page 5737, entry [2053]Open original source
[ذكر خبر انتقال المستعين إلى دار رزق الخادم بالرصافة] ولأيام خَلَوْن من ذي الحجة انتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله، وركب منها، فصار إلى دار رزق الخادم في الرُّصافة، ومرّ بدار عليّ بن المعتصم، فخرج إليه عليّ، فسأله النزولَ عنده، فأمره بالرّكوب، فلما صار إلى دار رزق الخادم نزلها، فوصل إليها - فيما ذكر - مساء، فأمر للفرسان من الجند حين صار إليها بعشرة دنانير لكلّ فارس منهم، وبخمسة دنانير لكلّ راجل، وركب بركوب المستعين ابن طاهر، وبيده الحربة يسير بها بين يديه، والقوّاد خلفه، وأقام - فيما ذكر - مع المستعين ليلة انتقل إلى دار رزق محمد بن عبد الله إلى ثلث الليل؛ ثم انصرف، وبات عنده وصيف وبُغا حتى السَّحَر، ثم انصرفا إلى منازلهما. ولمّا كان صبيحةُ الليلة التي انتقل المستعين فيها من دار ابن طاهر اجتمع الناس في الرُّصافة، وأمِر القوّاد وبنُو هاشم بالمصير إلى ابن طاهر والسلام عليه، وأن يسيرُوا معه إذا ركب إلى الرّصافة، فصاروا إليه؛ فلما كان الضحى الأكبر من ذلك اليوم، ركب ابن طاهر وجميع قوّاده في تعبئة وحوله ناشبة رجَّالة؛ فلما خرج من داره وقَف للناس، فعاتبهم وحلف أنه ما أضمر لأمير المؤمنين - أعزّه الله - ولا لوليّ له ولا لأحدٍ من الناس سوءًا، وأنه ما يريد إلَّا إصلاح أحوالهم، وما تدوم به النعمة عليهم، وأنهم قد توهّموا عليه ما لا يعرفه، حتى أبكى الناس، فدعا له مَنْ حضر، وعبر الجسر، وصار إلى المستعين، وبعث فأحضر جيرانه، ووجوه أهل الأرباض من الجانب الغربيّ، فخاطبهم بكلام عاتبهم فيه، واعتذر إليهم مما بلغهم، ووجَّه وصيف وبُغا مَنْ طاف على أبواب بغداد، ووكّلا صالح بن وصيف بباب الشّماسية. وذُكر: أنّ المستعين كان كارهًا لنقله عن دار محمد؛ ولكنه انتقل عنها من أجل الناس ركبوا الزواريق بالنّفاطين ليضربوا روشن بن طاهر بالنار لمّا صَعُبَ عليهم فتحُ بابه يوم الجمعة.وذكر: أنّ قومًا منهم كنجور، وقفوا باب الشّماسيّة من قِبَل أبي أحمد، فطلبوا ابنَ طاهر ليكلموه، فكتب إلى وصيف يعلمه خبر القوم، ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى؛ فردّ المستعين الأمر في ذلك إليه؛ وأن التدبير في جميع ذلك مردود إليه، فيتقدّم في ذلك بما رأى. وذُكِر أنّ عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجم كلّم محمد بن عبد الله في ذلك بكلام غليظ، فوثب عليه محمد بن أبي عون فأسمعه وتناوله. وذُكِر عن سعيد بن حُميد: أنّ أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبيد الله بن يحيى خَلَوْا بابن طاهر؛ فما زالوا يفتلونه في الذّرْوة والغارب، ويشيرون عليه بالصلح، وأنه ربما كان عنده قوم فأجْرَوا الكلام في خلاف الصُّلْح، فيكشر في وجوههم، ويعرض عنهم؛ فإذا حضر هؤلاء الثلاثة أقبَل عليهم وحادثهم وشاورهم. وذكر عن بعضهم: أنه قال: قلت لسعيد بن حميد يومًا: ما ينبغي إلَّا أن يكون قد كان انطوى على المداهنة في أوّل أمره؛ قال: وددت أنه كان كذلك؛ لا والله ما هو إلَّا أن هُزِم أصحابه من المدائن والأنبار حتى كاتب القوم، وأجابهم بعد أن كان قد جادَّهم. وحدّثني أحمد بن يحيى النحويّ - وكان يؤدّب ولد ابن طاهر - أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادًّا في نُصرة المستعين حتى أحفظه عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فقال له: أطال الله بقاءك؛ إنّ هذا الذي تنصره وتجدّ في أمره من أشدّ الناس نفاقًا، وأخبثهم دينًا؛ والله لقد أمر وصيفًا وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكّا فيما وصفت من أمره، فسلْ تُخْبَرْه؛ وإن مِنْ ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامُرَّا لا يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما صار إلى ما قبلَك، جهر به مراءاةً لك؛ وتترك نصرة وليك، وصهرك وتربيتك؛ ونحو ذلك من كلام كلّمه به؛ فقال محمد بن عبد الله: أخزى الله هذا، لا يصلح لدين ولا دنيا، قال: وكان أوّل مَنْ تقدّم على صرف محمد بن عبد الله عن الجِدّ في أمر المستعين عبيد الله بن يحيى في هذا المجلس، ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى علىذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد؛ فلم يزالوا به حتى صرفوه عمّا كان عليه من الرَّأي في نصرة المستعين. * * * وفي يوم الأضحى من هذه السنة صلّى بالناس المستعين صلاة الأضْحَى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وركب وبين يديه عبيد الله بن عبد الله، معه الحربة التي لسليمان، وبيد الحسين بن إسماعيل حربة السلطان، وبُغا ووصيف يكنُفانه؛ ولم يركب محمد بن عبد الله بن طاهر، وصلى عبد الله بن إسحاق في الرُّصَافة. * * *