثبت لأمر الله! (قال)وكان أبو عبد الله يتعجّب من تقويته له وموعظته (١). ومكث أبو عبد الله مسجونا في دار الحضاريّ أيّاما، ثمّ نقل إلى حبس العامّة [في درب الموصلية] (٢). (قال): لمّا سجن أبو عبد الله جاءه السجّان فقال له: يا أبا عبد الله، الحديث الذي روي في الظلمة وأعوانهم [ ... ] قال السجّان: وأنا من أعوان الظلمة. فقال له أبو عبد الله: أعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل [ ... ] ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك، أمّا أنت فمن أنفسهم. وكان أحمد بن أبي دواد المعتزليّ مستوليا لقضاء القضاة وكان يحمل المعتصم على القول بخلق القرآن. قال إسحاق بن حنبل عمّ الإمام: لقد كنت أتكلّم مع أصحاب السلطان والقوّاد في خلاص أبي عبد الله فلم يتمّ لي أمر، فاستأذنت على إسحاق بن إبراهيم فدخلت إليه وكلّمته فقال لحاجبه: اذهب معه إلى ابن أخيه ولا يكلّم ابن أخيه بشيء إلّا أخبرتني به. قال إسحاق: فدخلت على أبي عبد الله ومعي حاجبه، فقلت: يا أبا عبد الله، قد أجاب أصحابك وقد أعذرت فيما بينك وبين الله وبقيت أنت في الحبس والضيق. فقال أبو عبد الله. يا عمّ، إذا أجاب العالم تقيّة، والجاهل يجهل، متى يتبيّن الحقّ؟ (قال) فأمسكت عنه (قال) فذكر أبو عبد الله ما روي في التقيّة من الأحاديث فقال: كيف تصنعون بحديث خبّاب (٣): إنّ من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثمّ لا يصدّه ذلك عن دينه (قال) فيئسنا منه. ثمّ قال: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلّا واحد، ولا قتلا بالسيف، إنّما أخاف فتنة بالسوط وأخاف أن لا أصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله ما هو إلّا سوطان ثمّ لا تدري أين يقع الباقي. فلمّا سمع ذلك سرّي عنه. (قال) ثمّ حوّل أبو عبد الله إلى دار إسحاق بن إبراهيم في شهر رمضان سنة تسع عشرة ومائتين، فبعث إسحاق بن إبراهيم فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطار أبي عبد الله فنظر إليه فإذا فيه رغيفان وشيء من قثاء وملح فعجب إسحاق من ذلك. قال أبو عبد الله: كان إسحاق يوجّه إليّ برجلين يناظراني يقال لأحدهما أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجّام فلا يزالان يناطراني، فإذا أرادا الانصراف دعوا (٤) بقيد حتّى صار في رجلي سبعة أقياد. (قال) ودار بيني وبين الحجّام كلام فقلت له: ويحك، بعد طلبك العلم والحديث صرت إلى هذا الأمر؟ وسألته عن علم الله فقال: مخلوق. فقلت: كفرت بالله العظيم! (٥) فقال لي رجل معه: هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: هذا كفر بالله العظيم. ثمّ قلت لصاحبه ابن رباح: هذا زعم أنّ علم الله مخلوق فكفر، فنظر إليه وأنكر عليه مقالته، تمّ انصرفا. فقال الحجّام: ما رأيت لهذا نظيرا: عجبت من هذا الذي هو فيه، وهو يعظني ويوبّخني. قال أبو عبد الله: ثمّ أدخلت على إسحاق فقال لي: لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه؟ فكلّمته بكلام قويّ. فقال: يا أحمد إنّي عليكمشفق، وقد آلى أمير المؤمنين إن لم تجبه ليقتلنّك. فقلت له: ما عندي في هذا الأمر إلّا الأوّل- كذا نقل البيهقي. ونقل ابن الجوزيّ أنّ إسحاق بن إبراهيم قال له: إنّ أمير المؤمنين لا يقتلك، وقد آلى إن لم تجبه يضربك ضربا بعد ضرب ويلقيك في موضع لا ترى فيه شمسا. ثمّ قال إسحاق: اذهبوا به إلى أمير المؤمنين. قال أبو عبد الله: فذهبوا بي إلى دار المعتصم، وأدخلت في حجرة ليلا وأغلق عليّ الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في المكان سراج. فأردت أن أتيمّم للصلاة فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع، فتوضّأت وقمت أصلّي ولا أعرف القبلة فصلّيت. فلمّا أصبحت فإذا أنا أصبت القبلة. ثمّ جاء رسول المعتصم فقال: أجب! فثقلت عليّ القيود وكدت غير مرّة أخرّ على وجهي. فأخرجت تكّة سراويلي وشددت بها القيود أحملها، وعطفت سراويلي من غير تكّة. ثمّ مشيت إلى أن دخلت عليه والتكّة بيدي أحمل بها الأقياد، فإذا هو جالس وابن أبي دواد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه، منهم أبو عبد الرحمن الشافعيّ (١) وغيره. فلمّا نظر إليّ المعتصم سمعته يقول لهم كالمنكر عليهم: أليس قد زعمتم أنّه حدث السنّ؟ هذا شيخ مكتهل. فلمّا دنوت سلّمت. فقال لي المعتصم: ادن! ولم يزل يدنيني حتى قربت منه. ثمّ قال: اجلس! فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلا ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين [٣ ب] ائذن لي في الكلام. فقال: تكلّم! فقلت: إلام دعا الله ورسوله- وفي رواية: إلام دعا إليه ابن عمّك رسول الله ﷺ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله. ثمّ قلت: إنّ جدك ابن عبّاس يقول: لمّا قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم. فإلام أدعى وهذه شهادتي وإخلاصي بالتوحيد؟ فقال المعتصم: لولا أنّي وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثمّ قال لعبد الرحمن بن إسحاق (٢): ألم آمرك أن [ترفع] المحنة؟ قال أبو عبد الله: فقلت: الله أكبر! إنّ في هذا لفرجا للمسلمين. ثمّ قال المعتصم للحاضرين: ناظروه! ثمّ قال لعبد الرحمن: كلّمه! فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فسكتّ، فقال لي المعتصم: أجبه! فقلت له: ما تقول في علم [الله ... ] قلت لعبد الرحمن: القرآن من علم الله ﷿ ومن زعم أنّ علم الله مخلوق فقد كفر بالله. فسكت عبد الرحمن، فقال [الجماعة] للمعتصم: يا أمير المؤمنين أكفرنا وأكفرك! فلم يلتفت إلى ذلك منهم. فقال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن فقلت سبحان الله! ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم أنّ الله كان ولا علم لكفر. قال أبو عبد الله: واحتجّوا عليّ بحديث عمران بن حصين (٣) إنّ الله ﷿ خلق الذّكر، والذكر هو القرآن. فقلت: هذا خطأ، حدّثنا غير واحد أن الله ﷿ كتب الذّكر. واحتجّوا عليّ بحديث ابن مسعود: وما خلق الله من جنّة ولا نار، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسيّ. قال أبو عبد الله: فقلت: إنّما وقع الخلقعلى الجنّة والنار، والسماء والأرض، ولميقع على القرآن. قال أبو عبد الله: كان القوم إذا انقطعوا عن الحجّة عرض ابن أبي دواد فتكلّم. وكلّمني مرّة فلم ألتفت إليه، فقال لي المعتصم: ألا تكلّمه؟ فقلت: لست أعرفه من أهل العلم فأكلّمه! .- قال أبو عبد الله: وكان ابن أبي دواد من أجهل الناس بالعلم والكلام- (قال) فجعل ابن أبي دواد يقول: يا أمير المؤمنين، والله إن أجابك لهو أحبّ إليّ من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار- وعدّد من ذلك ما شاء الله- فقال المعتصم: والله إنّه لفقيه والله إنّه لعالم، ووددت أن يكون معي يصلح من شأني ويردّ عليّ أهل الملل. ثمّ قال لي: يا أحمد، أتعرف صالحا الرشيد؟ (١) قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدّبي وكان صاحب سنّة، فسألته عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب. ثمّ قال لي: يا أحمد، أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي. ولأركبنّ إليك بجندي ولأطأنّ بساطك! فقلت: أعطوني شيئا من كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله ﷺ. فلمّا طال المجلس قام ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ووجّه إليّ برجلين من أصحاب ابن أبي دواد يبيتان عندي ويناظراني. فلمّا كان وقت الإفطار وجيء بالطعام جهدا بي أن أفطر فلم أفعل. فلمّا كان في اليوم الثاني جاء الرسول فذهب بي. فقال لهم: ناظروه وكلّموه فجعلوا يناظروني ويتكلّم هذا من ههنا فأردّ عليه ويتكلّم هذا فأردّ عليه، وإذا جاءوا بشيء من الكلام والبدع ممّا ليس في كتاب الله تعالى ولا سنّة رسول الله ﷺ ولا عندي فيه خبر أقول: لا أدري ما هذا، فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجّهت له الحجّة انساب علينا، وإذا كانت الحجّة عليه قال: لست صاحب كلام، أنا صاحب أثر. فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلمّا ضجر قال لهم: قوموا! ثمّ رددت إلى المكان الذي كنت فيه. فلمّا كان الليل نام من كان معي وأنا متفكّر في أمري، فإذا أنا برجل طويل يتخطّى الناس حتّى دنا منّي، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم. قال: فاصبر ولك الجنّة. قال أبو عبد الله ﵁: فلمّا مسّني حرّ السوط ذكرت قول الرجل فصبرت. (قال) فلمّا كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدا من أمري شيء. فلمّا كان من الغد وجّه إليّ المعتصم فأدخلت فإذا الدار غاصّة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين شيء من ذلك. فلمّا انتهيت إليه قال: اقعد! ثمّ قال لي: يا أحمد، أجبني إلى ما أدعوك إليه، فإنّه بلغني أنّك تحبّ الرئاسة، وو الله إن أجبتني إلى ما أنا فيه لآتينّك في حاشيتي ومواليّ ولأطأن بساطك ولأنوّهنّ بك! يا أحمد، الله الله في نفسك! . قلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ وأخباره فمهما وضع عليّ من حجّة صرت إليها. فقال: ناظروه! كلّموه! (قال) فجعلوا يناظروني ويتكلّم هذا فأردّ عليه، ويتكلّم هذا فأردّ عليه، ويتكلّم هذا فأردّ عليه، وصار صوتي يعلو أصواتهم. قال أبو عبد الله: واحتجّوا عليّ فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، فقلت لهم: إنّما هو الثواب، قال ﷿: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر، ٢٢] وإنّما تأتي قدرته، أي آثار قدرته، إنّما القرآن أمثال ومواعظ، وأمر ونهي، وكذا وكذا. فلمّا طال المجلس نحّانيثم خلا بهم. وكان المعتصم لا يعلم [٤ أ] ويظن إلا أنّ القول قولهم (١). ثمّ نحّاهم وردّني إليه وقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتّى أطلق عنك بيدي، إني والله لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني. فرددت عليه نحوا ممّاكنت أردّ قبل ذلك فغضب ولعن وقال: لقد طمعت فيك أن تجيبني، خذوه واسحبوه وخلّعوه! قال أبو عبد الله: وكان معي شعر من شعر [رسول الله] ﷺ أعطانيه الفضل بن الربيع، وكان في صرّة من قميصي. فقالوا: انزعوا منه قمصيه ولا تخرقوه. ثمّ قال: ما هذا في ثوبك؟ فقالوا لي: ما هذا في ثوبك؟ قلت: هذا شعر من شعره ﷺ. قال صالح: قال أبي: فظننت أنّه إنّما [درئ] (٢) عن قميصي الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه. قال أبو عبد الله: وجعلت بين العقابين (٣) فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ رسول الله ﷺ قال: لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى [ثلاث]، وقال (٤) رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصمت دماؤهم وأموالهم، فبم تستحلّ دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين؟ أذكر وقوفك بين يدي الله ﷿ كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين، راقب الله! فلمّا رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه [ ... ] الله فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله وأنّه غلب خليفتين، فهاجه ذلك وطلب كرسيّا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه. ثم قال للجلّادين: أروني أسياطكم! فنظر إليها، ثم قال: ائتوني بغيرها! فأتوه بغيرها. ثم قال: تقدّموا! فيتقدم الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول المعتصم: شدّ، قطع الله يدك! ثم يتنحّى، ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين، وهو في كلّ ذلك يقول: شدّوا، قطع الله أيديكم! فلمّا بلغ تسعة عشر سوطا قام الخليفة إليّ ثم قال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ والله إنّي عليك شفيق. فجعل عجيف ينخسني بقائم سيفه وقال: تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك! الخليفة على رأسك قائم! وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، أقتله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله ﷿ أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. (قال): ثم رجع فجلس، ثم قال للجلّاد: تقدّم، أوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية فقال: يا أحمد، أجبني! فجعلوا يقولون لي: ويلك! إمامك أمير المؤمنين قائم على رأسك! فقال المعتصم: أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي! فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. ثم رجع فجلس، فقال للجلّادين: تقدّموا! فيتقدّم الجلّاد فيضربني سوطين ويتنحّى وهو في خلال ذلك يقول: شدّ قطع الله يدك! قال أبو عبد الله ﵁: فذهب عقلي. ثم أفقت، فإذا الأقياد قد أطلقت عنّي،فقال رجل ممّن حضرنا: إنّا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك فما شعرت بشيء من ذلك! وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيّأ! فقلت: لست أفطر- يعني من الصيام- ثمّ جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم (١) فحضرت صلاة الظهر، فتقدّم ابن سماعة (٢) فصلّى. فلمّا انفتل من الصلاة قال لي: صلّيت والدم يسيل في ثوبك. فقلت: قد صلّى عمر وجرحه يثعب (٣) دما. وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى [أبي الفضل] عبيد الله بن عبد الرحمن الزهريّ قال: قال المروزيّ: قال لي أبو عبد الله، وهو بين الهنتازين (٤): اخرج انظر أيّ شيء ترى! (قال) فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصي عددهم إلّا الله، والصحف والأقلام في أيديهم والمحابر في أذرعتهم. فقال لهم المروزيّ: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه. فدخل المروزيّ إلى أبي عبد الله وهو قائم بين الهنتازين فقال: رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقوله فيكتبونه، فقال: يا مروزيّ، أضلّ هؤلاء كلّهم؟ أقتل نفسي ولا أضلّ هؤلاء كلّهم. قال الحافظ أبو الفرج: قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله ﷿ كما هانت على بلال نفسه. وقد روينا عن سعيد بن المسيّب أنّه كانت عليهنفسه في الله تعالى أهون من نفس ذباب، او إنّما تهون عليهم أنفسهم لعلمهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدّة ابتلاء الإمام أحمد دليل على قوّة دينه لأنّه قد صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: يبتلى الرجل على حسب دينه. فسبحان من أيّده وبصّره وقوّاه ونصره! . وقد تقدّم كلام الإمام البيهقي بمعنى ذلك. وذكر ابن الجوزي أيضا بسنده إلى ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد فسمعت ضجّة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن. فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى [٤ ب] من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت وبالتراس قد نصبت وبالسياط قد طرحت. فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفا، وأوقفوني حيث أسمع الكلام. فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسيّ، وأتى بأحمد بن حنبل فقال له: وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنّك بالسياط أو تقول كما أقول! ثمّ التفت إلى جلّاد فقال: خذه إليك! فأخذه. فلمّا ضرب سوطا قال: باسم الله. فلمّا ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. فلمّا ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلمّا ضرب الرابع قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: ٥١] فضربه تسعة وعشرين سوطا. وكانت تكّة سراويله حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فقلت: الساعة ينهتك! فرمى أبو عبد الله طرفه نحو السماء وحرّك شفتيه فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل (٥) (قال ميمون): فدخلت إلى أبي عبد الله بعد سبعة أيّام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك يوم ضربوك قد انحلّ سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرّك شفيتك فأيّ شيء قلت؟ قال: قلت: اللهمّ إنيأسألك باسمك الذي ملأت به العرش: إن كنت تعلم أنّي على الصواب فلا تهتك لي سترا. وفي رواية أنه قال: يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلّا هو، إن كنت على الحقّ فلا تبد عورتي، اه. وذكر البيهقي أنّه لمّا ضرب أوّل سوط قال: باسم الله، وفي الثاني قال: توكّلت على الله، وهذا في رضى الله. وفي الثالث قال: ما شاء الله كان وكلّ شيء بمقدار وفي الرابع قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وفي الخامس قال: يا أمير المؤمنين إنّك موقوف ومسائل عنّي بين يدي ربّ لا يظلم ويأخذ للمظلوم من الظالم. وفي السادس قال: يا أمير المؤمنين سألتك بالله والدار الآخرة! (قال) وهو لا يرفع رأسه إليه. وفي السابع قال: اذكر الوقوف بين يدي الله كوقوفي بين يديك لا تستطيع منعا ولا عن نفسك دفعا. فلمّا ضربه الثامن اضطرب المئزر في وسطه. قال المروزي، وعبّاس بن مسكويه الهمدانيّ: لقد رأينا أحمد رفع رأسه إلى السماء وحرّك شفتيه، فما استتمّ الدعاء حتّى رأينا كفا من ذهب قد خرج من تحت مئزره فردّ المئزر إلى موضعه بقدرة الله تعالى فضجّت العامّة وهمّوا بالهجوم على دار السلطان، فأمر بحلّه. قال المروزيّ وابن مسكويه: فدخلنا على أبي عبد الله فقلنا: أيّ شيء كان تحريك شفتيك عند اضطراب المئزر؟ قال: رفعت بصري إلى السماء وناديت: يا غياث المستغيثين ويا إله العالمين، إن كنت تعلم أنّي قائم بحقّ فلا تهتك عورتي! فاستجاب الله دعائي. (قال) فكان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا والله رأيت يوم ضرب أحمد وقد ارتفع السراويل من بعد انخفاضه وانعقد من بعد انحلاله، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، والله لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلّا ميتا، اه. كلام البيهقيّ. ورأيت في بعض التواريخ أنّ الخليفة المعتصم أخذه عقب ذلك صفار، وكان ينتبه من الليل مذعورا، وربّما سمع وهو يقول: ما لي ولأحمد؟ كأنّه يعذّب، إلى أن مات. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: كنت كثيرا [ما] أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم! فقلت له: يا أبة، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت: لا. قال: لمّا أخرجت إلى السياط ومدّت يداي للعقابين (١)، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيّار اللصّ الطرّار (٢)، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أنّي صربت ثمانية عشر ألف سوط [بالتفاريق] وإنّما صبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين! .