page 6110, entry [2207]Open original source
وفي هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد (٢) ذكر سبب قتله: ذُكر: أنّ سبب ذلك كان أنّ القاسم بن عبيد الله كان هَمّ بتصيير الخلافة من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظرَ بدرًا في ذلك، فامتنع بدر عليه وقال: ما كنتُ لأصرفَها عن ولد مولاي الذي هو وَليُّ نعمتي. فلما رأى القاسم ذلك وعلم أنَّه لا سبيل إلى مخالفة بدر؛ إذ كان بدرٌ صاحب جيش المعتضد، والمستولي على أمره، والمطاعَ في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر. وحدث بالمعتضد حدثُ الموت وبدر بفارس، فعقد القاسم للمكتفي عَقْد الخلافة، وبايع له وهو بالرَّقة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياة والده.وكتب القاسم إلى المكتفي لمّا بايع غلمان أبيه له بالخلافة، وأخذ عليهم البَيْعة بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفي وبدْر بعد بفارس، فلمَّا قدمها عمل القاسم في هلاك بدر؛ حذرًا على نفسه - فيما ذكر - من بدر أن يقدَم على المكتفي، فيطلعَه على ما كان القاسم همّ به، وعزم عليه في حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات. فوجّه المكتفي - فيما ذكر - محمَّد بن كُمُشْجور وجماعة من القوّاد برسائل، وكتب إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير إلى ما قبَله ومفارقة بدر وتركه، فأوصلت الكتب إلى القوّاد في شرّ، ووجّه إليه يانس خادم الموفّق، ومعه عشرة آلاف ألف درهم ليصرفها في عطاء أصحابه لبيعة المكتفي، فخرج بها يانس. فذُكر: أنَّه لما صار بالأهواز، وجّه إليه بدر مَنْ قَبَض المال منه فرجع يانس إلى مدينة السلام؛ فلمّا وصلت كتب المكتفي إلى القوّاد المضمومين إلى بدر؛ فارق بدرًا جماعة منهم، وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام؛ منهم العباس بن عمرو الغَنَويّ وخاقان المفلحيّ ومحمد بن إسحاق بن كُنْداج وخفيف الأذكوتكيني وجماعة غيرهم. فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا على المكتفي، فخلع - فيما ذكر - على نيّف وثلاثين رجلًا منهم، وأجاز جماعةً من رؤسائهم؛ كلّ رجل منهم بمئة ألف درهم، وأجاز آخرين بدون ذلك، وخلَع على بعضهم، ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر في رجب؛ عامدًا المصيرَ إلى واسط. واتَّصل بالمكتفي إقبالُ بدر إلى واسط، فوكّل بدار بدر، وقبض على جماعة من غلمانه وقوّاده؛ فحُبِسُوا، منهم نحرير الكبير، وعَريب الجبليّ، ومنصور ابن أخت عيسى النُّوشري. وأدخل المكتفي على نفسه القوّاد، وقال لهم: لست أؤمِّر عليكم أحدًا، ومَنْ كانت له منكم حاجة فليلقَ الوزير، فقد تقدّمتُ إليه بقضاء حوائجكم. وأمر بمحو اسم بدر من التراس والأعلام، وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله، وكتب بدرٌ إلى المكتفي كتابًا دفعه إلى زيدان السعيديّ، وحمله على الجمّازات. فلما وصل الكتاب إلى المكتفي أخذه، ووكّل بزيدان هذا وأشخص الحسن بن عليّ كوره في جيش إلى ناحية واسط. وذُكر أنَّه قدّمه المكتفي على مقدمته. ثمَّ أحدر محمَّد بن يوسف مع المغرب لليلة بَقيت من شعبان من هذه السنةبرسالة إلى بدر، وكان المكتفي أرسل إلى بدر حين فَصَل من عمل فارس يعرض عليه ولاية أيّ النواحي شاء؛ إن شاء أصبهان وإن شاء الريّ، وإن شاء الجبال، ويأمره بالمصير إلى حيث أحبّ من هذه النواحي مع مَنْ أحبّ من الفرسان والرّجالة، يقيم بها معهم واليًا عليها. فأبى ذلك بدر، وقال: لابدّ لي من المصير إلى باب مولاي. فوجد القاسم بن عبيد الله مساغًا للقول فيه، وقال للمكتفي: يا أمير المؤمنين، قد عرضنا عليه أن نقلّده أيّ النواحي شاء أن يمضيَ إليها، فأبى إلَّا المجيء إلى بابك، وخوّفه غائلتَه، وحرّض المكتفي على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر أنَّه قد وُكِّل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشرّ، ووجّه مَنْ يحتال في تخليص ابنه هلال وإحداره إليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقية وأمره بالمضي إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه وإعطائه الأمان من أمير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذُكر أن أبا خازم قال له: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤدّيه إليه عنه، فقال له: انصرفْ حتى أستأذنَ لك في ذلك أمير المؤمنين. ثمَّ دعا بأبي عمر محمَّد بن يوسف، فأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم، فسارع إلى إجابته إلى ما أمره به، ودفع القاسم بن عبيد الله إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر، فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه وأكثر غلمانه؛ مثل عيسى النُّوشريّ وختَنَه يانس المستأمن وأحمد بن سمعان ونحرير الصغير، وصاروا إلى مضرب المكتفي في الأمان. فلما كان بعد مضيّ ليلتين من شهر رمضان من هذه السنة، خرج المكتفي من بغداد إلى مضربه بنهر دَيَالي، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على مَنْ صار إلى مضربه من الجماعة الذين سَمّيتُ، وعلى جماعة من القوّاد والجند. ووكّلَ بجماعة منهم، ثمَّ قيّد تسعة منهم، وأمر بحملهم مقيّدين إلى السجن الجديد؛ ولقي - فيما ذكر - أبو عمر محمَّد بن يوسف بدرًا بالقرب من واسط، ودفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفي بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حَرَّاقة بدر، وكان قد سيّره في الجانب الشرقيّ وغلمانه الذين بقُوا معه في جماعة من الجند وخلق كثير من الأكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شطّ دِجْلة،فاستقرّ الأمر بين بدر وأبي عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعًا مطيعًا، وعبَر بدر دِجْلة، فصار إلى النعمانيّة، وأمر غلمانه وأصحابه الذين بقُوا معه أن ينزعوا سلاحهم، وألّا يحاربوا أحدًا، وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر من الأمان؛ فبينا هو يسير إذ وافاه محمَّد بن إسحاق بن كنْداج في شَذًا، ومعه جماعة من الغلمان، فتحول إلى الحرَّاقة، وسأله بدر عن الخبر، فطيّب نفسه، وقال له قولًا جميلًا، وهم في كل ذلك يؤمرونه؛ وكان القاسم بن عبيد الله وجّهه، وقال له: إذا اجتمعتَ مع بدر، وصرت معه في موضع واحد؛ فأعلمْني. فوجّه إلى القاسم، وأعلمه؛ فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤًا أحد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتُك لأمر، فقال: سمعًا وطاعة؛ فقال له: امض وتسلَّمْ بدرًا من ابن كنداجيق، وجئني برأسه. فمضى في طيّار حتى استقبل بدرًا ومَنْ معه بين سيب بني كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار إلى الحرّاقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا بأس عليك، فحوّله إلى طيّاره، ومضى به حتى صار به إلى جزيرة بالصافية، فأخرجه إلى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستلّه، فلمّا أيقَن بدر بالقتل سأله أن يُمهله حتى يُصَلِّي ركعتين، فأمهله، فصلّاهما، ثمَّ قدّمه فضرب عنُقَه، وذلك في يوم الجمعة قبل الزّوال لست خلْون من شهر رمضان، ثمَّ أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره؛ وأقبل راجعًا إلى معسكر المكتفي بنهر دَيَالَي ورأس بدر معه، وتُركت جثّته مكانها، فبقيت هنالك. ثمَّ وجّه عياله من أخذ جثته سرًّا، فجعلها في تابوت، وأخفوْها عندهم، فلما كان أيام الموسم حملوها إلى مكة، فدفنوها بها - فيما قيل - وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل أن يقتَل مماليكه كلّهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميعَ ماله بعد قتله. وورد الخبر على المكتفي بما كان من قَتْل بدر، لسبع خلوْن من شهر رمضان من هذه السنة، فرحل منصرفًا إلى مدينة السلام، ورحل معه مَنْ كان معه من الجند، وجيء برأس بدْر إليه، فوصل إليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فأمر به فنظِّف، ورُفع في الخزانة، ورجع أبو عمر القاضي إلى داره يوم الإثنين كئيبًا حزينًا، لِمَا كان منه في ذلك، وتكلَّم الناس فيه، وقالوا: هو كان السبب في قتل بدر، وقالوا فيه أشعارًا، فمما قيل فيه منها: قلْ لقاضي مَدينةِ الْمنصُورِ ... بمَ أحللتَ أخذَ رأس الأَميرِ! بعدَ إِعطائِه المواثيقَ والعهـ ... ـد وعقدِ الأَيْمانِ في مَنشورِأَينَ أَيْمانُكَ التي شهدَ اللـ ... ـهُ على أنها يمينُ فَجُورِ أَنَّ كفيَّك لا تفارِق كَفّيـ ... ـهِ إلى أن ترَى مَلِيكَ السَّريرِ يا قليلَ الحياءِ يا أكذَبَ الأ ... مّةِ يا شاهِدًا شهادةَ زورِ ليسَ هذا فِعل القضاةِ ولا يُحـ ... ـسِنُ أَمثالهُ وُلاة الجُسُورِ أيّ أَمرٍ رَكِبْتَ في الجُمْعة الزهـ ... ـراءِ من شهرٍ خير الشُّهورِ قد مضى من قتلتَ في رمضانٍ ... صائمًا بعد سجدة التعْفِيرِ يا بني يوسفَ بن يعقوبَ أَضْحَى ... أَهلُ بغدادَ منكمُ في غرورِ بَدّدَ اللهُ شملكمْ وأَراني ... ذلَّكْم في حياةِ هذا الوزير فأَعِدّ الجوابَ للحَكَم العا ... دِلِ من بعدِ منكَرٍ ونكيرٍ أنتمُ كلّكمْ فِدًا لأَبي خا ... زِمٍ المستقيمِ كلّ الأُمورِ ولسبع خلوْن من شهر رمضان، حُمِل زيدان السعيديّ الذي كان قُدِّم رسولًا من قبَل بدر إلى المكتفى مع التسعة الأنفس الذين قُيّدوا من قوّاد بدر، وسبعة أنفس أخَر من أصحاب بَدْر قبض عليهم بعدهم في سفينة مطبقةٍ عليهم، وأُحدروا مقيّدين إلى البصرة، فحبسوا في سجنها. وذكر: أنّ لؤلؤًا الذي ولِيَ قتل بدر كان غلامًا من غلمان محمَّد بن هارون الذي قتل محمَّد بن زيد بطَبرِسْتان وأكرتمُش بالرّيّ، قدم مع جماعة من غلمان محمَّد بن هارون على السلطان في الأمان. وفي ليلة الإثنين لأربع عشرة بقيتْ من شهر رمضان، منها قتِل عبد الواحد بن أبي أحمد الموفق - فيما ذكر - وكانت والدته - فيما قيل - وجّهت معه إلى دار مؤنس لما قُبض عليه دايةً له، ففُرِق بينه وبين البداية فمكثت يومين أو ثلاثة، ثمَّ صُرفت إلى منزل مولاتِها، فكانت والدة عبد الواحد إذا سألت عن خبره قيل لها: إنه في دار المكتفي؛ وهو في عافية. وكانت طامعة في حياته، فلما مات المكتفي أيستْ منه وأقامت عليه مأتمًا. * * * ذكر باقي الكائن من الأمور الجليلة في سنة تسع وثمانين ومئتين. فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب منإسماعيل بن أحمد صاحب خُراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين أصحابه وبين ابن جُسْتان الديلميّ بطبرستان، وأن أصحابه هزموه، وقرئ بذلك كتابه بمسجدي الجامع ببغداد. وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغانيّ من أصحاب بَدْر لمّا قُتِل بدر إلى ناحية البادية في جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان؛ فكانت بينه هنالك وبين أبي الأغرّ وقعة، هُزِم فيها أبو الأغرّ، وقتِل من أصحابه ومن قوّاده عدّة، ثمَّ أشخِص مؤنس الخازن في جمع كثيف إلى الكوفة لحرب إسحاق الفَرْغانيّ. ولسلخ ذي القعدة خُلِع على خاقان المفلحيّ، ووُلِّيَ معونة الريّ، وضمّ إليه خمسة آلاف رجل. وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق، وبها طُغْج بن جُفّ من قِبَل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنة، فكانت بين طُغْج، وبينه وقعات كثيرة قُتل فيها - فيما ذكر - خلق كثير. * * *