page 5734, entry [2052]Open original source
[خروج العامة ونصرة المستعين على ابن طاهر] ولما كان يوم الأربعاء خرج رشيد بن كاوُسَ - وكان موكَّلًا بباب السلامة - مع قائد يقال له نهشل بن صخر بن خزيمة بن خازم وعبد الله بن محمود، ووجّه إلى الأتراك بأنه على المصير إليهم ليكون معهم، فوافاه من الأتراك زُهاء ألف فارس؛ فخرج إليهم على سبيل التسليم عليهم؛ على أنّ الصلح قد وقع، فسلم عليهم، وعانق مَنْ عرف منهم، وأخذوا بلجام دابّته، ومضوْا به وبابنه في أثره؛ فلما كان يوم الإثنين صار رُشيد إلى باب الشّماسيّة فكلّم الناس، وقال: إنّ أمير المؤمنين وأبا جعفر يقرأان عليكم السلام، ويقولان لكم: مَنْ دخلَ في طاعتنا قرّبناه ووصلناه، ومن أثر غير ذلك فهو أعلم؛ فشتمه العامة، ثم طاف على جميع أبواب الشرقية بمثل ذلك، وهو يشتَم في كل باب، ويشتَم المعتزّ فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر، فمضت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر؛ فصاحوا به وشتمُوه أقبح شتم؛ ثم صاروا إلى بابه، ففعلوا مثل ذلك، فخرج إليهم راغب الخادم، فحضَّهم على ما فعلوا، وسألهم الزيادة فيما هم فيه من نصرة المستعين، ثم مضى إلى الحظيرة التي فيها الجيش، فمضى بهم وجماعة أخَر غيرهم وهم زُهاء ثلثمئة في السلاح، فصاروا إلى باب ابن طاهر،فكشفوا من عليه وردّوهم، فلم يبرحوا يقاتلونهم؛ حتى صاروا إلى دهليز الدّار، وأرادوا إحراق الباب الداخل فلم يجدوا نارا، وقد كانوا باتوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه ويتناولونه بالقبيح. وذكر عن ابن شجاع البلخي أنه قال: كنتُ عند الأمير وهو يحدّثني ويسمع ما يُقذف به من كلّ إنسان؛ حتى ذكروا اسم أمِّه، فضحك وقال: يا أبا عبد الله، ما أدري كيف عرفوا اسم أمي! ولقد كان كثير من جواري أبي العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمَها، فقلت له: أيها الأمير، ما رأيت أوسعَ من حلمك، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما رأيت أوفَق من الصبر عليهم؛ ولابدّ من ذلك، فلما أصبحوا وافوا الباب، فصاحوا؛ فصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكّنهم ويعلمهم ما هو عليه لهم؛ فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه البُرْدة، والطَّويلة، وابن طاهر إلى جانبه، فحلف لهم بالله ما اتَّهمهُ؛ وإني لفي عافية ما عليّ منه بأس؛ وإنه لم يخلع، ووعدهم أنه يخرج في غد يوم الجمعة ليصلّيَ بهم، ويظهر لهم. فانصرف عامّتهم بعد قتلى وقعت. ولما كان يوم الجمعة بكّر الناس بالصياح يطلبون المستعين، وانتهبُوا دوابّ عليّ بن جهشيار - وكانت في الخراب، على باب الجسر الشرقيّ - وانتهب جميع ما كان في منزله وهرب؛ وما زال الناس وقوفًا على ما هم عليه إلى ارتفاع النهار، فوافى وصيف وبُغا وأولادهما ومواليهما وقُوّادهما وأخوال المستعين؛ فصار الناس جميعًا إلى الباب، فدخل وصيف وبُغا في خاصّتهما ودخل أخوال المستعين معهم إلى الدهليز، ووقفوا على دوابّهم، وأعلم ابن طاهر بمكان الأخوال؛ فأذن لهم بالنزول فأبوْا، وقالوا: ليس هذا يوم نزولنا عن ظهور دوابنا حتى نعلم نحن والعامة ما نحن عليه؛ ولم تزل الرّسل تختلف إليهم، وهم يأبوْن، فخرج إليهم محمد بن عبد الله نفسه، فسألهم النزول والدخول إلى المستعين، فأعلموه أنّ العامة قد ضجّت مما بلغها وصحّ عندها ما أنت عليه من خلْع المستعين والبَيعة للمعتزّ، وتوجيهك القوّاد بعد القواد للبيعة للمعتزّ، وإرادتك التهويل ليصيرَ الأمر إليه، وإدخاله الأتراك والمغاربة بغداد، فيحكموا فيهم بحكمهم فيمن ظهروا عليه من أهل المدائن والقُرى، واستراب بك أهل بغداد.واتّهمُوك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم؛ وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروْه ويكذّبوا ما بلغهم عنه، فلما تبين محمد بن عبد الله صحَّه قولهم، ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجيجهم سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة التي كان يدخلها جميعُ الناس، فنُصب له فيها كرسيٌّ وأدخل إليه جماعة من الناس فنظرُوا إليه، ثم خرجوا إلى من وراءهم؛ فأعلموهم صحّةَ أمره، فلم يقنعوا بذلك؛ فلما تبيّن له أنهم لا يسكنون دون أن يخرج إليهم - وقد كان عرف كثرة الناس - أمرَ بإغلاق الباب الحديد الخارج فأغلِق، وصار المستعين وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم ومحمد بن عبد الله إلى الدرجة التي تُفضي إلى سطوح دار العامة وخزائن السلاح، ثم نصب لهم سلاليم على سطح المجلس الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله والفتح بن سهل، فأشرف المستعين على الناس وعليه سَواد، وفوق السواد برْدة النبي ﷺ، ومعه القضيب؛ فكلَّم الناس وناشدَهم، وسألهم بحقّ صاحب البردة إلَّا انصرفوا؛ فإنه في أمْن وسلامة، وإنه لا بأس عليه من محمد بن عبد الله، فسألوه الرُّكوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله لأنهم لا يأمنونه عليه، فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أمّ حبيب ابنة الرشيد؛ بعد أن يصبح له ما ينبغي أن يسكن فيه، وبعد أن يحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ماله في دار محمد بن عبد الله؛ فانصرف أكثرُ الناس وسكن أهل بغداد. ولما فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة وإسماعهم إياه المكروه، تقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قَدرُوا عليه من الإبل والبغال والحمير لينتقل عنها. وذكروا أنه أراد أن يقصد المدائن، واجتمع على بابه جماعة من مشايخ الحربية والأرباض جميعًا؛ يعتذرون إليه، ويسألونه الصَّفْح عمَّا كان منهم، ويذكرون أنّ الذي فعل ذلك الغوغاء والسُّفهاء لسوء الحال التي كانوا بها والفاقة التي نالتْهم، فردَّ عليهم - فيما ذكر - ردًّا جميلًا، وقال لهم قولًا حسنًا، وأثنى عليهم، وصفح عفا كان منهم، وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم وسفهائهم في الأخذِ على أيديهم وأجابهم إلى ترك النقْلة، وكتب إلى أصحاب المعاون بترك السخْرة.