page 5998, entry [2157]Open original source
[ذكر الخبر عن الوقعة التي كانت بين الموفّق وبين الزنج] وفي يوم الثلاثاء لعشر خلوْن من شوال من هذه السنة، كانت بين أبي أحمد وبين الزَّنْج وقعة في مدينة الفاسق أثّر فيها آثارًا، وصل بها إلى مراده منها. * ذكر السبب في هذه الوقعة وما كان منها: ذكر محمد بن الحسن أنّ الخبيث عدوّ الله كان في مدّة اشتغال الموفّق بعلّته أعاد القنطرة التي كانت شَذوات نصير لجّجت فيها، وزاد فيها ما ظنّ أنه قد أحكمها، ونصب دونها أدقال ساج وصل بعضها ببعض، وألبسها الحديد، وسَكر أمام ذلك سِكْرًا بالحجارة ليضيق المدخل على الشَّذَا، وتحتدّ جرية الماء في النهر المعروف بأبي الخصيب، فيهاب الناس دخولَه، فندب الموفَّق قائديْن من قُوّاد غلمانه في أربعة آلاف من الغلمان؛ وأمرهما أن يأتيا نهر أبي الخصيب؛ فيكون أحدهما في شرقيه والآخر في غربيه؛ حتى يوافيا القنطرة التي أصلحها الفاجر وما عمل في وجهها من السّكِرْ فيحاربا أصحاب الخبيث حتى يجلياهم عن القنطرة، وأعدّ معهما النجارين والفعلة لقطع القنطرة والبدود التي كانت جعلت أمامها، وأمر بإعداد سفن محشوّة بالقصب المصبوب عليه النّفط، لتدخل ذلك النهر المعروف بأبي الخصيب، وتضرم نارًا لتحترق بها القنطرة في وقت المدّ، فركب الموفّق في هذا اليوم في الجيش حتى وافى فوّهة نهر أبي الخصيب، وأمر بإخراج المقاتلة في عدّة مواضع من أعلى عسكر الخبيث وأسفله، ليشغلهم بذلك عن التعاون على المنع عن القنطرة، وتقدّم القائدان في أصحابهما، وتلقاهما أصحاب الخائن من الزَّنْج وغيرهم، يقودهم ابنه أنكلاي وعليّ بن أبان المهلبيّ وسليمان بن جامع، فاشتبكت الحرب بين الفريقيْن، ودامت، وقاتل الفسقة أشدّ قتال، محاماةً عن القنطرة، وعلموا ما عليهم في قطعها من الضّرر، وأنّ الوصول إلى ما بعدها من الجسرين العظيمين اللّذْين كان الخبيث اتخذهما علىنهر أبي الخصيب سهْل مرامه، فكثر القتل والجراح بين الفرِيقيْن، واتّصلت الحرب إلى وقت صلاة العصر، ثم إن غلمان الموفّق أزالوا الفسَقة عن القنطرة وجاوزوها، فقطعها النّجارون والفَعلة، ونقضوها وما كان اتخذ من البدود التي ذكرناها. وكان الفاسق أحكم أمر هذه القنطرة والبدود إحكامًا تعذّر على الفَعَلة والنّجارين الإسراع في قطعها، فأمر الموفّق عند ذلك بإدخال السفن التي فيها القصب والنّفط، وضربها بالنار وإرسالِها مع الماء؛ ففعل ذلك، فوافت السفن القنطرة فأحرقتها، ووصل النَّجارون إلى ما أرادوا من قطع البدود فقطعوها، وأمكن أصحاب الشّذا دخول النهر فدخلوه، وقوِيَ نشاطُ الغلمان بدخول الشَّذَا؛ فكشفوا أصحاب الفاجر عن مواقِفهم حتى بلغوا بهم الجسر الأوّل الذي يتلُو هذه القنطرة، وقُتِل من الفجَرة خلق كثير، واستأمن فريق منهم؛ فأمر الموفّق أن يخلع عليهم في ساعتهم تلك، وأن يوقفوا بحيث يراهم أصحابُهم ليرغبوا في مثل ما صاروا إليه؛ وانتهى الغلمان إلى الجسر الأوّل، وكان ذلك قبيل المغرب، فكره الموفّق أن يُظلم الليلَ، والجيش موغل في نهر أبي الخصيب، فيتهيّأ للفجرة بذلك انتهازُ فرصة، فأمر الناسَ بالانصراف، فانصرفوا سالمين إلى المدينة الموفقيّة، وأمر الموفّق بالكتاب إلى النواحي بما هيأ الله له من الفتح والظَّفر؛ ليقرأ بذلك على المنابر، وأمر بإثابة المحسنين من غلمانِه على قدر غَنائهم وبلائهم وحسن طاعتهم، ليزدادوا بذلك جدًّا واجتهادًا في حرب عدوّهم. ففعل ذلك، وعَبر الموفّق في نفر من مواليه وغلمانه في الشَّذَوات والسميريّات وما خفّ من الزّواريق إلى فُوّهة نهر أبي الخصيب؛ وقد كان الخبيث ضيّفها ببرجين عملهما بالحجارة ليضيّق المدخل وتحتدَّ الجرية، فإذا دخلت الشَّذَا النهر لجَّجتْ فيه، ولم يسهل السبيل إلى إخراجها منه؛ فأمر الموفَّق بقطع ذينك البُرْجين، فعمل فيهما نهار ذلك اليوم، ثم انصرف العمال وعادوا من غد لاستتمام قلع ما بقي من ذلك؛ فوجدوا الفجَرة قد أعادوا ما قلع منهما في ليلتهم تلك؛ فأمر بنصب عرّادتين قد كانتا أعدّتا في سفينتين، نُصِبتا حيال نهر أبي الخصيب، وطرحت لهما الأناجر حتى استقرّتا؛ ووكّل بهما من أصحاب الشَّذَا، وأمر بقطع هذين البُرْجَيْن، وتقدّم إلى أصحاب العرّادتين في رَمْي كلّ مندنا من أصحاب الفاسق؛ لإعادة شيء من ذلك في ليل أو نهار؛ فتحامى الفجرة الدنوَّ من الموضع، وأحجموا عنه، وألحّ الموكَلون بقلع هذه الحجارة بعد ذلك، حتى استتمّوا ما أرادوا، واتَّسع المسْلَك للشذا في دخول النهر والخروج منه. * * *