page 5774, entry [2074]Open original source
[ذكر خبر استيلاء يعقوب بن الليث على كرمان] (٣) وفيها كانت وقعة بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلِّس خارج كِرْمان أسر فيها يعقوب طوقًا؛ وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل كتب إلى السلطان يخطُب كِرْمان - وكان قَبْل من عمّال آل طاهر - وكتب يذكر ضعف آل طاهر وقلة ضبطهم، بما إليهم من البلاد، وأنّ يعقوب بن الليث قد غلبهم على سجستان، وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس؛ فكتب السلطان إليه بولاية كِرْمان، وكتب إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراءَ كلِّ واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤنة الهالك منهما عنه ويتفرّد بمُؤْنة الآخر؛ إذ كان كلّ واحد منهما عنده حربًا له وفي غير طاعته؛ فلما فعل ذلك بهما زحف يعقوب بن الليث من سِجِسْتان يريد كِرْمان، ووجّه عليّ بن الحسين طوق بنالمغلّس وقد بلغه خبر يعقوب وقصده كِرْمان في جيش عظيم من فارس، فصار طوق بكِرْمان، وسبق يعقوب إليها فدخلها، وأقبل يعقوب من سِجِسْتان، فصار من كِرْمان على مرحلة. فحدثني مَنْ ذكر أنه كان شاهدًا أمرهما، أن يعقوب بَقيَ مقيمًا في الموضع الذي أقام به من كِرْمان على مرحلة لا يرتحل عنه شهرًا أو شهرين، يتجسّس أخبار طَوْق؛ ويسأل عن أمره كلّ من مَرّ به خارجًا من كِرْمان إلى ناحيته، ولا يَدَع أحدًا يجوز عسكره من ناحيته إلى كِرْمان، ولا يزحف طَوْقٌ إليه ولا هو إلى طَوْق، فلما طال ذلك من أمرهما كذلك أظهر يعقوب الارتحال عن معسكره إلى ناحية سِجِسْتان، فارتحل عنه مرحلة، وبلغ طوْقًا ارتحالُه، فظنّ أنه قد بدا له في حربه، وترك عليه كِرْمان وعلى عليّ بن الحسين؛ فوضع آلة الحرْب وقعد للشرب، ودعا بالملاهي، ويعقوب في كلّ ذلك لا يغفل عن البحث عن أخباره؛ فاتصل به ووضع طوْق آلة الحرب وإقباله على الشراب واللهو بارتحاله، فكرّ راجعًا، فطوى المرحلتيْن إليه في يوم واحد، فلم يشعر طوْق وهو في لهوه وشربه في آخر نهاره إلَّا بغَبَرة قد ارتفعت من خارج المدينة التي هو فيها من كِرْمان، فقال لأهل القرية: ما هذه الغَبرة؟ فقيل له: غَبَرة مواشي أهل القرية منصرفة إلى أهلها، ثم لم يكن إلَّا كلا ولا؛ حتى وافاه يعقوب في أصحابه، فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحاب طوق لمّا أحيط بهم يريدون المدافعة عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرِجوا للقوم، فأفرَجوا لهم، فمرُّوا هاربين على وجوههم، وخلَّوْا كلَّ شيء لهم مما كان معهم في معسكرهم، وأسر يعقوب طَوْقًا (١). فحدثني ابنُ حماد البربريّ أن عليّ بن الحسين لمّا وَجّه طوقًا حمّله صناديق في بعضها أطواقه وأسورة ليطوّق ويسوّر من أبلى معه من أصحابه، وفي بعضها أموال ليجيز من استحقّ الجائزة منهم، وفي بعضها قيود وأغلال ليقيّد بها مَنْ أخذ من أصحاب يعقوب؛ فلما أسَر يعقوب طَوقًا ورؤساء الجيش الذين كانوا معه أمر بحيازة كلّ ما كان مع طَوْق وأصحابه من المال والأثاث والكُراع والسلاح، فحيزَذلك كله، وجُمع إليه؛ فلما أتِيَ بالصنادق أتِيَ بها مقفلَة، فأمر ببعضها أن يُفتح، ففتح فإذا فيه القيود والأغلال فقال لطَوْق: يا طَوْق؛ ما هذه القيود والأغلال؟ قال: حمّلنِيها عليّ بن الحسين لأقتد بها الأسرى وأغلّهم بها، فقال: يا فلان، انظر أكبرها وأثقلها فاجعله في رجلْي طَوْق وغُلّه بغُلّ، ثم جعل يفعل مثل ذلك بمن أسر من أصحاب طوق، قال: ثمّ أمر بصناديق أخَر ففتحت؛ فإذا فيها أطوقة وأسورة، فقال: يا طوْق، ما هذه؟ قال: حمّلنِيها عليّ لأطوَّق بها وأسوَّر أهل البلاء من أصحابي، قال؛ يا فلان؛ خذ من ذلك طَوْق كذا وسوار كذا، فطوَّق فلانًا وسوّره، ثم جعل يفعل ذلك بأصحاب نفسه حتى طوّقهم وسوَّرهم، ثم جعل يفعل كذلك بالصناديق، قال: ولما أمر يعقوب بمدّ يد طوق ليضعها في الغلّ، إذا على ذراعه عصابة، فقال له: ما هذا يا طوق؟ قال: أصلح الله الأمير! إني وجدت حرارة ففصدتها، فدعا بعض من معه فأمر بمدّ خفه من رجله ففعل ذلك، فلما نزعه من رجله تناثر من خُفِّه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوْق هذا خفِّي لم أنزعه من رجلي منذ شهرين، وخبزي في خفِّي منه آكل لا أطأ فراشًا، وأنت جالس في الشرب والملاهي! بهذا التدبير أردت حربي وقتالي! فلمَّا فرغ يعقوب بن الليث من أمر طَوْق دخل كِرْمان، وحازها وصارت مع سِجِسْتان من عمَله (١). * * *