Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 388200

المقريزي - المقفى الكبير · page 266, entry [553]

المقفى الكبير — المقريزي

page 266, entry [553]Open original source
[حنكته العسكرية]: ولمّا شخص إلى طرسوس في سنة خمس وستّين ومائتين، ونابذه أهلها، ركب في أصحابه وقال لهم: لا تنابذوهم، وانهزموا عنهم! ففعلوا. وقال له بعض قوّاده: إنّك كسرت قلوبنا عن منابذتهم، وليس بنا ضعف؟ فقال له: ويحك! إنّه لم يخف عن متملّك الروم العدّة التي دخلت فيها طرسوس، وما هي عليه من القوّة والنجدة. فأحببت أن يستقرّ عنده أنّنا نضعف عنهم ولا نقاومهم بما أظهرته من توقّفكم عنهم. وعزّهم فهو لله، وعزّكم فهو لي، وأنا أحرى به. واتّفق له لمّا كان بطرسوس أنّه اجتمع فيها برجل كان يعرفه قديما، ممّن خرج عن نعمته فصار يعمل الحزم ويقتات منها ويرابط. فقال له: ما الذي أنكرت من ربّك حتى شردت عنه هذا الشرود؟ واعلم أنّك مع تباعدك عنه لم تخرج عن قبضته. فارحم نفسك من [٩٣ ب] تحميلها ما لا تحتمل، فإنّ جدّه ﷿ يمحّص هزلك، وأدلّته تحيل خدعك. ولا تستكثر من هذه الدنيا ما لا يخفّ حمله معك إذا دعاك. واعلم أنّك مردود إلى الله ﷿ بعملك وحده، وأنّ ما غادرته متخلّف عنك- وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء. ثمّ التفت الرجل وقال لرجل كان مع أحمد: [أ] ما ترى الناس كيف يتضوّرون تحت الأقدار العلويّة؟ ثمّ رفع يده إلى السماء وقال: اللهمّ، انصره ورشّده وارحمه من سخطك عليه! انصرف في حفظ الله وكلاءته، فإنّني أخاف أن تغريني بحبّ الدنيا وطاعة الشهوات. فلست أنساك عند ذكري لك إن شاء الله. وكان مع أحمد كاتب السرّ فكتب كلّ ما نطق به الزاهد. وكان أحمد بن طولون إذا أراد إنفاذ أحد في رسالة أمر كاتب السرّ بتحرير تلك الرسالة. فإذا حضر الرسول ليودّعه قال له: ما الذي تقول لمن وجّهت [ك] إليه؟ فإذا أدّاها كما تحرّر أنفذه، وإن قصّر عنها حبسه واستبدل غيره. وكان أكثر مبيته في قبّة الهواء وحده بغير حرمه. فيمضي الليل وهو جالس يفكّر. فقال له نسيم الخادم: إنّ سيدي الأمير لا ينام إلّا قريبا من الفجر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم. فقال له: ويحك! إني حملت أهل هذا البلدعلى خطّة عظيمة. ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد أحد نائما. وقال مرّة لأحمد بن أيمن: اطلب لي رجلا صادق اللهجة، ذكيّ الروح، صحيح التمييز. (قال): فأحضرته فتى من أبناء الكتّاب فأسرّ إلى الخادم بما لا أعلمه، وانصرفت. وخفي عنّي خبر الرجل حتى مضى شهر. فجاءني مسلّما عليّ وقال لي: أنت مع رجل بعيد الغور لطيف الحسّ. فسألته عن خبره فقال لي: لم يشافهني ولم يكلّمني بحرف حتى بعث بي إلى المطبق. فدخلته حائرا. واجتمع عليّ من في الحبس من الكتّاب والقوّاد وقالوا: ما خبرك؟ فقلت: والله ما لي سبب. فأكذبني بعضهم. وصدّقني آخرون، لشدّة انحرافهم عن الأمير. ثمّ أخرجني وأجلس رجلا من ثقاته خلفي وأمره أن يكتب كلّ ما أتكلّم به. وسألني عمّا قال رجل من المحبسين عند دخولي، وأنا أصدقه، فلم يدع شيئا يحتاج إلى علمه إلّا سألني عنه، وأجبته بحقيقة. ثمّ أخذ الذي كتبه ثقته وأعاد سؤالي ونظر إلى الكتاب فأجبته بذلك الجواب بعينه. فلمّا رأى اتّفاق القولين دفع إليّ مائتي دينار، وصرفني إلى منزلي. وو الله ما طلب إلّا أن أكون له صاحب خبر من حيث لا أعلم. وكان أحمد يخلو في دير القصير (١) لإعمال رأيه، ويأنس براهب فيه كان حسن العقل يقال له أبو ندونة. فشكا إليه مرّة رهبان الدّير من ابن المدبّر لمّا كان يتقلّد الخراج أنّه يطالبهم بجزية رءوسهم، وكانت أسقطت عن الرهبان. فكتب إليه بإعفائهم، ثمّ قال لهم: لا تجعلوا توقيعي هذا مثل السيف الذي يصول به صاحبه، ولكن استعملوا المداراة والاستكانة في إيصاله. وأظهروه بعد ذلك! فبلغ ابن المدبّر أنهم قد لقوا أحمد بن طولون، فما أحوجهم إلى إظهار التوقيع. وكان قد أقام عدّة من أصحاب الأخبار يرفعون إليه رقاعا تكون سببا لاستصفاء نعم الناس وقتلهم. فكان أحمد إذا رفعت إليه الرقعة الشنيعة حفظ معناها وتقدّم بإبادة من رفعت فيه، ثمّ يأمر نسيم الخادم بتحريقها ولا يثق بغيره في ذلك. فسعى أصحاب الأخبار في إفساد منزلته عنده لأنّه كان حربا لهم، وإذا رأى أحدا منهم لعنه جهارا. وصاروا يكتبون المرافعة في رقعتين متشابهتين، فإذا رفعوا واحدة وعلموا أنّ نسيما قد حرقها، رجعوا إليه بالأخرى وقالوا: «كيف لم تحرق هذه؟ » ويوهمو [ن] هـ أنّه أغفلها ليتقرّب بها إلى من رفعت فيه. وأحضروا منها رقعة إلى أحمد [٩٤ أ] بن طولون فخاف نسيم وحلف لأحمد بن طولون في خلوة أنّه ما أغفل تحريق رقعة يأمره بتحريقها، ولكنّ هؤلاء القوم يحتالون في إسقاط منزلتي منك. فقال أحمد: قد علمت أنّها حيلة منهم عليك لأنّ لي في الرقاع التي آمر بتحريقها علامة: وهو إدخال سبّابة يميني فيها حتى ينخسف موضع منها أعرفه. ولم أدفع إليك هذه الرقعة قطّ لأنها سليمة من علامتي. وصناعتهم رديئة، وليس يصلح لها إلّا شرار [الناس] ولا ينفذ فيها خيّر (٢). وأقام أيضا رجلا يتبع من هرب ويفتّش عمّا استصعب وجوده، وكان يجد في ذلك أكثر ما يريد.
Parsing and provenance details
Local passage ID
388200
Book record
shamela-145334
Source record
dedupe:553:909048
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 388200 — shamela-145334 · Hadith Research Library