Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[مدح ابن فضل الله العمريّ له]:

المقريزي - المقفى الكبير · page 282, entry [583]

المقفى الكبير — المقريزي

Open narrator profile: [مدح ابن فضل الله العمريّ له]:
page 282, entry [583]Open original source
[مدح ابن فضل الله العمريّ له]: وقال فيه الإمام الأوحد القاضي الرئيس كاتب الأسرار شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمريّ: هو البحر من أيّ النواحي جئته، والبدر من أيّ الضواحي أتيته. جرت آباؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف طليحا مريحا من تعبه، طلبا لا يرضى بغاية، ولا تقضى له نهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتّخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن نسي السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه [البسيط]: وثقّف الله امرءا بات يكلؤه ... [يمضي] (١) حساماه فيه السيف والقلم بهمّة في الثريّا أثر أخمصها ... وعزمة ليس من عاداتها السأم على أنّه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونسأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيى معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس. وأصبح في فضله آية إلّا أنّه آية الحرس. عرضت له الكدى فدحرجها،وعارضته البحار فضحضحها، ثمّ كان أمّة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كلّ عظيم، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم، ولم يكن منهم إلّا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]: ما كان بعض الناس إلّا مثلما ... بعض الحصى الياقوتة الحمراء جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثار جنود رعيل، وتجار أسود غيل، إلّا أنّ صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طمّ على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلّت قسورته على تلك السباع. ثمّ عبّئت له الكتائب فحطّم صفوفها، وخطم أنوفها. وابتلع غديره المطمئنّ جداولها، واقتلع طوده المرجحنّ جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شراراتهم مصابيحه [الوافر]: تقدّم راكبا فيهم إماما ... ولولاه لما ركبوا وراء فجمع أشتات المذاهب وشتّات المذاهب (١)، ونقل عن أئمّة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثّل صورهم الذاهبة وأحضرها. فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره، لأدنى عصره إليه مقرّبا، أو مالك، لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعيّ، لقال: ليست هذا كان للأمّ ولدا، أو: ليتني كنت له أبا! والشيبانيّ ابن حنبل، لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا، بل داود الظاهريّ وسنان الباطنيّ (٢)، لظنّا تحقيقه من منتحله، وابن حزم والشهرستانيّ، لحشر كلّ منهما ذكره أمّة في نحله، والحاكم النيسابوريّ والحافظ السلفيّ، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد [١٠٠ ب] الفتاوى ولا يردّها، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنّه كان قاعدا لها يعدّها [الكامل]: أبدا على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيّب يغدو مساجله بغرّة صافح ... ويروح معترفا بذلّة مذنب ولقد تظافرت عليه عصب الأعداء فألجموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم ليجني الشهد نحله. ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربّصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب، ونمّ فما زاد على أنّه اغتاب. وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثمّ إلى الإسكندريّة، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى (٣) المنون، وهو على علم يسطّر صحفه، ويدّخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلّا أن يصنّفه، ويقرّط به ولو سمع امرئ واحد ويشنّفه، حتّى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا. وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، [وطبع على قلبه] منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار (٤)المنابر، وحلّ ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات، لا بل حيي، وعرف قدره لأنّ مثله ما رئي. وكان يوم دفنه يوما مشهودا ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس، متبوعا بالنفوس، تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب! ولأقلامه النافقة: لا أبعد كنّ الله من شجرات! . وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلّة في الجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله ويمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنة ولا تقدّم دعوة ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يطفأ ضرم عدوى [الطويل]: وكلّ امرئ حاز المكارم محسود [الكامل]: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنّه لدميم كلّ هذا لتبريزه في الفضل حيث قصّرت النظراء، وتجلّيه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجّة التتار، واقتحامه، وسيوفهم تتدفّق، لجّة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورا في ضرمها، والسيوف فرقا في قرمها، خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، فطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمّن على دعائه وهو مقبل إليه. ثمّ كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كلّ من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ما له من جهاد في الله لم تفزعه فيه ظلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج، مواقف حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم [١٠١ أ] لدّ اقتحم معها الغمرات، وواكلها مختلف الثمرات، وقطع جدالها قويّ لسانه، وجلادها شبا سنانه، قام بها وصابرها، وبلي بأصاغرها، وقاسى أكابرها، وأهل بدع قام في دفاعها، وجاهد في حطّ يفاعها، ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل، وسقم التعليل، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رءوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقد الخضوع، وقاموا، وأرجلهم تتساقط للوقوع، بأدلّة أقطع من السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح [الطويل]: إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت ... على كتفيه الدرع وانتثر السرد إلّا أنّ سابق المقدور أوقعه في خلل المسائل، وخطل خطإ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل، وأظنّه- والله يغفر له- عجّلت له في الدنيا المقاصّة، وأخذ نصيبه من بلواها عامّة وله خاصّة، وذلك لحطّه على بعض سلف العلماء، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء، وقلّة توقيره للكبراء، وكثرة تكفيره للفقراء، وتزييفه لغالب الآراء، وتقريبهلجهلة العوامّ وأهل المراء، وما أفتى به آخرا في مسألتي الزيارة والطلاق، وإذاعته لهما حتى تكلّم فيهما من لا دين له ولا خلاق، فسلّط وبال الأعداء على سليطه، وأطلق أيدي الاعتداء في تفريطه، ولقّم نارهم سعفه، وأرى أقساطهم شرفه. فلم يزل إلى أن مات عرضه منهوبا وعرضه موهوبا، وصفاته تتصدّع ورفاته لا تتجمّع. ولعلّ هذا لخير أريد به وأريغ له بحسن منقلبه. وكان تعمّده للخلاف وتقصّده لغير طريق الأسلاف، وتقويته للمسائل الضعاف، وتعويضه عن رءوس السعاف (١) تغيّر مكانته من خاطر السلطان، وتسبّب له التغرّب عن الأوطان، وتنفذ إليه سهام الألسنة الرواشق، ورماح الطعن في يد كلّ ماشق. فلهذا لم يزل منغّصا عليه طول مدّته، لا تكاد تنفرج عنه جوانب شدّته. هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود من الجود: كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلّا ليهبه ولا يحفظه إلّا ليذهبه كلّه في سبيل البرّ وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر. لم يمل به حبّ الشهوات ولا حبّب إليه من صلات الدنيا غير الصلاة. ولقد نافست ملوك جانكيز خان عليه، ووجّهت دسائس رسلها إليه، وبعثت تجدّ في طلبه، فنوسيت عليه لأمور أعظمها خوف توثّبه. وما زال على هذا ومثله إلى أن صرعه أجله، وأتاه بشير الجنّة يستعجله، فانتقل إلى الله، والظنّ به أنّه لا يخجله. (قال) وحكي عن شجاعته في مواقف الحرب نوبة شقحب، ونوبة كسروان، ما لم يسمع إلّا عن صناديد الرجال، وأبطال اللقاء، وأحلاس الحرب، تارة يباشر القتال وتارة يحرّض عليه. (قال) وكان يجيئه من المال في كلّ سنة ما لا يكاد يحصى فينفقه جميعه آلافا ومئين، ولا يلمس منه درهما ولا ينفقه في حاجة له. وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألّف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلّة، ولا يتشهّى طعاما ولا يمتنع عن شيء منه، بل هو مع ما حضر لا يتجهّم مرآه، ولا يتكدّر صفوه ولا يسأم عفوه، (قال) ورئيت له منامات صالحة.
Parsing and provenance details
Local passage ID
388241
Book record
shamela-145334
Source record
dedupe:583:909077
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate