Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 340975

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 5985, entry [2153]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 5985, entry [2153]Open original source
[ذكر خبر إصابة الموفّق] وفيها رُمِيَ أبو أحمد الموفّق بسهم، رماه غلام روميّ - يقال له: قرطاس - للخبيث بعدما دخل أبو أحمد مدينتَه التي كان بناها لهدم سورها، وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أن الخبيث بهبوذ لمّا هلك، طمع الزَّنْج فيما كان بهبوذ قد جمع من الكنوز والأموال، وكان قد صحّ عنده أن ملكه قد حوى مئتي ألف ديناروجوهرًا وذهبًا وفضّة لها قدر، فطلب ذلك بكلّ حيلة، وحرَص عليه، وحبس أولياءه وقرابته وأصحابه، وضربهم بالسّياط، وأثار دورًا من دُوره، وهدم أبنيةً من أبنيته؛ طمعًا في أن يجد في شيء منها دفينًا، فلم يجد من ذلك شيئًا؛ وكان فعله الذي فعله بأولياء بهبوذ في طلب المال أحد ما أفسد قلوب أصحابه ودعاهم إلى الهرَب منه والزّهد في صحبته، فأمر الموَفق بالنداء في أصحاب بهبوذ بالأمان، فنُودي بذلك، فسارعوا إليه راغبين فيه، فألحِقوا في الصِّلات والجوائز والخلَع والأرزاق بنظرائهم، ورأى أبو أحمد لما كان يتعذر عليه من العُبور إلى عسكر الفاجر في الأوقات التي تهبّ فيها الرياح وتحرّك فيها الأمواج في دِجْلة أن يوسع لنفسه وأصحابه موضعًا في الجانب الغربيّ من دجلة ليعسكر به فيما بين ديْر جابيل ونهر المغيرة، وأمر بقطع النخل وإصلاح موضع الخندق، وأن يُحفّ بالخنادق، ويحصَّن بالسور ليأمن بيات الفجّار واغتيالهم إياه، وجعل على قُوّاده نوائب؛ فكان لكلّ واحد منهم نوْبة يغدو إليها برجاله، ومعه العمال في كلّ يوم لإحكام أمر العسكر الذي عزم على اتّخاذه هنالك، فقابَل الفاسق ذلك بأن جعل على عليّ بن أبان المهلّبيّ وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمْدانيّ نُوبًا، فكان لكلّ واحد منهم يوم ينوب فيه. وكان ابنُ الخبيث المعروف بأنكلاي يحضرُ في كلّ يوم نوبة سليمان، وربما حضر في نوبة إبراهيم، ثم أقامه الخبيث مقام إبراهيم بن جعفر، وكان سليمان بن جامع يحضُر معه في نوبته، وضمّ إليه الخبيث سليمان بن موسى الشعرانيَّ وأخويه، وكانوا يحضرُون بحضوره، ويغيبون بغيبته، وعلم الخبيثُ أن الموفّق إذا جاوره في محاربته، وقرب على مَن يريد اللحاق به المسافةُ فيما يحاول من الهرب إليه، مع ما يدخل قلوبَ أصحابه من الرهبة بتقارب العسكرين إنّ في ذلك انتقاضَ تدبيره، وفسادَ جميع أموره؛ فأمر أصحابَه بمحاربة من يعبر من القوّاد في كلّ يوم، ومنعهم من إصلاح ما يحاولون إصلاحَه من أمر عسكرهم الذي يريدون الانتقال إليه، وعصفت الرياح في بعض تلك الأيام وبعض قوّاد الموفق في الجانب الغربيّ لِمَا كان يعبر له، فانتهز الفاسق الفرصةَ في انفراد هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه، وامتناع دِجْلة بعصوف الريح من أن يرام عُبورها، فرمى القائد المقيم في غربي دجْلة بجميع جيشه، وكاثره برجاله، ولم تجدالشَّذَوات التي كانت تكون مع القائد الموجّه سبيلًا إلى الوقوف بحيث كانت تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة، وما خاف أصحابها عليها من التكسّر، فقويَ الزَّنْج على ذلك القائد وأصحابه، فأزالوهم من موضعهم، وأدركوا طائفةً منهم، فثبتوا فقُتِلوا عن آخرهم؛ ولجأت طائفةٌ إلى الماء، فتبعهم الزَّنْج، فأسروا منهم أسارى، وقتلوا منهم نفرًا، وأفلت أكثرُهم، وأدركوا سفنَهم، فألقوا أنفسهم فيها، وعَبَروا إلى المدينة الموفقيّة، فاشتدّ جزع الناس لما تهيّأ للفسقة، وعَظُم بذلك اهتمامهُم، وتأمّل أبو أحمد فيما كان دبّر من النزول في الجانب الغربيّ من دجِلْة أنه أكدى، وما لا يؤمن من حيلة الفاسق وأصحابه في انتهاز فرصة، فيوقع بالعسكر بياتًا، أو يجد مساغًا إلى شيء مما يكون له فيه متنفَّس؛ لكثرة الأدغال في ذلك الموضع وصعوبة المسالك، وأنّ الزني على التوغّل إلى المواضع الوحشة أقدرُ وهو عليهم أسهل من أصحابه. فانصرف عن رأيه في نزول غربيّ دِجْلة، وجعل قصده لهدم سور الفاسق وتوسعة الطرق والمسالك منها لأصحابه، فأمر عند ذلك أن يبدأ بهدْم السور مما يلِي النهر المعروف بمنكى؛ فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بأنكلاي وعليّ بن أبان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك، كلّ واحد منهم في نَوْبته في ذلك اليوم، فإذا كثر عليهم أصحابُ الموفق اجتمعوا جميعًا لمدافعة مَنْ يأتيهم. فلمّا رأى الموفّق تحاشُدَ الخبثاء وتعاونَهم على المنع من الهدم للسور، أَزْمَع على مباشرة ذلك وحضوره ليستدعيَ به جِدَّ أصحابه واجتهادهم، ويزيد في عنايتهم ومجاهدتهم؛ ففعل ذلك، واتّصلت الحرب، وغَلُظت على الفريقين؛ وكثر القتلى والجراح في الحزبَيْن كليْهما، فأقام الموفّق أيامًا يغادِي الفسقة ويراوحهم؛ فكانوا لا يفتَرُون من الحرب في يوم من الأيام، وكان أصحاب أبي أحمد لا يستطيعون الوُلوج على الخبَثة لقنطرتين كانتا على نهر منكى كان الزّنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب، فينتهون منهما إلى طريق يخرجهم في ظهور أصحاب أبي أحمد، فينالون منهم، ويحجزونهم عن استتمام ما يحاولون من هدم السور، فرأى الموفَّق إعمال الحيلة في هدم هاتيْن القنطرتين ليمنع الفسقة عن الطَّريق الذي كانوا يصيرون منه إلى استدبار أصحابه في وقت احتدام الحرب؛ فأمر قوّادًا من قواد غلمانهبقصد هاتين القنطرتين، وأن يختلوا الزنج، وينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما؛ وتقدّم إليهم في أن يُعِدُّوا لهما من الفؤوس والمنَاشير والآلات التي يحتاج إليها لقطعهما ما يكون عونًا لهم على الإسراع فيما يقصدون له من ذلك. فانتهى الغلمان إلى ما أمِروا به، وصاروا إلى نهر منكى وقت نصف النهار، فبرز لهم الزّنْج، فبادروا وتسرَّعوا، فكان ممّن تسرع إليهم أبو النداء في جماعة من أصحابه يزيدون على الخمسمئة، ونشبت الحرب بين أصحاب الموفق والزَّنج، فاقتتلوا صدرَ النهار، ثم ظهر غلمان أبي أحمد على الفسقة فكشفوهم عن القنطرتين، فأصاب المعروفَ بأبي النداء سهمٌ في صدره وصل إلى قلبه فصرعه، وحامى أصحابه على جِيفته فاحتملوها، وولَّوْا منهزمين، وتمكن قوّاد غلمان الموفَّق من قطع القنطرتين، فقطعوهما وأخرجوهما إلى دِجْلة، وحملوا خشبهما إلى أبي أحمد، وانصرفوا على حال سلامة، وأخبروا الموفّق بقتل أبي النداء وقَطْع القنطرتين، فعظم سروره وسرورُ أهل العسكر، بذلك، وأمر لرامي أبي النداء بصِلة وافرة. وألحّ أبو أحمد على الخبيث وأشياعه بالحرب، وهدم من السور ما أمكنهم به الولوج عليهم، فشغلوهم بالحرب في مدينتهم عن المدافعة عن سورهم، فأسرع الهدْم فيه، وانتهى منه إلى دارَي ابن سمعان وسليمان بن جامع، فصار ذلك أجمع في أيدي أصحاب الموفّق، لا يستطيع الفسقة دفعَهم عنه ولا منعَهم من الوصول إليه، وهُدِمت هاتان الداران، وانتُهِب ما فيهما، وانتهى أصحاب الموفّق إلى سوق لصاحب الزَّنج كان اتخذها مظلة على دِجْلة، سماها الميمونة، فأمر الموفّق زيرك صاحب مقدمة أبي العباس بالقصْد لهذه السوق، فقصد بأصحابه لذلك، وأكبَّ عليها، فهدمت تلك السوق وأخرِبَتْ، فقصد الموفّق الدار التي كان صاحب الزنج اتّخذها للجُبّائيّ فهدمها، وانتهب ما كان فيها وفي خزائن الفاسق كانت متّصلة بها. وأمر أصحابه بالقصْد إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذ فيها بناء سماه مسجد الجامع، فاشتدت محاماة الفسقة عن ذلك والذبّ عنه؛ بما كان الخبيث يحضُّهم عليه، ويُوهمهم أنه يجب عليهم من نُصرة المسجد وتعظيمه؛ فيصدّقُون قولَه في ذلك، ويتبعون فيه رأيه، وصعُب على أصحاب الموفّق ما كانوا يرومونمن ذلك؛ وتطاولت الأيام بالحرب على ذلك الموضع، والذي حصل مع الفاسق يومئذ نخبة أصحابه وأبطالُهم والموطّنون أنفسهم على الصبر معه، فحاموْا جهدَهم؛ حتى لقد كانوا يقفون الموقف فيصيب أحَدهم السهم أو الطعنة أو الضربة فيسقط، فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف موقفه إشفاقًا من أن يخْلُوَ موقف رجل منهم، فيدخل الخلل على سائر أصحابه. فلمّا رأى أبو أحمد صبر هذه العصابة ومحاماتها، وتطاول الأيام بمدافعتها أمر أبا العباس بالقصد لركن البناء الذي سماها الخبيث مسجدًا، وأن يندب لذلك أنجادَ أصحابِه وغلمانه، وأضاف إليهم الفَعلة الذين كانوا أعِدّوا للهدم، فإذا تهيّأ لهم هدمُ شيء أسرعوا فيه، وأمر بوضع السلاليم علِى السور فوضعوها، وصعِد الرماة فجعلوا يرشقون بالسهام من وراء السور من الفسقة، ونظم الرجال من حدّ الدار المعرُوفة بالجُبّائيّ إلى الموضع الذي رتّب فيه أبا العباس، وبذل الموفق الأموال والأطوقة والأسورة لمن سارع إلى هدم سور الفاسق وأسواقِه، ودور أصحابه، فتسهّل ما كان يصعُب بعد محاربة طويلة وشدّة، فهدم البناء الذي كان الخبيث سماه مسجدًا، ووُصل إلى مِنْبره فاحتُمِل، فأتِيَ به الموفق، وانصرف به إلى مدينته الموفقيّة جذِلًا مسرورًا، ثم عاد الموفَّق لهدم السور فهدَمه من حدّ الدار المعروفة بأنكلاي إلى الدار المعروفة بالجُبّائيّ. وأفضى أصحاب الموفّق إلى دواوين من دواوين الخبيث وخزائن من خزائنه؛ فانتُهبت وأحرقت؛ وكان ذلك في يوم ذي ضباب شديد، قد ستر بعضَ الناس عن بعض، فما يكاد الرجل يبصر صاحبَه، فظهر في هذا اليوم للموفّق تباشير الفتح، فإنهم لعلَى ذلك؛ حتى وصل سهمٌ من سهام الفسقة إلى الموفّق، رماه به غلام روميّ كان مع الفاسق يقال له: قرطاس، فأصابه في صدره، وذلك في الإثنين لخمس بقين من جمادى الأولى سنة تسع وستين ومئتين، فستر الموفّق ما ناله من ذلك السهم، وانصرف إلى المدينة مع الموفقية، فعوُلج في ليلته تلك من جراحته، وبات ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح، يشد بذلك قلوبَ أوليائه من أن يدخلها وَهْم أو ضعف، فزاد ما حَمَل نفسَه عليه من الحَركة في قوة عِلَّته، فغُلظت وعظم أمرُها حتى خيف عليه، واحتاج إلى علاجه بأعظم ما يعالَج به الجراح؛ واضطرب لذلك العسكر والجند والرعية، وخافوا قوّة الفاسق عليهم؛ حتى خرج عن مدينته جماعةٌممن كان مقيمًا بها، لما وصل إلى قلوبهم من الرَّهبة، وحدَثَت في حال صعوبة العلّة عليه حادثة في سلطانه، فأشار عليه مشيرون من أصحابه وثقاته بالرحلة عن معسكره إلى مدينة السلام، ويخلّف مَنْ يقوم مقامه؛ فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلاف ما قد تفرّق من شمل الخبيث، فأقام على صعوبة علّته عليه، وغلظ الأمر الحادث في سلطانه؛ فمنّ الله بعافيته، وظهر لقوّاده وخاصته؛ وقد كان أطال الاحتجاب عنهم، فقويَتْ بذلك مُنَّتُهم، وأقام متماثلًا مودّعًا نفسه إلى شعبان من هذه السنة، فلمّا أبلّ وقويَ على النهوض لحرب الفاسق، تيقظ لذلك، وعاود ما كان مواظبًا عليه من الحرب، وجعل الخبيث لمّا صحّ عنده الخبر عما أصاب أبا أحمد يعِدُ أصحابَه العِدات، ويمنّيهم الأمانيّ الكاذبة، وجعل يحلف على منبره - بعدما اتّصل به الخبر بظهور أبي أحمد وركوبه الشّذَا - أن ذلك باطلٌ لا أصل له، وأن الذي رأوه في الشذا مثال مُوِّه لهم وشبِّه لهم. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
340975
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:2153:919359
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 340975 — shamela-145435 · Hadith Research Library