Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خروج أول علوي بالبصرة

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 5800, entry [2085]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: خروج أول علوي بالبصرة
page 5800, entry [2085]Open original source
خروج أَول علويّ بالبصرة وللنصف من شوّال من هذه السنة، ظهر في فُرات البصرة رجل زعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن عليّ بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجمع إليه الزَّنج الذين كانوا يكسحون السِّباخَ، ثم عبر دِجلة، فنزل الدِّيناريّ (١). * ذكر الخبر عن أمره والسبب الذي بعثه على الخروج هنالك: وكان اسمه ونسبه - فيما ذُكر - عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبُه في عبد القَيْس، وأمه قرّة ابنة عليّ بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خزيمة، من ساكني قرية من قرى الرّي، يقال لها وَرْزَنين، بها مولده ومنشؤه؛ فذُكر عنه أنه كان يقول: جدّي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن عليّ بن الحسين، فلما قُتل زيد هرب فلحق بالرّيّ، فلجأ إلى وَرْزَنين، فأقام بها، وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجلٌ من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، وأنه قدم العراق فأقام بها، واشترى جارية سنديّة، فأولدها محمدًا أباه؛ فهو عليّ بن محمد هذا، وأنه كان متصلًا قبل بجماعة من آل المنتصر؛ منهم غانم الشطرنجيّ وسعيد الصغير ويسُر الخادم؛ وكان منهم معاشه، ومن قوم من أصحاب السلطان وكتّابه يمدحهم ويستميحهم بشعره (٢). ثم إنه شخص - فيما ذُكر - من سامرّا سنة تسع وأربعين ومئتين إلى البحرين، فادّعى بها أنه عليّ بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، واتّبعه جماعة كثيرة من أهلها، وأبته جماعة أخَر؛ فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين أبَوْهُ عصبيةقُتِلت بينهم جماعة فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الأحساء، وضوى إلى حيّ من بني تميم ثم من بني سعد، يقال لهم: بنو الشّماس؛ فكان بينهم مقامه، وقد كان أهل البحرين أحلُّوه من أنفسهم محلّ النبيّ - فيما ذكر - حتى جُبيَ له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم، وقاتلوا أسباب السلطان بسببه ووتَر منهم جماعة كثيرة، فتنكّروا له، فتحوّل عنهم إلى البادية (١). ولما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين، منهم رجل كيّال من أهل الأحسَاء، يقال له: يحيى بن محمد الأزرق المعروف بالبَحْرانيّ، مولى لبني دارم ويحيى بن أبي ثعلب، وكان تاجرًا من أهل هَجَر، وبعضُ موالي بني حنظلة أسود يقال له: سليمان بن جامع؛ وهو قائد جيشه، ثم كان ينتقل في البادية من حيّ إلى حيّ. فذكر عنه أنه كان يقول: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس؛ ومنها فيما ذكر عنه: أنه قال: إنِّي لُقَيتُ سُوَرًا من القرآن لا أحفظها فجرى بها لساني في ساعة واحدة، منها: سبحان والكهف وص. قال: ومن ذلك: أني لقيت نفسي على فراشي، فجعلت أفكر في الموضع الذي أقصد له، وأجعل مقامي به؛ إذ نَبَتْ بي البادية، وضقت بسوء طاعة أهلها، فأظلتْني سحابة، فبرقت ورعدت، واتّصل صوت الرّعد منها بسمعي، فخُوطبتُ فيه، فقيل: اقصد البصرة، فقلت لأصحابي وهم يكنُفونني: إني أمرت بصوت هذا الرّعد بالمصير إلى البصرة (٢). وذكر أنه عند مصيره إلى البادية أوْهم أهلها: أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، فاختدع بذلك قومًا منهم؛ حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الرّدْم، فكانت بينهم وقعة عظيمة، كانت الدائرة فيها عليه وعلى أصحابه، قُتلوا فيها قتلًا ذريعًا، فنفرت عنه العرب وكرهتْه، وتجنّبت صحبته، فلما تفرّقت عنه العرب، ونبت به البادية، شخص عنها إلى البصرة، فنزل بها في بني ضُبيعة، فاتّبعه بها جماعة؛منهم عليّ بن أبان المعروف بالمهلبيّ، وأخواه محمد والخليل وغيرهم. وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومئتين، ومحمد بن رجاء الحضاريّ عامل السلطان بها، ووافق ذلك فتنةُ أهل البصرة بالبلالية والسعدية، فطمع في أحد الفريقين أن يميل إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه، فخرجوا بمسجد عبّاد، أحدهم يسمى محمد بن سلْم القصاب الهجريّ، والآخر بُرَيش القُرَيعيّ، والثالث عليّ الضرّاب، والرابع الحسين الصيدنانيّ؛ وهم الذين كانوا صحبوه بالبحرين، فدعوْا إليه، فلم يجبه من أهل البلد أحد، وثاب إليهم الجند، فتفرّقوا ولم يظفر بأحد منهم، فخرج من البصرة هاربًا، فطلبه ابن رجاء فلم يقدرْ عليه، وأُخْبر ابن رجاء بميل جماعة من أهل البصرة إليه، فأخذهم فحبسهم؛ فكان فيمن حبس يحيى بن أبي ثعلب ومحمد بن الحسن الأياديّ وابن صاحب الزَّنْج عليّ بن محمد الأكبر وزوجتُه أمّ ابنه ومعها ابنة له وجارية حامل، فحبسهم ومضى هو لوجهه يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن سلْم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع وبُريش القريعيّ، فلما صاروا بالبَطيحة نذِر بهم بعض موالي الباهليّين، كان يلي أمر البَطيحة، يقال له: عُمَير بن عمار، فأخذهم وحملهم إلى محمد بن أبي عَوْن، وهو عامل السلطان بواسط، فاحتال لابن أبي عَوْن حتى تخلّص هو وأصحابه من يده، ثم صار إلى مدينة السلام، فأقام بها حَوْلًا، وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد؛ وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه بها آيات، وعرف ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كلّ واحد منهم؛ وأنه سأل ربّه بها آيةً أن يعلم حقيقة أمره، فرأى كتابًا يُكتب له، وهو ينظر إليه على حائط، ولا يرى شخص كاتبه (١). وذكر عن بعض تُبَّاعه: أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعةً، منهم: جعفر بن محمد الصَّوحانيّ - كان ينتسب إلى زيد بن صُوحان - ومحمد بن القاسم وغلاما يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان: مشرق ورفيق؛ فسمّى مشرقًا حمزة وكنّاه أبا أحمد، وسمّى رفيقًا جعفرًا وكناه أبا الفضل، ثم لم يزل عامه ذلك بمدينة السلام حتى عُزِل محمد بن رجاء عن البصرة، فخرج عنها، فوثب رؤساءالفتنة من البلاليّة والسعدية، ففتحوا المحابس، وأطلقوا مَنْ كان فيها؛ فتخلّصوا فيمن تخلّص فلما بلغه خلاصُ أهله، شخص إلى البصرة، فكان رجوعه إليها في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، ومعه عليّ بن أبان - وقد كان لحق به وهو بمدينة السلام - ويحيى بن محمد، ومحمد بن سلم، وسليمان بن جامع، وغلاما يحيى بن عبد الرحمن: مشرق ورفيق؛ وكان يحضر هؤلاء الستة رجلٌ من الجند يكنى أبا يعقوب، ولقّب نفسه بعد ذلك بُجرْبان، فساروا جميعًا حتى وافوْا برنخل، فنزلوا قصرًا هنالك يعرف بقصر القرشيّ، على نهر يعرف بعمود ابن المنجم؛ كان بنو موسى بن المنجم احتفروه؛ وأظهر: أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ، وأمر أصحابه أن يَنْحلوه ذلك، فأقام هنالك. فذُكر عن ريحان بن صالح أحدُ غلمان الشُّورَجيّين - وهو أوّل من صحبه منهم - أنه قال: كنت موكلًا بغلمان مولاي، أنقل الدقيق إليهم من البصرة، وأفرّقه فيهم، فحملت ذلك إليهم كما كنت أفعل، فمررت به وهو مقيم ببرنخل في قصر القرشيّ، فأخذني أصحابُه، فصاروا بي إليه، وأمروني بالتسليم عليه بالإمْرة، ففعلت ذلك، فسألني عن الموضع الذي جئتُ منه، فأخبرته أني أقبلت من البصرة، فقال: هل سمعتَ لنا بالبصرة خبرًا؟ قلت: لا، قال: فما خبر الزينبيّ؟ قلت: لا علم في به، قال: فخبر البلاليّة والسعديّة؟ قلت: ولا أعرف أخبارهم أيضًا، فسألني عن أخبار غلمان الشَّورجيّين وما يجري لكلّ غلام منهم من الدقيق والسوِيق والتمر وعمّن يعمل في الشورج من الأحرار والعبيد، فأعلمته ذلك، فدعاني إلى ما هو عليه، فأجبته، فقال لي: احتَلْ فيمن قدرت عليه من الغلمان، فأقبلْ بهم إليّ، ووعدني أن يقوّدني على من آتيه به منهم، وأن يحسن إليّ، واستحلفني ألّا أعلِم أحدًا بموضعه، وأن أرجع إليه، فخلّى سبيلي، فأتيت بالدقيق الذي معي الموضع الذي كنت قصدته به، وأقمت عنده يومي، ثم رجعت إليه من غد، فوافيته وقد قدم عليه رفيق غلام يحيى بن عبد الرحمن، وكان وُجِّه إلى البصرة في حوائج من حوائجه، ووافاه بشبل بن سالم - وكان من غلمان الدبّاسين - وبحريرة كان أمره بابتياعها ليتخذها لواء؛ فكتب فيها بحمرة وخضرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى آخر الآية، وكتب اسمهواسم أبيه، وعلّقها في رأس مُرْديّ وخرج في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان (١). فلما صار إلى مؤخّر القصر الذي كان فيه، لقيه غلمان رجل من الشورجيين يعرف بالعطار، متوجّهين إلى أعمالهم، فأمر بأخذهم فأخذوا، وكُتف وكيلهم، وأخِذ معهم، وكانوا خمسين غلامًا، ثم صار إلى الموضع الذي يعمل فيه السنّائيّ، فأخذ منه خمسمئة غلام، فيهم المعروف بأبي حُدَيد، وأمر بوكيلهم فأخذ معهم مكتوفًا، وكانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر، ثم مضى إلى موضع السيرافيّ، فأخذ منه خمسين ومئة غلام، فيهم زُرَيق وأبو الخنجر. ثم صار إلى موضع ابن عطاء، فأخذ طريقًا وصبيحًا الأعسر وراشدًا المغربيّ وراشدًا القرماطيّ، وأخذ معهم ثمانين غلامًا، ثم أتى موضع إسماعيل المعروف بغلام سَهْل الطحان، ثم لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه، حتى اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين، ثم جمعهم وقام فيهم خطيبًا، فمنَّاهم ووعدَهم أن يقودهم ويرأسهم، ويملّكهم الأموال، وحلف لهم الأيمان الغِلاظ ألا يغدر بهم، ولا يخذَلهم، ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى إليهم، ثم دعا مواليَهم، فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لِمَا كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم، وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم أن تفعلوه بهم، وجعلتم عليهم ما لا يُطيقون، فكلمني أصحابي فيكم، فرأيت إطلاقكم، فقالوا: إنّ هؤلاء الغلمان أُبّاق، وهم يهرُبون منك فلا يُبقون عليك ولا علينا، فخذ منا مالًا وأطلقهم لنا، فأمر غلمانهم فأحضَروا شَطْبًا ثم بَطَح كلُّ قوم مولاهم ووكيلهم، فضرب كلّ رجل منهم خمسمئة شَطْبة، وأحلفهم بطلاق نسائهم ألا يُعلموا أحدًا بموضعه، ولا بعدد أصحابه، وأطلقهم، فمضوْا نحو البصرة (٢). ومضى رجل منهم يقال له: عبد الله، ويعرف بكَرِيخَا، حتى عَبَر دُجَيْلًا، فأنذر الشورجيّين ليحرِزوا غلمانهم، وكان هناك خمسة عشر ألف غلام. ثم سار بعدما صلّى العصر حتى وافى دُجَيلا، فوجد سفن سَمَاد تدخل فيالمدّ، فقدّمها، فركب فيها، وركب أصحابُه حتى عبروا دُجَيلا، وصاروا إلى نهر ميمون، فنزل المسجد الذي في وسط الشارع على نهر ميمون، وأقام هناك، ولم يزل ذلك دأبه، يجتمع إليه السودان إلى يوم الفِطْر، فلما أصبح نادى في أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا، وركز المرديّ الذي عليه لواؤه، وصلّى بهم وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنقذهم به من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلَى الأمور، ثم حلف لهم على ذلك، فلما فرغ من صلاته وخطبته، أمر الذين فهموا عنه قولَه أن يُفهِموه من لا فهم له من عجمهم، لتطيب بذلك أنفسُهم، ففعلوا ذلك، ودخل القصر، فلمّا كان بعد يوم قصد نهر بور، فوافى جماعة من أصحابه هناك الحميريّ في جماعة، فدفعوهم حتى أخرجوهم إلى الصحراء، فلحقهم صاحب الزّنج فيمن معه، فأوقع بالحميريّ وأصحابه، فانهزموا حتى صاروا إلى بطن دِجلة، واستأمن إليه رجل من رؤساء الزّنْج يكنى بأبي صالح، يعرَف بالقصير في ثلثمئة من الزَّنج، فمنّاهم ووعدهم (١). فلما كثر من اجتمع إليه من الزَّنج قوَّد قواده، وقال لهم: كلّ مَنْ أتى منكم برجل فهو مضموم إليه، وقيل إنه لم يقوّد قوّادَه إلّا بعد مواقعة الخَوَل ببَيَان ومصيره إلى سَبخة القَنْدَل. وكان ابنُ أبي عَون نقِل عن ولاية واسط إلى ولاية الأبُلّة وكُور دِجلة، فذُكِر أنه انتهى إليه في اليوم الذي قوّد فيه قوّاده: أن الحميريّ وعَقيلًا مع خليفة ابن أبي عون المقيم كان بالأبُلّة، قد أقبلوا نحوه، ونزلوا نهر طين، فأمر أصحابه بالمصير إلى الرزيقية وهي في مؤخّر الباذَاورْد، فصار إليها في وقت صلاة الظهر، فصلوا بها، واستعدُّوا للقتال، وليس في عسكره يومئذ إلا ثلاثة أسياف: سيفُه وسيف عليّ بن أبان، وسيف محمد بن سلم، ونهض بأصحابه فيما بين الظهر والعصر راجعًا نحو المحمديّة، وجعل عليّ بن أبان في آخر أصحابه، وأمره أن يعرف خبر مَنْ يأتيه من ورائه، وتقدّم في أوائل الناس حتىوافى المحمديّة، فقعد على النهر، وأمر الناس فشربوا منه، وتَوافَى إليه أصحابُه، فقال له عليّ بن أبان: قد كنا نرى من ورائنا بارقةً ونسمع حسّ قوم يتبعوننا، فلسنا ندري: أرجعوا عنا أم هم قاصدون إلينا؟ فلم يستتمّ كلامه حتى لحق القوم، وتنادى الزنج السلاح، فبدرِ مفرّج النوبيّ المكنى بأبي صالح، وريحان بن صالح، وفتح الحجام - وكان فَتْح يأكل - فلما نهض تناول طبقًا كان بين يديه، وتقدّم أصحابه فلقيه رجل من الشورجيّين، يقال له: بلبل، فلمّا رآه فَتْح حمل عليه وحذَفه بالطبق الذي كان في يده، فرمى بلبل بسلاحِه، وولّى هاربًا، وانهزم أصحابه، وكانوا أربعة آلاف رجل، فذهبوا على وجوههم، وقُتِل مَنْ قُتِل منهم، ومات بعضهم عطشًا وأسِرَ منهم قوم فأتِيَ بهم صاحب الزّنج، فأمر بضرب أعناقهم فضربت، وحملت الرؤوس على بغال كان أخذَها من الشورجيّين، كانت تنقل الشورج؛ ومضى حتى وافى القادسيّة، وذلك وقت المغرب، فخرج من القرية رجل من موالي بعض الهاشميين على أصحابه، فقتل رجلًا من السودان، فأتاه الخبر، فقال له أصحابه: ائذن لنا في انتهاب القرية وطلب قاتل صاحبنا، فقال: لا سبيلَ إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم، وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم، ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلا ساغ لنا قتالُهم. وأعجلهم المسير، فصاروا إلى نهر ميمون راجعين، فأقام في المسجد الذي كان أقام فيه في بدأته وأمر بالرؤوس المحمولة معه فنُصبت، وأمر بالأذان أبا صالح النوبيّ فأذّن، وسلم عليه بالإمْرَة، فقام فصلى بأصحابه العشاء الآخرة، وبات ليلته بها، ثم مضى من الغد حتى مرّ بالكرخ فطواها، وأتى قرية تعرف بجُبَّى، في وقت صلاة الظهر، فعبر دُجَيلا من مخاضة دلّ عليها، ولم يدخل القرية، وأقام خارجًا منها، وأرسل إلى مَنْ فيها، فأتاه كبراؤهم وكبراء أهل الكَرْخ، فأمرهم بإقامة الأنزال له ولأصحابه فأقيم له ما أراد، وبات عندهم ليلتَه تلك، فلما أصبح أهدى له رجل من أهل جُبَّى فرسًا كُميتًا، فلم يجد سرْجًا، ولا لجامًا، فركبه بحبل وسَنَفه بليف، وسار حتى انتهى إلى المعروف بالعباسيّ العتيق، فأخذ منه دليلًا إلى السِّيب، وهو نهر القرية المعروفة بالجعفريّة، ونذر به أهل القرية، فهربوا عنها، ودخلها فنزل دار جعفر بنسليمان وهي في السوق وتفرّق أصحابُه في القرية، فأتوْه برجل وجدُوه، فسأله عن وكلاء الهاشميّين، فأخبره أنهم في الأجمة، فوجّه الملقب بجُرْبان، فأتاه برئيسهم وهو يحيى بن يحيى المعروف بالزبيريّ أحد موالي الزياديّين، فسأله عن المال، فقال: لا مال عندي، فأمر بضرب عنقه، فلما خاف القتل أقرّ بشيء قد كان أخفاه، فوجّه معه، فأتاه بمئتي دينار وخمسين دينارًا وألف درهم؛ فكان هذا أول ما صار إليه، ثم سأله عن دوابّ وُكلاء الهاشميّين فدله على ثلاثة براذين: كُميت وأشقر، وأشهب؛ فدفع أحدها إلى ابن سلْم، والآخر إلى يحيى بن محمد، وأعطى مُشرقًا غلام يحيى بن عبد الرحمن الثالث (١). وكان رفيق يركب بغلًا كان يحمل عليه الثَّقَل، ووجد بعض السودان دارًا لبعض بني هاشم فيها سلاح، فانتهبوه، فجاء النوبيّ الصغير بسيف، فأخذه صاحب الزَّنج، فدفعه إلى يحيى بن محمد، فصار في أيدي الزَّنج سيوفٌ وبالات وزقايات وتِراس، وبات ليلته تلك بالسَّيب؛ فلما أصبح أتاه الخبر: أن رُميسًا والحميريّ وعَقيلًا الأبُليّ قد وافوا السِّيب، فوجّه يحيى بن محمد في خمسمئة رجل، فيهم سليمان وريحان بن صالح وأبو صالح النوبيّ الصغير، فلقوا القوم فهزموهم، وأخذوا سُمَيريّة وسلاحًا، وهرب مَنْ كان هنالك ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر، فأقام يومه، وسار من غد يريد المذَار، بعد أن اتخذ على أهل الجعفرية ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدًا، ولا يستُروا عنه، فلما عبر السّيب صار إلى قرية تعرف بقرية اليهود شارعة على دِجْلة، فوافق هنالك رُمَيْسًا في جَمْع، فلم يزل يقاتلهم يومه ذلك، وأسرَ من أصحابه عِدّة، وعقر منهم جماعة بالنُّشاب، وقتِل غلام لمحمد بن أبي عون كان مع رُمَيْس، وغرقت سميْرية كان فيها ملّاحهُا، فأخِذ وضربت عنقه، وسار من ذلك الموضع يريد المذَار، فلمّا صار إلى النهر المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر، فرأى بُستانًا، وتلًّا يعرف بجبل الشياطين، فقصد للتلّ فقعد عليه، وأثبت أصحابه في الصحراء، وجعل لنفسه طليعة. فذُكر عن شبل أنه قال: أنا كنت طليعته على دِجْلة، فأرسلت إليه أخبره أنرُميسًا بشاطئ دِجْلة يطلب رجُلًا يؤدِّي عنه رسالة، فوجّه إليه عليّ بن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع، فلما أتوْه قال لهم: اقرؤوا على صاحبكم السلام، وقولوا له: أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض؛ لا يعرض لك أحدٌ، واردد هؤلاء العبيد على مواليهم، وآخذ لك عن كلّ رأسٍ خمسة دنانير، فأتوْه فأعلموه ما قال لهم رُميس، فغضب من ذلك، وآلى ليرجعنّ فليبقرنّ بطن امرأة رُميس، وليحرقنّ داره، وليخوضنّ الدماء هنالك، فانصرفوا إليه، فأجابوه بما أمِرُوا به، فانصرف إلى مقابل الموضع الذي هو به من دِجْلة، فأقام به، فوافاه في ذلك اليوم إبراهيم بن جعفر المعروف بالهمْدانيّ؛ ولم يكن لحق به إلا في ذلك الوقت، وأتاه يكتب فقرأها، فلما صلى العشاء الآخرة، أتاه إبراهيم، فقال له: ليس الرّأي لك إتيان المذار، قال: فما الرأي؟ قال: ترجع، فقد بايع لك أهل عبّادان ومَيَان رُوذان وسليمانان، وخلّفت جمعًا من البلالية بفوّهة القَنْدل وأبرسان ينتظرونك، فلمّا سمع السودان ذلك من قول إبراهيم مع ما كان رُمَيس عَرَض عليه في ذلك اليوم خافوا أن يكونَ احتال عليهم ليردّهم إلى مواليهم، فهرب بعضُهم، واضطرب الباقون، فجاءه محمد بن سلْم فأعلمه اضطرابَهم، وهرَب مَنْ هرب منهم، فأمر بجمعهم في ليلته تلك، ودعا مصلحًا، وميّز الزّنج من الفراتية، ثم أمر مصلحًا أن يعلمهم أنه لا يردّهم ولا أحدًا منهم إلى مواليهم، وحلف لهم على ذلك بالأيمان الغِلاظ، وقال: لِيَحُطْ بي منكم جماعة، فإن أحسّوا مني غدرًا فتكُوا بي (١) ثم جمع الباقين؛ وهم الفراتيّة والقرماطيّون والنوبة وغيرهم ممن يفصح بلسان العرب، فحلف لهم على مثل ذلك، وضمن ووثّق من نفسه، وأعلمهم أنه لم يخرج لعَرَض من أعراض الدنيا، وما خرج إلا غضبًا لله، ولمّا رأى ما عليه الناس من الفساد في الدين، وقال: ها أنا ذا معكم في كلّ حرب، أشرككم فيها بيدي، وأخاطر معكم فيها بنفسي، فرضوا ودعوْا له بخير، فلمّا أسحر أمر غلامًا من الشورجيّين يكنى أبا مَنارة، فنفخ في بوق لهم كانوا يجتمعون بصوته، وسار حتى أتى السِّيب راجعًا، فألفَى هناك الحميريَ ورُميْسًا وصاحب ابن أبي عون، فوجّه إليهم مشرقًا برسالة أخفاها، فرجع إليه بجوابها، فصار صاحب الزّنج إلى النهر، فتقدمصاحب محمد بن أبي عون، فسلّم عليه، وقال له: لم يكن جزاء صاحبنا منك أن تفسد عليه عمَله، وقد كان منه إليك ما قد علمت بواسط، فقال: لم آت لقتالكم، فقل لأصحابك يوسّعون لي في الطريق، حتى أجاوزكم. فخرج من النَّهر إلى دِجْلة، ولم يلبَثْ أن جاء الجند ومعهم أهل الجعفريّة في السلاح الشاك؛ فتقدّم المكتني بأبي يعقوب المعروف بجُرْبان، فقال لهم: يا أهل الجعفريّة، أما علمتم ما أعطيتمونا من الأيْمان المغلّظة ألّا تقاتلونا ولا تُعينوا علينا أحدًا، وأن تعينونا متى اجتاز بكم أحد منا! فارتفعت أصواتُهم بالنعير والضّجيج، ورموْه بالحجارة والنّشاب، وكان هناك موضع فيه زُهاء ثلثمئة زرنوق، فأمر بأخذها فأخذت، وقرن بعضها ببعض حتى صارت كالشاشات، وطرحت إلى الماء، وركبها المقاتلة فلحقوا القوم، فقال بعضهم: عبر عليّ بن أبان يومئذ قبل أخذ الزَّرَانيق سباحة، ثم جمعت الزَّرانيق، وعبر الزنج، وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وأتي منهم بأسرى، فوبّخَهم وخلّى سبيلهم، ووجه غلامًا من غلمان الشورجيين يقال له: سالم يعرف بالزغاويّ، إلى مَنْ كان دخل الجعفرية من أصحابه، فردَّهم، ونادى: ألا برئت الذّمة ممن انتهب شيئًا من هذه القرية، أو سبى منها أحدًا، فمن فعل ذلك فقد حلّت به العقوبة الموجِعة. ثم عبر من غربيّ السّيب إلى شرقيّه، واجتمع أصحابه الرؤساء حتى إذا جاوز القرية بمقدار غَلْوة سمع النعير من ورائه في بطن النهر، فتراجع الزّنج، فإذا رُميس والحميريّ وصاحب ابن أبي عون قد وافوْه لمّا بلغهم حال أهل الجعفرية، فألقى السودان أنفسَهم عليهم، فأخذوا منهم أربع سُمَيريّات بملَّاحيها ومقاتليها، فأخرجوا السمَيريّات بمن فيها، ودعا بالمقاتلة فسألهم، فأخبروه أن رُميسًا وصاحب ابن أبي عون لم يَدعاهم حتى حملاهم على المصير إليه، وأنّ أهل القرى حرّضوا رُميسًا وضَمِنوا له ولصاحب ابن أبي عون مالًا جليلًا، وضمن له الشورجيّون على ردّ غلمانهم؛ لكلّ غلام خمسة دنانير، فسألهم عن الغلام المعروف بالنميريّ المأسور والمعروف بالحجّام، فقالوا: أما النميريّ فأسير في أيديهم، وأما الحجام فإن أهل الناحية ذكروا أنه كان يتلصص في ناحيتهم، ويسفك الدماء، فضُرِبت عنقه، وصُلب على نهر أبي الأسد، فلما عرف خبرَهمأمر بضرب أعناقهم، فضرِبت إلا رجلًا يقال له: محمد بن الحسن البغداديّ، فإنه حلف له أنه جاء في الأمان، لم يُشْهِر عليه سيفًا، ولا نصب له حربًا، فأطلقه، وحمل الرؤوس والأعلام على البغال، وأمر بإحراق سفنهم فأحرِقت. وسار حتى أتى نهر فريد، فانتهى إلى نهر يعرف بالحسن بن محمد القاضي وعليه مسنّاة تعترض بين الجعفرية ورُستاق القُفْص، فجاءه قوم من أهل القرية من بني عجْل، فعرضوا عليه أنفسَهم، وبذلوا له ما لديْهم، فجزاهم خيرًا، وأمر بترك العرض لهم. وسار حتى أتى نهرًا يعرف بباقثا، فنزل خارجًا من القرية التي على النهر وهي قرية تشرع على دُجيل، فأتاه أهل الكرخ، فسلّموا عليه، ودعَوْا له بخير، وأمدُّوه من الإنزال بما أراد، وجاءه رجل يهوديّ خيبريّ يقال له ماندويه فقبّل يده، وسجَد له - زعم - شكرًا لرؤيته إيّاه، ثم سأله عن مسائل كثيرة فأجابه عنها، فزعم أنه يجدُ صفته في التوراة، وأنه يرى القتال معه، وسأله عن علامات في بدنه ذكر أنه عرفها فيه، فأقام معه ليلَته تلك يحادثه (١). وكان إذا نزل اعتزل عسكره بأصحابه الستة، ولم يكن يومئذ يُنكر النبيذ على أحد من أصحابه، وكان يتقدّم إلى محمد بن سلْم في حفظ عسكره؛ فلما كان في تلك الليلة أتاه في آخر الليل رجلٌ من أهل الكَرْخ، فأعلمه أن رُمَيْسًا وأهل المفتح والقوى التي تتصل بها وَعقيلًا وأهل الأبُلّة قد أتوه ومعه الدّبيلا بالسلاح الشاك، وأنّ الحميريّ في جمع من أهل الفُرات، وقد صاروا في تلك الليلة إلى قنطرة نهر ميمون، فقطعوها ليمنعوه العبور، فلمّا أصبح أمر، فصيح بالزّنج، فعبروا دُجيلا، وأخذ في مؤخّر الكرخ حتى وافى نهر ميمون، فوجد القنطرة مقطوعة، والناس في شرقيّ النّهر والشُمَيْريّات في بطنه، والدبَيلَا في السُّمْيرّيات، وأهل القرى في الجريبيّات والمجونحات؛ فأمر أصحابه بالإمساك عنهم، وأن يرحلوا عن النهر توقّيًا للنُّشاب، ورجع فقعد على مئة ذراع من القرية؛ فلمّا لم يروا أحدًا يقاتلهم خرج منهم قوم ليعرفوا الخبر، وقد كان أمر جماعة من أصحابه، فأتوا القرية، فكَمَنُوا فيها مخفين لأشخاصهم؛ فلما أحسوا خروج مَنْ خرج منهم،شدّوا عليهم، فأسروا اثنين وعشرين رجلًا، وسعوا نحو الباقين، فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر، ورجعوا إليه بالرؤوس والأسرى، فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرتْ بينه وبينهم، وأمر بالاحتفاظ بالرؤوس، وأقام إلى نصف النهار؛ وهو يسمع أصواتهم، فأتاه رجل من أهل البادية مستأمنًا، فسأله عن غَوْر النهر؛ فأعلمه أنه يعرف موضعًا منه يُخاض، وأعلمه أن القوم على معاودته بجمْعهم يقاتلونه؛ فنهض مع الرَّجل حتى أتى به موضعًا على مقدار ميل من المحمّدية، فخاض النهر بين يديه، وخاض الناس خلفه، وحمله ناصح المعروف بالرمليّ، وعبر بالدوابّ؛ فلما صار في شرقيّ النهر كرّ راجعًا نحو نهر ميمون؛ حتى أتى المسجد فنزل فيه، وأمر بالرؤوس فنُصِبت، وأقام يومه، وانحدر جيش رُميس بجمعه في بطن دُجيل، فأقاموا بموضع يعرف بأقشَى بإزاء النهر المعروف ببَرد الخيار، ووجّه طليعة فرجع إليه، فأخبره بمقام القوم هناك، فوجّه من ساعته ألفَ رجل، فأقاموا بسبَخة هناك على فُوّهة هذا النهر، وقال لهم: إن أتوْكم إلى المغرب؛ وإلّا فأعلموني، وكتب كتابًا إلى عَقيل، يذكره فيه أنه قد بايعه في جماعة من أهل الأبُلّة، وكتب إلى رُمَيس يذكّره حِلفه له بالسِّيب أنه لا يقاتله؛ وأنه يُنهي أخبارَ السلطان إليه، ووجّه بالكتابين إليهما مع بعض الأكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما. وسار من نهر ميمون يريد السَّبَخَة التي كان هيّأ فيها طليعةً؛ فلمّا صار إلى القادسية والشيِّفيَا، سمع هناك نعيرًا، ورأى رميًا؛ وكان إذا سار يتنكب القرى؛ فلم يدخلْها، وأمر محمد بن سَلْم أن يصير إلى الشيِّفيا في جماعة، فيسأل أهلها أن يُسلموا إليه قاتل الرجل من أصحابه في ممرّه كان بهم؛ فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا: أنَّه لا طاقة لهم بذلك الرّجل لولائه من الهاشميين، ومنعهم له؛ فصاح بالغلمان، وأمرهم بانتهاب القريتين، فانتهب منهما مالًا عظيمًا؛ عينًا ووَرِقًا وجوهرًا وحُلِيًّا وأواني ذهب وفضة، وسبى منهما يومئذ غلمانًا ونسوة؛ وذلك أوّلُ سَبْي سُبي، ووقفوا على دار فيها أربعة عشر غلامًا من غلمان الشورج، قد سُدّ عليهم باب؛ فأخذهم وأتِيَ بمولى الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد بن سلم بضرب عنقه، ففعل ذلك، وخرج من القريتين في وقت العصر، فنزل السَّبَخة المعروفة ببرَد الخيار. فلما كان في وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستّة، فأعلمه أن أصحابه، قدشغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسيّة؛ فصار ومعه محمد بن سلم ويحيى بن محمد إليهم، فأعلمهم أنّ ذلك مما لا يجوز لهم، وحرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم، وقال لهم: إنكم تلاقون جيوشًا تقاتلونهم، فدعوا شُرب النجيذ والتشاغل به، فأجابوه إلى ذلك؛ فلما أصبح جاءه غلام من السودان، يقال له: قاقويه، فأخبره أن أصحاب رُميس قد صاروا إلى شرقيّ دُجيل، وخرجوا إلى الشطّ، فدعا عليّ بن أبان، فتقدم إليه أن يمضِيَ بالزّنج، فيوقع بهم؛ ودعا مشرقًا، فأخذ منه إصطرلابًا، فقاس به الشمس، ونظر في الوقت، ثم عبر وعبر الناس خلفَه القنطرة التي على النهر المعروف ببرَد الخيار؛ فلما صاروا في شرقيّه، تلاحق الناس بعليّ بن أبان، فوجدوا أصحاب رُميس وأصحاب عَقيل على الشطّ، والدَّبيلا في السفن يرمون بالنُّشاب، فحملوا عليهم؛ فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهبّتْ ريح من غربيّ دُجيل، فحملت السفن، فأدنتها من الشطّ، فنزل السودان إليها، فقتلوا مَنْ وجدوا فيها، وانحاز رُميس ومَنْ كان معه إلى نهر الدير على طريق أقشى، وترك سفنه لم يحرّكها ليظنّ أنه مقيم، وخرج عَقيل وصاحب ابن أبي عون إلى دِجْلة مبادريْن؛ لا يلويان على شيء. وأمر صاحب الزَّنْج بإخراج ما في السفن التي فيها الدَّبيلا؛ وكانت مقرونةً بعضها ببعض، فنزل فيها قاقويه ليفتّشها، فوجد رجلًا من الدَّبيلا، فحاول إخراجَه فامتنع عليه، وأهوى إليه بسُرتَي كان معه؛ فضربه ضربة على ساعده، فقطع بها عِرقًا من عروقه، وضربه ضربةً على رجله، فقطعتْ عصبةً من عصبه، وأهوى له قاقويه، فضربه ضربةً على هامته فسقط، فأخذ بشعره، واحتزّ رأسه؛ فأتى به صاحب الزّنج، فأمر له بدينار خفيف، وأمر يحيى بن محمد أن يقوِّدَه على مئة من السودان، ثم سار صاحب الزَّنج إلى قرية تعرف بالمهلبيّ تقابل قَيَّاران، ورجع السودان الذين كانوا اتّبعوا عَقيلًا وخليفة ابن أبي عون، وقد أخذ سُميريّة فيها ملّاحان؛ فسألهم عن الخبر، فقالوا: اتّبعناهم فطرحوا أنفسهم إلى الشطّ، وتركوا هذه السميريّة، فجئنا بها. فسأل الملّاحيْن، فأخبراه أن عقيلًا حملهما على اتباعه قهرًا، وحبس نساءهما حتى اتّبعاه، وفعل ذلك بجميع مَنْ تبعه من الملّاحين؛ فسألهما عن سبب مجيء الدّبيلا، فقالا: إنّ عقيلًا وعدهم مالًا؛ فتبعوه؛ فسألهما عن السفنالواقفة بأقشى، فقالا: هذه سفن رُميس وقد تركها، وهرب في أوّل النهار، فرجع حتى إذا حاذاها؛ أمر السودان فعبروا فأتوا بها؛ فأنهبهم ما كان فيها، وأمر بها فأحرِقت، ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلّبيّة اسمها تنغت، فنزل قريبًا مَنها، وأمر بانتهابها وإحراقها؛ فانتُهبتْ وأحرقت، وسار على نهر الماديان، فوجد فيها تمورًا، فأمر بإحراقها. وكان لصاحب الزَّنج بعد ذلك أمور من عيْشه هو وأصحابه في تلك الناحية تركنا ذكرها، إذ لم تكن عظيمة؛ وإن كان كلّ أموره كانت عظيمة. ثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت مع رجل من الأتراك يكنى أبا هلال في سوق الرّيان؛ ذكر عن قائد من قوّاده يقال له ريحان، أن هذا التركيّ وافاهم في هذا السوق، ومعه زهاء أربعة آلاف رجل أو يزيدون، وفي مقدّمته قوم عليهم ثياب مُشهرَة وأعلام وطبول، وأن السودان حملوا عليه حملة صادقة، وأنّ بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا معه في يده فصرعه، وانهزم القوم، وتلاحق السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال زُهاء ألف وخمسمئة، وإن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته بنفسه على دابة عُرْي، وحال بينهم وبين من أفلت ظلمة الليل؛ وأنه لما أصبَح؛ أمر بتتبعهم، ففعلوا ذلك فجاؤوا بأسرى ورؤوس فقتل الأسرى كلهم. ثُمَّ كانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب السلطان؛ هزمهم فيها، وظفر بهم، وكان مبتدأ الأمر في ذلك - فيما ذكر عن قائد لصاحب الزنج من السودان يقال له: ريحان - أنه قال: لما كان في بعض الليل من ليالي هذه السنة التي ذكرنا أنه ظهر فيها، سمع نباح كلب في أبواب تعرف بعمرو بن مسعدة، فأمر بتعرّف الموضع الذي يأتي منه النّباح، فوجّه لذلك رجلًا من أصحابه، ثم رجع فأخبره أنه لم ير شيئًا؛ وعاد النباح، قال ريحان: فدعاني، فقال في: صر إلى موضع هذا الكلب النابح، فإنه إنما نَبح شخصًا يراه، فصرتُ فإذا أنا بالكلب على المسنّاة، ولم أر شيئًا، فأشرفتُ فإذا أنا برجل قاعد في درجات هنالك، فكلّمتُه، فلما سمعني أُفصحُ بالعربيّة، كلّمني، فقال: أنا سيْران بن عفولله، أتيتُ صاحبكم بكتب من شيعته بالبصْرة، وكان سيْران هذا أحد مَنْ صحب ص صاحب الزّنج أيام مُقامه بالبصرة، فأخذته فأتيته به، فقرأ الكتب التي كانت معه، وسأل عن الزّينبيّ وعنعدّة مَنْ كان معه، فقال: إن الزّينبيّ قد أعدّ لك الخوَل والمطّوعة والبلالية والسعدية؛ وهم خلق كثير، وهو على لقائك بهم ببَيَان، فقال له: اِخفض صوتَك، لئلا يرتاع الغلمان بخبرك، وسأله عن الذي يقود هذا الجيش، فقال: قد نُدِب لذلك المعروف بأبي منصور، وهو أحد موالي الهاشميين، قال له: أفرأيتَ جمعَهم؟ قال: نعم؛ وقد أعدُّوا الشُّرُط لكتف من ظفروا به من السودان، فأمره بالانصراف إلى الموضع الذي يكون فيه مُقامه، فانصرف سيران إلىِ عليّ بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد، فجعل يحدّثهم إلى أن أسْفر الصبح، ثم سار صاحب الزَّنج إلى أن أشرف عليهم، فلما انتهى إلى مؤخَّر تُرْسَى وبرسونا وسندادان بَيَان، عرض له قوم يريدون قتاله، فأمر عليّ بن أبان فأتاهم فهزمهم، وكان معهم مئة أسود، فظفر بهم، قال ريحان: فسمعته يقول لأصحابه: من أمارات تمام أمركم ما تروْن من إتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلِّمونهم إليكم، فيزيد الله في عددكم ثم سار حتى صار إلى بَيَان. قال ريحان: فوجّهني وجماعة من أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان وعسكرهم في طرف النخل في الجانب الغربيّ من بيان، فتوجّهنا إلى الموضع الذي أمرنا بالمصير إليه، فألفينا هناك ألفًا وتسعمئة سفينة، ومعها قوم من المطوّعة قد احتبسوها، فلما رأوْنا خلَّوْا عن السفن، وعبروا سُلبان عَرايا ماضين نحو جُوبك، وسقْنا السفن حتى وافيناه بها، فلما أتيناه بها أمر فبُسِط له على نشز من الأرض وقعد، وكان في السفن قوم حجّاج أرادوا سلوك طريق البصرة؛ فناظرهم بقيّة يومه إلى وقت غروب الشمس، فجعلوا يصدقونه في جميع قوله، وقالوا: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك، فردّهم إلى سفُنهم؛ فلما أصبحوا أخرجهم، فأحلفهم ألّا يخبروا أحدًا بعدّة أصحابه، وأن يقللوا أمره عند من سألهم عنه، وعرضوا عليه بساطًا كان معهم، فأبدله ببساط كان معه، واستحلفهم أنه لا مال للسلطان معهم ولا تجارة، فقالوا: معنا رجل من أصحاب السلطان، فأمر بإحضاره، فأحضر، فحلف الرَّجل أنه ليس من أصحاب السلطان، وأنه رجل معه نُقْل أراد به البصرة، فأحضر صاحب السفينة التي وُجد فيها، فحلف له أنه إنما اتّجر فيه، فحمله فخلى سبيله، وأطلق الحجاج فذهبوا، وشرع أهل سليمانان على بيان بإزائه في شرقيّ النهر؛ فكلمهم أصحابُهوكان فيهم حسين الصيدنانيّ الذي كان صحبه بالبصرة؛ وهو أحد الأربعة الذين ظهروا بمسجد عبّاد، فلحق به يومئذ؛ فقال له: لِمَ أبطأتَ عني إلى هذه الغاية؟ قال: كنتُ مختفيًا، فلما خوج هذا الجيش دخلتُ في سواده، قال: فأخبِرْني عن هذا الجيش، ما هم؟ وما عدّة أصحابه؟ قال: خوج من الخَوَل بحضرتي ألف ومئتا مقاتل، ومن أصحاب الزينبيّ ألف، ومن البلاليّةِ والسعديّة زهاء ألفين، والفرسان مائتا فارس، ولما صاروا بالأبُلّة وقع بينهم وبين أهلها اختلاف؛ حتى تلاعنوا، وشتم الخَوَلُ محمد بن أبي عون، وخلفتُهم بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبّحيك في غد، قال: فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا؟ قال: هم على إدخال من سندادان بَيان، ويأتيك رجَّالتهم من جنبي النهر. فلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمِنًا لئلا يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه، فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلاثمائة رجل، ووجّه يحيى بن محمد سندادان، وأمره أن يخرج في سو بَيَان، فجاءه فَتْح فأخبره أن القوم مقبلون إليه في جمع كثير، وأنهم قد أخذُوا جنبي النَّهر؛ فسأل عن المدّ، فقيل: لم يأتِ بعدُ، فقال: لم تدخل خيلُهم بعد، وأمر محمد بن سَلْم وعليّ بن أبان أن يقعدوا لهم في النخل، وقعد هو على جَبل مشرف عليهم؛ فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرّجال حتى صاروا إلى الأرض المعروفة بأبي العلاء البلخيّ؛ وهي عطفة على دُبَيران؛ فأمر الزّنج فكبَّروا ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران، ثم حمل الْخَوَل يقدُمهم أبو العباس بن أيمن المعروف بأبي الكباش وبشير القيسيّ، فتراجع الزَّنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم رجعوا عليهم؛ فثبتوا لهم، وحمل أبو الكباش على فَتْح الحجام فقتله، وأدرك غلامًا يقال له دينار من السودان فضربَه ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان، وأخذتهم السيوف. قال ريحان: فعهدِي بمحمد بن سلم وقد ضرب أبا الكباش، فألقى نفسه في الطين، فلحقه بعضُ الزّنج، فاحتزّ رأسه، وأما عليّ بن أبان؛ فإنّه كان ينتحل قتل أبي الكباش وبشير القيسيّ، وكان يتحدّث عن ذلك اليوم فيقول: كان أوّل مَنْ لقيني بشير القيسيّ، فضربني وضربتُه، فوقعتْ ضربته في تُرسي، ووقعت ضربتي في صدره وبطنه؛ فانتظمتْ جوانح صدره، وفريتُ بطنَه، وسقطفأتيته، فاحتززتُ رأسه، ولقيني أبو الكباش، فشُغِل بي، وأتاه بعضُ السودان من ورائه فضربه بعصًا كانت في يده على ساقيه؛ فكسرهما فسقط، فأتيتُه ولا امتناع به، فقتلته واحتززتُ رأسه؛ فأتيت بالرأسين صاحب الزَّنج. قال محمد بن الحسن بن سهل؛ سمعت صاحبَ الزّنج يخبر أن عليًّا أَتاه برأس أبي الكباش ورأس بشير القيسيّ - قال: ولا أعرفهما - فقال: كان هذان يقدمان القوم، فقتلتهما فانهزم أصحابهما لمّا رأوا مصرعهما. قال ريحان - فيما ذكر عنه: وانهزم الناص فذهبوا كلّ مذهب، واتّبعهم السودان إلى نهر بَيَان، وقد جَزَر النهر، فلما وافوْه انغمسوا في الوحْل، فقتِل أكثرهم، قال: وجعل السودان يمرّون بصاحِبِهم دينار الأسود الذي كان أبو الكباش ضربه، وهو جريح ملقىً فيحسبونه من الخوَل فيضربونه بالمناجل حتى أثخِن، ومرّ به من عرفه، فحمل إلى صاحب الزّنج، فأمر بمداواة كلومِه. قال ريحان: فلما صار القوم إلى فُوّهة نهر بيان، وغرق مَنْ غرق، وأخذت السفن التي كانت فيها الدوابّ، إذا ملوّح يلوّح من سفينة، فأتيناه فقال: ادخلوا النهر المعروف بشريكان، فإنّ لهم كمينًا هناك، فدخل يحيى بن محمد وعليّ بن أبان، فأخذ يحيى في غربيّ النهر، وسلك عليّ بن أبان في شرقيّة؛ فإذا كمين في زهاء ألف من المغاربة، ومعهم حسين الصَّيْدانيّ أسيرًا قال: فلمّا رأوْنا شدّوا على الحسين؛ فقطّعوه قطعًا، ثم أقبلوا إلينا، ومدّوا رماحَهم، فقاتلوا إلى صلاة الظهر، ثم أكبّ السودان عليهم فقتلوهم أجمعين، وحَووْا سلاحهم؛ ورجع السودان إلى عسكرهم؛ فوجدوا صاحبهم قاعدًا على شاطئ بيان، وقد أتِيَ بنيّف وثلاثين عَلَمًا وزهاء ألف رأس، فيها رؤوس أنجاد الخَوَل وأبطالهم؛ ولم يلبث أن أتوْه بزهير يومئذ. قال ريحان: فلم أعرفه، فأتى يحيى وهو بين يديْه، فعرفه فقال في: هذا زهير الخَوَل؛ فما استبقاؤك إياه! فأمر به فضُربت عنقه، وأقام صاحب الزنج يومه وليلته، فلما أصبح وجّه طليعة إلى شاطئ دجْلة، فأتاه طليعته، فأعلمه أن بدجلة شَذَاتَين لاصقتين بالجزيرة، والجزيرة يومئذ على فُوّهة القَنْدَل، فردّ الطليعة بعد العصر إلى دجلة ليعرف الخبر؛ فلمّا كان وقت المغرب أتاه المعروف بأبي العباس خال ابنه الأكبر، ومعه رجل من الجند يقال له عمران، وهو زَوْج أمأبي العباس هذا، فصفّ لهما أصحابه، ودعا بهما؛ فأدّى إليه عمران رسالة ابن أبي عون، وسأله أن يعبر بيانًا ليفارق عمله، وأعلمه أنه قد نحّى الشذَا عن طريقه، فأمر بأخذ السفن التي تخترق بَيَانًا من جُبَّى، فصار أصحابه إلى الحجر، فوجدوا في سُلبان مئتي سفينة، فيها أعدال دقيق، فأخِذَتْ، ووُجد فيها أكسية وبرّكانات، وفيها عشرة من الزَّنْج، وأمر الناس بركوب السفن، فلما جاء المدّ وذلك في وقت المغرب - عبر وعبر أصحابه حيال فُوّهة القندل، واشتدّت الريح، فانقطع عنه من أصحابه المكنّى بأبي دلف، وكان معه السفن التي فيها الدقيق؛ فلمّا أصبح وافاه أبو دلف فأخبره أن الرّيح حملته إلى حسك عِمْران، وأن أهل القرية همُّوا به؛ وبما كان معه، فدفعهم عن ذلك، وأتاه من السودان خمسون رجلًا، فسار عند موافاة السفن والسودان إياه حتى دخل القَنْدل، فصار إلى قرية للمعَلَّى بن أيوب، فنزلها، وانبثّ أصحابه إلى دُبّا، فوجدوا هناك ثلثمئة رجل من الزَّنْج، فأتوْه بهم، ووجدوا وكيلًا للمعلّى بن أيوب، فطالبه بمال، فقال: اعبُر إلى برسان، فآتيك بالمال، فأطلقه، فذهب ولم يَعُد إليه؛ فلما أبطأ عليه أمر بانتهاب القرية فانتُهبت. قال ريحان - فيما ذكر عنه: فلقد رأيتُ صاحب الزَّنج يومئذ ينتهب معنا، ولقد وقعتْ يدي ويده على جبّة صوف مُضرّبة؛ فصار بعضها في يده وبعضها في يدي، وجعل يجاذبني عليها حتى تركتُها له، ثم سار حتى صار إلى مسلحة الزينبيّ على شاطئ القَنْدَل في غربيّ النهر، فثبت له القوم الذين كانوا في المسلحة: وهم يروْن أنهم يطيقونه، فعجزوا عنه؛ فقتِلوا أجمعين؛ وكانوا زُهاء مئتين، وبات ليلته في القَصْر، ثم غدا في وقت المدّ قاصدًا إلى سَبَخة القَنْدل، واكتنف أصحابه حافتي النهر، حتى وافوا مُنْذُران، فدخل أصحابه القرية فانتهبوها، ووجدوا فيها جمعًا من الزَّنج، فأتوه بهم، ففرّقهم على قوّاده، ثم صار إلى مؤخّر القَنْدل، فأدخل السفن النهر المعروف بالحَسَني النافذ إلى النهر المعروف بالصالحيّ؛ وهو نهر يؤدي إلى دُبَّا، فأقام بسبَخةٍ هناك. فذكر عن بعض أصحابه أنه قال: هاهنا قوّد القوّاد؛ وأنكر أن يكون قوّد قبل ذلك، وتفرّق أصحابُه في الأنهار حتى صاروا إلى مربّعةِ دُبَّا، فوجدوا رجلًا من التمّارين من أهل كلّاء البصرة، يقال له: محمد بن جعفر المُريديّ، فأتوه به،فسلّم عليه وعرفه، وسأله عن البلاليّة، فقال: إنما أتيتُك برسالتهم، فلقيني السودان، فأتوْك بي، وهم يسألونك شروطًا إذا أعطيتَهم إياها سمعوا لك وأطاعوا، فأعطاه ما سأل لهم، وضمن القيام له بأمرهم؛ حتى يصيروا في حيّزه، ثم خلّى سبيله، ووجّه معه مَنْ صيّره إلى الفيّاض، ورجع عنه، فأقام أربعة أيام ينتظره؛ فلم يأته، فسار في اليوم الخامس وقد سرّح السفن التي كانت معه في النهر، وأخذ هو على الظهر فيما بين نهر يقال له: الدّاورْدانيّ والنهر المعروف بالحسَنيّ والنهر المعروف بالصالحي، فلم يتعدّ حتى رأى خيلًا مقبلة من نحو نهر الأمير زهاء ستمئة فارس، فأسرع أصحابُه إلى النهر الدَّاوردانيّ، وكان الخيل في غربية، فكلَّموهم طويلًا، وإذا هم قوم من الأعراب فيهم عنترة بن حجنا، وثمال، فوجّه إليهم محمد بن سلم، فكلّم ثمالًا وعنترة، وسألا عن صاحب الزَّنج، فقال: ها هو ذا، فقال: نريد كلامَه، فأتاه فأخبره بقولهما، وقال له: لو كلّمتَهما! فزجره، وقال: إنّ هذا مكيدة، وأمر السودان بقتالهم، فعَبرُوا النهر، فعدلت الخيل عن السودان، ورفعوا علمًا أسود، وظهر سليمان أخو الزينبيّ - وكان معهم - ورجع أصحاب صاحب الزَّنْج، وانصرف القوم، فقال لمحمد بن سلم: ألم أعلمك أنهم إنما أرادوا كيدَنا! وسار حتى صار إلى دُبّا، وانبثّ أصحابه في النخل، فجاؤوا بالغنم والبقر، فجعلوا يذبحون ويأكلون، وأقام ليلته هناك؛ فلمّا أصبح سار حتى دخل الأرخنج المعروف بالمطّهريّ، وهو أرخنج ينفذ إلى نهر الأمير المقابل للفيّاض من جانبيه، فوجدوا هناك شهاب بن العلاء العنبريّ، ومعه قوم من الخَول، فأوقعوا به، وأفلت شهاب في نُفَير ممن كان معه، وقُتِل من أصحابه جماعة، ولحق شهاب بالمنصف من الفيّاض، ووجد أصحاب صاحب الزّنج ستمئة غلام من غلمان الشورجيّين هناك، فأخذوهم، وقتلوا وكلاءهم، وأتوْه بهم، ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهريّ على السَّبَخة المعروفة بالبرامكة، فأقام فيه ليلَته تلك؛ ثم سار حيث أصبح حتى وافى السَّبَخة التي تُشرَع على النهر المعروف بالديناريّ، ومؤّخرها يُفضي إلى النهر المعروف بالمحدث، فأقام بها، وجمع أصحابه، وأمرهم ألا يعجّلوا بالذهاب إلى البصرة حتى يأمرهم وتفرّق أصحابُه في انتهاب كلّ ما وجدوا وبات هناك ليلته تلك.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    الزَّرانيق، وعبر الزنج، وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وأتي منهم بأسرى، فوبّخَهم وخلّى سبيلهم، ووجه غلامًا من غلمان الشورجيين يقال له: سالم يعرف بالزغاويّ، إلى مَنْ كان دخل الجعفرية من أصحابه، فردَّهم، ونادى: ألا برئت الذّمة ممن انتهب شيئًا من هذه القرية، أو سبى منها أحدًا، فمن فعل ذلك فقد حلّت به العقوبة الموجِع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    مصبّحيك في غد، قال: فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا؟ قال: هم على إدخال من سندادان بَيان، ويأتيك رجَّالتهم من جنبي النهر. فلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمِنًا لئلا يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه، فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلاثمائة رجل، ووجّه يحيى بن محمد سندادان، وأمره أن يخرج في سو بَيَان، فجاءه فَتْح فأ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ملوا عليهم فوافوا بهم دبيران، ثم حمل الْخَوَل يقدُمهم أبو العباس بن أيمن المعروف بأبي الكباش وبشير القيسيّ، فتراجع الزَّنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم رجعوا عليهم؛ فثبتوا لهم، وحمل أبو الكباش على فَتْح الحجام فقتله، وأدرك غلامًا يقال له دينار من السودان فضربَه ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان، وأخذتهم السيوف. قال ريحا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    أخِذ وضربت عنقه، وسار من ذلك الموضع يريد المذَار، فلمّا صار إلى النهر المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر، فرأى بُستانًا، وتلًّا يعرف بجبل الشياطين، فقصد للتلّ فقعد عليه، وأثبت أصحابه في الصحراء، وجعل لنفسه طليعة. فذُكر عن شبل أنه قال: أنا كنت طليعته على دِجْلة، فأرسلت إليه أخبره أنرُميسًا بشاطئ دِجْلة يطلب رجُلًا يؤدِّي عنه رسالة، فوجّه إليه ع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    قرية من

    ُه في عبد القَيْس، وأمه قرّة ابنة عليّ بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خزيمة، من ساكني قرية من قرى الرّي، يقال لها وَرْزَنين، بها مولده ومنشؤه؛ فذُكر عنه أنه كان يقول: جدّي محمد بن حكي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340918
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:2085:919142
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
خروج أول علوي بالبصرة — shamela-145435 · Hadith Research Library