page 6148, entry [2217]Open original source
[خبر زكرويه بن مهرويه القرمطيّ] (٢) ولاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه بن مهرويه القرمطيّ ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاجّ وأنه وافَى موضعًا بينه وبين واقصة أربعة أميال. وذكر عن محمَّد بن داود أنهم مَضَوْا في البرّ من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمّى سَلْمان، وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاجّ ينتظر القافلة الأولى، ووافت القافلة واقصة لستٍّ - أو سبعٍ - خلوْن من المحرّم، فأنذرهم أهلُ المنزل، وأخبروهم أنّ بينهم وبينه أربعة أميال. فارتحلوا ولم يقيموا فنَجوْا، وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الرّبَعيّ، وسيما الإِبراهيميّ، فلما أمعنت القافلة في السّيْر صار القرمطيّ إلى واقصة،فسألهم عن القافلة فأخبروه أنها لم تقُم بواقصة، فاتّهمهم بإنذارهم إياهم، فقتَل من العلافين بها جماعة، وأحرق العلف، وتحصّن أهلُها في حصنهم، فأقام بها أيامًا، ثمَّ ارتحل عنها نحو زبالة. وذكر عن محمَّد بن داود أنَّه قال: إن العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطفّ، ثمَّ انصرفت عنه لمّا علمت بمكانه بسلْمان، ونفذ علَّان بن كُشمَرْد مع قطعة من فرسان الجيش متجرّدة على طريق جادّة مكة نحو زكرويه حتى نزلوا السِّبال، فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة الأولى، ومرّ زكرويه في طريقه بطوائف من بني أسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكة، وقصد الجادّة نحوهم. ووافَى خبرُ العطير من اللحوق لأربع عشر بقيتْ من المحرّم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة الخُراسانية يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم بالعقبة من طريق مكة، فحاربوه حربًا شديدًا، فساءلهم: وقال: أفيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاجّ، فقال لهم: فامضوا فلستُ أريدكم، فلما سارت القافلة تَبِعها فأوقع بها، وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرّماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة، وأكبّ أصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاؤوا، فقتلوا الرّجال والنساء، وسَبوْا من النساء من أرادوا واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقيَ بعض مَنْ أفلت من هذه القافلة عَلَّان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فأعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانية، وقال له: ما بينك وبين القوم إلَّا قليل، والليلة أو في غد توافي القافلة الثانية، فإن رأوا عَلمًا للسلطان قويتْ أنفسهم، واللهَ اللهَ فيهم! فرجع عَلّان من ساعته، وأمر مَنْ معه بالرجوع، وقال: لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل، ثمَّ أصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانية. وقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن كان فيهما من القوّاد والكُتّاب مع جماعة من الرّسل الذين تنكَّبوا طريق الجادّة بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ، ويأمرهم بالتحرّز منه، والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة، أو الرجوع إلى فَيْد أو إلى المدينة، إلى أن يُلحِق بهم الجيوش. ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا وتقدّم أهل القافلةالثانية وفيها المبارك القُمّيّ وأحمد بن نصر العُقيليّ وأحمد بن عليّ بن الحسين الهمذانيّ، فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن واقصة وعوَّروا مياهها، وملؤوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدوابّ التي كانت معهم، مشقّقة بطونها، ووردُوا منزل العقبة في يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم، فحاربهم أصحاب القافلة الثانية، وكان أبو العشائر مع أصحابه في أوّل القافلة ومبارك القميّ فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حربٌ شديدة حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتِهم غِرّة، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، إلا مَنْ استعبدوه، ثمَّ أنفذوا إلى ما دون العقبة بأميال فوارس لحقوا المُفلتة من السيف، فأعطوْهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم أجمعين، وسَبَوْا من النساء ما أحبُّوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة، وقُتل المبارك القميّ والمظفر ابنه، وأسِر أبو العشائر، وجُمع القتلى، فُوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتلّ العظيم، ثمَّ قطِعت يدا أبي العشائر ورجلاه، وضُربت عنقه، وأطلِق من النساء مَنْ لم يرغبوا فيه، وأفلت من الجرحى قومٌ وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا؛ فمنهم من مات، ومنهم مَنْ نجا وهم قليل، وكان نساءُ القرامطة يَطُفْن مع صبيانهم في القتلَى يعرضون عليهم الماء، فمَن كلّمهم أجهزوا عليه. وقيل: إنه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين ألف رجل، قُتل جميعهم غير نفر يسير ممّن قويَ على العدوّ، فنجا بغير زاد ومَن وقع في القتل وهو مجروح، وأفلت بعدُ، أو مَن استعبدوه لخدمتهم. وذكر أن الذي أخذوا من المال والأمتعة الفاخرة في هذه القافلة قيمةُ ألفي ألف دينار. وذكر عن بعض الضرّابين: أنَّه قال: وردت علينا كتب الضرّابين بمصر: أنكم في هذه السنة تستغنون، قد وجّه آل ابن طولون والقوّاد المصريون الذين أشخِصوا إلى مدينة السلام، ومَنْ كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا آنية الذهب والفضة والحلي نِقَارًا، وحمل إلى مكةليوافوا به مدينة السلام مع الحاجّ، فحُمِل في القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام، فذهب ذلك كله. وذكر: أن القرامطة بينما هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الإثنين؛ إذ أقبلت قافلة الخُراسانية، فخرج إليهم جماعةٌ من القرامطة، فواقعوهم، فكان سبيلُهم سَبيلَ هذه، فلما فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاجّ. وأخذ أموالهم، واستباح حريمَهم، رحل مِنْ وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجَيف من الناس والدواب، وكان ورد خبر قطعه على القافلة الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام في عشيَّة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من المحرّم، فعظم ذلك على الناس جميعًا وعلى السلطان، وندب الوزيرُ العباس بن الحسن بن أيوب محمدَ بن داود بن الجرّاح الكاتب المتوَلِّي دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة، والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطيّ، فخرج من بغداد لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، وحمل معه أموالًا كثيرة لإعطاء الجند. ثمَّ سار زكرويه إلى زُبالة فنزلها، وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفًا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ومتوقعًا ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار، ثمَّ سار إلى الثعلبيّة، ثمَّ إلى الشقوق، وأقام بها بين الشقوق والبِطان في طرف الرّمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثة، وفيها من القوّاد نفيس المولديُّ وصالح الأسود، ومعه الشَّمْسَة والخزانة، وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهرًا نفيسًا. وفي هذه القافلة، كان إبراهيم بن أبي الأشعث - وإليه كان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه - وميمون بن إبراهيم الكاتب - وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع - وأحمد بن محمَّد بن أحمد المعروف بابن الهزلَّج، والفرات بن أحمد بن محمَّد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن - وكان يتولى بريد الحرمين - وعليُّ بن العباس النَّهيكيّ. فلما صار أهل هذه القافلة إلى فيْد بلغهم خبرُ الخبيث زكرويه وأصحابه، وأقاموا بِفَيْد أيامًا ينتظرون تقويةً لهم من قِبَل السلطان.وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد. ثمَّ سار زكرويه إلى فَيْد، وبها عامل السلطان، يقال له: حامد بن فيروز، فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مئة رجل كانوا معه في المسجد، وشحَّن الحصين الآخر بالرّجال، فجعل زكرويه يراسل أهل فَيْد، ويسألهم أن يُسلموا إليه عاملهم ومَنْ فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم، فلم يجيبوه إلى ما سأل، ولمّا لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء، قال: فلما رأى أنَّه لا طاقة له بأهلها، تنحّى فصار إلى النِّياج، ثمَّ إلى حُفَير أبي موسى الأشعريّ. وفي أول شهر ربيع الأوّل أنهض المكتفي وصيف بن صوارتكين - ومعه من القوّاد جماعة - فنفذوا من القادسية على طريق خَفَّان، فلقيَه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل، فاقتتلوا يومَهم، ثمَّ حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثمَّ عاودهم الحرب، فقتَل جيش السلطان منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى عدوّ الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مولٍّ ضربةً اتصلت بدماغه، فأخِذ أسيرًا وحليفته وجماعة من خاصّته، وأقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره، وعاش زكرويه خمسة أيام ثمَّ مات، فشُقَّ بطنه، ثمَّ حُمِل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حيًّا في يديه من أسرى الحاج. * * * وفيها غزا ابن كَيْغلغ من طَرَسوس، فأصاب من العدوّ أربعة آلاف رأس سبْي ودوابّ ومواشي كثيرة ومتاعًا، ودخل بِطْريق من البطارقة إليه في الأمان، وأسلم، وكان شخوصه من طَرَسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنة (١). وقيها كاتب أندرونقس البطريق السلطانَ يطلب الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قِبَل صاحب الروم، فأعطِيَ ذلك، فخرج، وأخرج نحوًا من مئتينفس من المسلمين كانوا أسرى في حِصْنه، وكان صاحب الرّوم قد وجّه إليه مَنْ يقبض عليه، فأعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه أسرى السلاحَ، وأخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البِطْريق الموّجه إليه للقبض عليه ليلًا؛ فقتلوا ممّن معه خَلْقًا كثيرًا، وغنموا ما في عسكره، وكان رستم قد خرج في أهل الثغور في جمادى الأولى قاصدًا أندرونقس ليتخلّصه، فوافَى رستم قونية بعقب الوقْعة، وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا، ووجّه أندرونقس ابنه إلى رستم، ووجّه رستم كاتبه وجماعة من البحريين، فباتوا في الحصين، فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميعُ مَنْ معه من أسارى المسلمين، ومَنْ صار إليهم منهم، ومَنْ وافقه على رأيه من النصارى، وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين، وخرّب المسلمون قونية، ثمَّ قفلوا إلى طَرَسُوس وأندرونقس وأسارى المسلمين، ومَنْ كان مع أندرونقس من النصارى. وفي جمادى الآخرة منها كانت بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوَقعة التي أصابه فيها ما أصابه، وأخذوا طريق الفرات يريدون الشام، فأوقع بهم وقعة، فقتل جماعة منهم، وأسرَ جماعة من نسائهم وصبيانهم. وفيها وافَى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده أليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعة باب الشماسيّة بكتاب منه إلى المكتفي يسأله الفداء بمَنْ في بلاده من المسلمين، مَنْ في بلاد الإِسلام من الرّوم، وأن يوجّه المكتفي رسولًا إلى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على أمر يتّفقان عليه، ويتخلّف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع إليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيّرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء، فأقاموا بباب الشماسيَّة أيامًا، ثمَّ أدخِلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين، فقبلت منهم، وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل. وفيها أخِذ رجل بالشام - زعم أنَّه السفيانيّ - فحمِل هو وجماعة معه من الشام إلى باب السلطان، فقيل: إنه موسوس. * * *وفيها أخذ الأعراب بطريق مكة رجليْن يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذُكر: أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه، فدفعوهما إلى نزار بالكوفة، فوجّههما نزار إلى السلطان، فذُكر عن الأعراب أنهما كانا صارا إليهما يدعوانهم إلى الخروج على السلطان. وفيها وجّه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلًا يعرف بالكيال مع ستين رجلًا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه. وفيها وصل إلى بغداد أندرونقس البطريق. وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنَّمر وأسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب. وفيها حاصر أعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفَيْد، وكان وُجِّه أميرًا على الموسم، فحوصر ثلاثة أيام، ثمَّ خرج إليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثمَّ انهزمت الأعراب، ورحل وصيف من فيْد بمن معه من الحاجّ. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ (١). * * *