page 5716, entry [2045]Open original source
ذكر الخبر عن أمر الأنبار وما كان فيها من هذه الفتنة فممّا كان بها أن محمد بن عبد الله وجّه بحونة بن قيس في الأعراب إلى الأنبار، وأمره بالمقام بها والفرض لأعراب الناحية، ففرَض قومًا منهم ومن المشبّهة بهم نحوًا من ألفي رجل؛ فأقام بالأنبار وضبطها؛ فبلغه أن قومًا من الأتراك قد قصدُوه، فبثَق الماء من الفرات إلى خندق الأنبار، فامتلأ الخندق لزيادة الماء، وفاض على ما يليه من الصحارى؛ فصار الماء إلى السالِحين فصار ما يلي الأنبار بطيحة واحدةً، وقطع القناطر التي توصّل إلى الأنبار؛ وكتب يستمدّ، فندب للخروج إليه رشيد بن كاوس أخو الأفشين، وضمّ إليه ممن كان معه من رجال تتمة ألف رجل؛ خمسمئة فارس وخمسمئة راجل، فشخص وعسكر في قصر عبدويه، وأمدّه ابنُ طاهر بثلثمئة راجل من المَلَطِيّين القادمين منالثغور، وانتخبوا ودفع إليهم استحقاقهم، ونفذوا إليه يوم الثلاثاء، ورحل من قصر عَبْدويْه يوم الإثنين سَلْخ ربيع الآخر في نحو من ألف وخمسمئة رجل، وأخرج المعتزّ أبا نصر بن بُغا من سامُرّا على طريق الإسحاقيّ يوم الثلاثاء، فسار يومه وليلتَه، فصبّح الأنبار ساعة نزلها رُشيد بن كاوس. وكان بحونة نازلًا في المدينة ورُشيد خارجها، فلمَّا وافى أبو نصر عاجَل رشيدًا وأصحابَه وهم غارُّون على غير تعبية، فوضع أصحابه فيهم السَّيف، ورموْهم بالنشاب فقتلوا عِدّة، وثار بعضُ أصحاب رشيد إلى أسلحتهم فقاتلوا الأترَاك والمغاربة قتالًا شديدًا، وقتلوا منهم جماعة، ثم انهزم الشاكريّة ورشيد على الطريق الذي جاؤوا فيه منصرفين إلى بغداد. ولما بلغ بجونة ما لقيه أصحاب رشيد، وأنّ الأتراك قد مالوا عند انهزام رشيد إلى الأنبار عَبَر إلى الجانب الغربيّ، وقطع جسر الأنبار، وعبر معه جماعة من أصحابه، وصار رشيد إلى المُحَوَّل في ليلته، وسار بحونة في الجانب الغربيّ حتى وافى بغداد يوم الخميس بالعشيّ، ثم دخل رشيد في هذه العشيّة إلى دار ابن طاهر، فأعلم بحونة محمد بن عبد الله أنه عند مصير الأتراك إلى الأنبار وجّه إلى رشيد يسأله أن يوجّه إليه مئة رجل من الناشبة ليرتبهم قُدّام أصحابه، فامتنع من ذلك، وسأله أن يضمّ إليه ناشبة من الفرسان والرّجالة ليصير إلى بني عمه، وذكر أنهم مقيمون هنالك في الجانب الغربيّ على الطاعة وانتظار أمير المؤمنين، وضمن أن يتلافى ما كان منه، فضمّ إليه ثلثمئة رجل من فرسان الشاكرّية الناشبة ورجّالتهم، وخلع عليه خَمس خلع، ومضى إلى قصر ابن هُبيرة يستعدّ هنالك. ثم اختار محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل للأنبار، ووجّه محمد بن رجاء الحِضاريّ معه وعبد الله بن نصر بن حمزة ورشيد بن كاوس ومحمد بن يحيى وجماعة من الناس، وأمر بإخراج المال لمن يخرج مع الحسين ومع هؤلاء القوم؛ فامتنع مَنْ كان قدم من مَلَطْية من الشاكريّة وهم عُظْم الناس من قبْض رزق أربعة أشهر؛ لأنّ أكثرهم كان بغير دوابّ، وقالوا: نحتاج إلى أن نقوي في أنفسنا، ونشتريَ الدوابّ، وكان الذي أطلِق لهم أربعة آلاف دينار، ثم رضوا بقبض أربعة أشهر، فجلس الحسين في مجلسٍ على باب محمد بن عبد الله، وتقدّم في تَصحيح الجرائد، ليكون عَرضه الناس وأصحابه في مدينة أبي جعفر،فأعطى في ذلك اليوم جماعة من خاصّته، ثم صار الحسين وأصحابُ الدّواوين بعد ذلك إلى مدينة أبي جعفر، ووضع العطاء لمَنْ يخرج معه من الجُنْد في ثلاثة مجالس؛ واستتمّ إعطاؤهم يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى. فلمَّا كان يوم الإثنين أحضِر الحسين بن إسماعيل الدّار ومعه القواد الخارجون معه: رشيد بن كاوس، ومحمد بن رجاء، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وأرمش الفرغانيّ، ومحمد بن يعقوب أخو حزام، ويوسف بن منصور بن يوسف البرْم، والحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ، والفضل بن محمد بن الفضل، ومحمد بن هَرْثمة بن النصر؛ وخلع على الحسين؛ وقُدّمت مرتبتُه إلى الفَوْج الثاني - وكان في الفوج الرابع - وخلع على هؤلاء القوّاد، وصُيّر رُشيد بن كاوس على المقدمة، ومحمد بن رجاء على الساقة، ومضى الحسين ومَنْ ضُمّ إليه من عشيرته وقوّاده إلى معسكرهم، وأمر وصيف وبغا أن يسبقا الحسين إلى معسكره، وشيّعه عبيدُ الله بن عبد الله وجميع قوّاد ابن طاهر وكتّابه وبنو هاشم والوجُوه إلى الياسريّة، وأخرج لأهل العسكر من المال ستة وثلاثون ألف دينار، وحمل إلى معسكر الياسرية بعدُ لإعطاء مَنْ بقي ألف وثمانمئة دينار، تمامَ استحقاقهم. فلمّا كان يوم الخميس سارت مقدّمة الحسين والمقلّد لها عبد الله بن نصر ومحمد بن يعقوب في ألف فارس وراجل، فنزلوا البَثْق المعروف بالقاطوفة؛ وكان الأتراك قد وجّهوا إلى المنصوريّة على خمسة فراسخ من بغداد جماعةً منهم ومن المغاربة والغوغاء زُهاء مئة إنسان، فظُفر بسبعة من المغاربة، فوُجِّه بهم إلى الحسين، فأنفذهم إلى الباب، وسار الحسين يوم الجمعة لسبع بقِين من جمادى الأولى، وقد كان أهل الأنبار حين تنحّى بحونة ورشيد، وصار الأتراك والمغاربة إلى الأنبار ونادوا الأمان، فأعطُوه، وأمِروا بفتح حوانيتهم، والتسوّق فيها والانتشار في أمورهم، واطمأنُّوا إلى ذلك منهم وسكنوا، وطمعوا فيهم أن يفوا لهم، فأقاموا بذلك يومهم وليلتهم حتى أصبحوا وكان في وقت غلبتهم عليها وافتْهم سفن من الرَّقّة فيها دقيق وأطواف فيها زيت وغير ذلك؛ فأخذوه وجمعوا ما وجدوا فيها من إبل ودوابّ وبغال وحمير، ووجّهوا بذلك مع مَنْ يؤديه إلىمنازلهم بسامُرّا، وانتهبوا ما وجدوا، ووجّهوا برؤوس مَنْ قُتل من أصحاب رشيد وبحونة وأهل بغداد وبمن أسروا وكانوا مئة وعشرين رجلًا، والرؤوس سبعون رأسًا، وجعلوا الأسرى في الجُوالقات، قد أخرجوا منها رؤوسهم حتى صاروا إلى سامُرّا، وصار الأتراك إلى فم الأستانة، وحاولوا سدّها ليقطعوا ماء الفرات عن بغداد، فوجَّهوا رجلًا، ودفعوا إليه مالًا لآلة السِّكْر، وسدّه مع الفُلُوس والصواري، ففُطِن به وهو يبتاع ذلك، فَحُمِل إلى دار ابن طاهر بعد أن نالتْه العامّة بالضرب والشتمّ؛ حتى أشفى على الموت، فسئل عن أمره فصدَق، فوُجّه به إلى الحبس. وكان ابن طاهر قد وجّه الحارث خليفة أبي الساج؛ فكان على طريق مكة إلى قصر ابن هبيرة، وضمّ إليه خمسمئة رجل من فرسان الشاكريّة القادمين معه، فنفذ ومَنْ معه لسبع خلون من جمادى الأولى، ووجّه ابن أبي دلف هشام بن القاسم في مئتي راجل وفارس إلى السِّيبَيْن، ليقيم هناك، فلما توجّه الحسين إلى الأنبار كُتب إليه باللحاق بعسكر الحسين ليصير معه إلى الأنبار، ونُودِيَ ببغداد في أصحاب الحسين ومزاحم بن خاقان أن يلحَقُوا بقوّادهم، فسار الحسين، وتقدّم خالد بن عمران حتى نزل دِممَّا؛ فأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه أصحابه، فمانعه الأتراك، فعبَر إليهه جماعة من الرّجّالة فكشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر هو وأصحابه، وصار الحسين إلى دِممّا، فعسكر خارجها، وأقام في معسكره يومًا، ووافتْه طلائع الأتراك ممّا يلي نهر أنق ونهر رُفَيْل فوق قرية دمِمَّا، فصفّ الحسين أصحابه من جانب النهر والأتراك من الجانب الآخر، وهم زُهاء ألف رجل، وتراشقوا بالسهام، فجُرح بينهم عداد، وانصرف الأتراك إلى الأنبار. وكان بحونة مقيمًا بقصر ابن هبيرة، فانضمّ إلى الحسين في جميع من كان معه من الأعراب وغيرهم، وكتب بحونة يسأل مالًا لإعطاء أصحابه؛ فأمر أن يحمل إلى معسكر الحُسين لإعطاء أصحاب بحونة ثلاثة آلاف دينار، وحمِل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة وجوائز لمن أبلى في الحرب، وكان الحسين وُعد أنْ يُمَدّ بالرجال حتى يكمل عسكره عشرة آلاف رجل، فكتب ينتجز ذلك؛ فأمر بتوجيه أبي السنا محمد بن عبدوس الغنويّ والجحاف بن سواد في ألف فارسوراجل من الملَطِيّين وجند انتخبوا من قيادات شتى، فقبضوا أنزالهم لليلتين بقيتا من جمادى، وساروا مع أبي السناء والجحاف على نهر كَرْخايا إلى المحوَّل، ثم إلى دمِمّا، ونزل الحسين بعسكره في موضع - يعرف بالقَطيعة - واسع يحتمل العسكر، فأقام فيه يومَه، ثم عزل على الرّحلة منه إلى قرب الأنبار، فأشار عليه رُشيد والقوَّاد أن يُنزل عسكره بهذا الموضع لسَعته وحَصَانته، ويسير هو وقوّاده في خيل جريدةً، فإن كان الأمر له كان قادرًا أن ينقل عسكره؛ وإن كان عليه انحاز إلى عسكره وراجع عدُوّه، فلم يقبل الرأي، وحملهم على المسير من موضعهم، فساروا، وبين الموضعين فرسخان أو نحوهما، فلما بلغوا الموضع الذي أراد الحسين النزول فيه، أمر الناس بالنزول؛ وكان جواسيس الأتراك في عسكر الحُسين، فساروا إليهم، وأعلموهم رحلة الحسين، وضيق العسكر بالموضع الذي نزل فيه، فوافوْهم والناس يحطُّون أثقالهم، فسار أهل العسكر، ونادوْا السلاح، فصافّوهم، فكانت بينهم قتلَى من الفريقين، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفًا قبيحًا، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الفرات، وكان الأتراك قد كمنوا قومًا، فخرج الكمين عند ذلك على بقيّة العسكر، فلم يكن لهم ملجأ إلَّا الفرات، وغرق من أصحاب الحسين خلق كثير، وقُتِل جماعة وأسرَ من الرجّالة جماعة؛ وأما الفرسان فضربُوا دوابّهم هُرّابًا لا يلوون على شيء، والقوّاد ينادونهم يسألونهم الرَّجْعة، فلم يرجع منهم أحد، وأبلى محمد بن رجاء ورُشيد يومئذ بلاء حسنًا، ولم يكن لمن انهزم معقل دون الياسريّة على باب بغداد، فلم يملك القوَّاد أمور أصحابهم، فأشفقوا حينئذ على أنفسهم، فانثنوْا راجعين وراءهم، يحمونهم من أدبارهم أن يتبعوا، وحوَى الأتراك جميع عسكر الحسين بما فيه من المضارب وأثاث الجند وتجارات أهل السوق؛ وكان معه في السفن سلاح سلِم؛ لأن الملّاحين حَرزُوا سفنهم، فسلِم ما كان معهم من السلاح ومن تجارات التجّار. وذكر عن ابن زنبور كاتب الحسين أنه أخِذ للحسين اثنا عشر صندوقًا فيها كسوة ومال من مال السلطان مبلغه ثمانيةُ آلاف دينار، ونحو من أربعة آلاف دينار لنفسه، ونحو من مئة بغل؛ وانتهب فروضُ الحسين مضارب الحسين وأصحابه، وطاروا مع مَنْ طار، فوافوا الياسريّة؛ وكان أكثر النهب مع أصحاب أبي السنا.ووافى الحسين والفلّ الياسرية ويوم الثلاثاء لستٍّ خلوْن من جمادى الآخرة. ولقي الحسينَ رجل من التجار في جماعة ممن ذهبت أموالهم في عسكره، فقال: الحمد لله الذي بيَّض وجهك! أصعدتَ في اثني عشر يومًا، وانصرفت في يوم واحد! فتغافل عنه. قال أبو جعفر: وممَّا انتهى إلينا من خبر الحسين بن إسماعيل ومَنْ كان معه من القُوّاد والجند الذي كان محمد بن عبد الله بن طاهر استنهضَهم من بغداد في هذه السَّنة لحرب مَنْ كان قصد الأنبار وما اتّصل بها من البلاد من الأتراك والمغاربة، أنه لما صار إلى الياسرية منصَرفه مهزومًا من دِمِمَّا، أقام بها في بستان ابن الحَروريّ، وأقام مَنْ وافى الياسرية من المنهزمةِ في الجانب الغربيّ من الياسريّة، ومُنِعوا من العبور، ونُودي ببغداد فيمن دخلها من الجند الذين في عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين في معسكره، وأجِّلُوا ثلاثة أيام، فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضُرب ثلثمئة سوط، ومُحي اسمه من الديوان. فخرج الناس، وأمر خالد بن عمران في الليلة التي قدم فيها الحسين أن يعسكر في أصحابه بالمحوَّل، وأعطى أصحابه أرزاقهم في تلك الليلة في الشَّرْج، ونودي في أصحابه بالمحوَّل باللحاق به. ونودي في الفَرض القُدماء الذين كانوا فرضوا بسبب أبي الحسين يحيى بن عمر بالكوفة وهم خمسمئة رجل، وأصحاب خالد وهم نحو من ألف رجل، فعسكروا بالمحوّل يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة، وأمر ابن طاهر الشاهَ بن ميكال في صَبيحة الليلة التي وافى فيها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من دخول بغداد، فلقيه في الطريق، فردّه إلى بستان ابن الحَروريّ، وأقاموا يومهم، فلما كان الليل صاروا إلى دار ابن طاهر، فوبّخه ابن طاهر، وأمره بالرُّجوع إلى الياسريّة لينفذ إلى الأنبار مع مَنْ ينفذ إليها من الجند؛ فصار من ليلته إلى الياسريّة، ثم أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لآل هذا العسكر فحمل تسعة آلاف دينار، وصار كتّاب ديوان العطاء وديوان العَرْض إلى الياسريّة لعرض الجند وإعطائهم. فلما كان يوم الجمعة لسبع خلوْن من جمادى الآخرة توجَّه خالد بن عمرانمُصعِدًا إلى قنطرة بهلايا - وهي موضع السِّكْر - وخرجت معه نحو من عشرين سفينة، وركب عبيد الله بن عبد الله وأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد إلى عسكر الحسين بن إسماعيل بالياسريّة، فقرؤوا على الحسين والموّاد كتابًا كُتبِ به عن المستعين، يخبرهم فيه بسوء طاعتهم وماركبوا من العصيان والتخاذل؛ فقرئ عليهم والعسكر مقيم، والعُرَّاض يعرضونهم ليتعرّفوا مَنْ قُتِل ومَنْ غرق من كل قيادة، ونودي باللَّحاق بعسكرهم، فخرجوا، وأتاهم كتاب بعض عيونهم بالأنبار يخبر أنّ القتلى كانت من الأتراك أكثر من مئتين، والجرحى نحوًا من أربعمئة؛ وأن جميع مَنْ أسره الأتراك من أهل بغداد الجيشية والفروض من الرَّجّالة مئتان وعشرون إنسانًا، وأنه عدّ رؤوس مَنْ قتِل فوجدها سبعين رأسًا، وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق، فصاحوا لأبي نصر: نحن أهل السوق، فقال: ما بالكم معهم! فقالوا: أكرِهنا فخرجنا، شئنا [أو أبينا] فأطلق من كان منهم يشبه السوقة. وأمر بحبس الأسرى في القَطِيعة. وذُكر عن صاحب بغال السلطان: أن جميع ما ذهب من بغال السلطان مئة وعشرون بغلًا. ورحل الحسين يوم الإثنين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وكتب إلى خالد بن عمران وهو مقيم على السِّكْر، أن يرحل متقدِّمًا أمامه، فامتنع خالد من ذلك؛ وذكر أنه لا يبرح من موضعه إلَّا أن يأتيَه قائد في جُند كثيف فيقيم مكانه، لأنه يتخوّف أن يأتيَه الأتراك من خَلْفه من عسكرهم بناحية قُطْربُّل، وأمر ابن طاهر بمال، فحمل إلى الحسين بن إسماعيل لإعطاء جميع من في عسكره رزق شهر واحد؛ ليُفرَّق فيهم بدممّا، وأمر أن يخرج معه الكتاب والعُرّاض لأصحابه هنالك، وقلَّد أمر نفقات عسكره وإعطاء الجند من قبَل ديوان الخراج الفضلَ بن مظفَّر السبعيّ وحمَل المال مع السَّبْعيّ إلى معسكر الحسين، لينفذ معه إذا نفذ. وقد قيل: إنّ الحسين ارتحل إلى الأنبار في النصف من ليلة الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، فسارَ وتبعه من في عسكره يوم الأربعاء، ونودي في أصحابه باللحاق به، فسار حتى نزل دمِمَّا، وأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه، فمانعه الأتراك، فعبر إليهم جماعة من أصحابه من الرَّجَّالة،فحاربوهم حتى كشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر أصحابه ووجّه محمد بن عبد الله بكاتبه محمد بن عيسى بشيء شافهه به، فيقال: إنه حمل معه أطْوَاقًا وأسورة، وانصرف إلى منزله، وصار إلى الحسين يوم السبت لثمان خَلَوْن من رجب رجل، فأخبره أن الأتراك قد دُلُّوا على عدّة مواضع في الفرات، تُخاض إلى عسكره، فأمر بضرب الرجل مئتي سوط، ووكل بالمخاوض رجلًا من قُوّاده، يقال له الحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ في مئة راجل ومئة فارس؛ فطلع أوَّل القوم، فخرج عليهم وقد أتاه منهم أربعة عشر علمًا، فقاتل أصحابه ساعةً، ووكل بالقنطرة أبا السَّنا، وأمره أن يمنع مَن انهزم من العُبور؛ فأتى الأتراك المخاضَة، فرأوا الموكَّل بها، فتركوه واقفًا، وصاروا إلى مخاضة أخرى خَلْف الموكّل فقاتلوهم، فصبر الحسين بن عليّ وقاتل، فقيل للحسين بن إسماعيل، فقصد نحوَه، ولم يصل إليه حتى انهزم، وانهزم خالد بن عمران معه ومَنْ معه، ومنعهم أبو السنا من العبُور على القنطرة، فرجع الرجَّالة والخزاسانية فرَموْا بأنفسهم في الفرات، فغرق من لم يُحسن السباحة، وعَبَر مَنْ كان يحسن السباحة، فنجا عُريانًا، وخرج إلى جزيرة لا يصل منها إلى الشَّطّ، لِمَا على الشطّ من الأتراك، فذكر عن بعض جند الحسين، أنه قال: بعث الحسين بن عليّ الأرمني إلى الحسين بن إسماعيل أنّ الأتراك قد وافوا المخاضَة، فأتاه الرسول، فقيل: الأمير نائم، فرجع الرسول فأعلمه، فردّ آخر، فقال له الحاجب: الأمير في المخرَج، فرجع فأخبره، فردّ رسولًا ثالثًا، فقال: قد خرج من المخرَج ونام؛ فعلت الصيحة فعَبر الأتراك، فقعد الحسين في زورق أو شبّارة، وانحدر واستأثر قوم من الخُراسانية، ورموا ثيابهم وسلاحهم، وقعدوا على الشطّ عُراةً، وشدّ أصحاب أعلام الأتراك حتى ضربوا أعلامهم على مضرب الحسين بن إسماعيل، واقتطعوا السوق، وانحدرت عامة السفن، فسلمت إلَّا ما كان موكّلًا به منها، ولحق الأتراك أصحاب الحسين، فوضعوا فيهم السيف؛ فقتلوا وأسروا نحوًا من مئتين، وغرق خَلْقٌ كثير؛ ووافى الحسين والمنهزمة بغدادَ نصف الليل، ووافى فلّهم وبقيّتهم في النهار؛ وفيهم جرحى كثيرة، فلم يزالوا إلى نصف النهار يتتابعون عُراة مجرَّحين، وفُقِد من قواد الحسين بن يوسف اليَرْم وغيره. ثم جاء كتابه أنه أسير في أيدي الأتراك عند مُفْلح؛ وأنَّ عدّة الأسرى من وقعة الحسين الثانية مئة ونيّف وسبعون إنسانًا، والقتلى مئة، والدوابّ نحو منألفي دابة ومئتي بغل وأكثر، وقيمة السلاح والثياب وغير ذلك أكثر من مئة ألف دينار؛ فقال الهندوانيّ في الحسين بن إسماعيل: يا أَحْزَمَ الناسِ رأيًا في تخلُّفهِ ... عن القتالِ خَلطْتَ الصفْوَ بالكدَرِ لمَّا رأيتَ سُيُوفَ التركِ مُصلَتَةً ... علِمْتَ ما في سيوفِ الترْك من قَدَرِ فَصِرْتَ منحجزًا ذُلًا ومَنقَصةً ... والنُّجحُ يذهبُ بينَ العجْزِ والضَّجَرِ ولحق بالمعتز في جمادى الآخرة منها من بغداد جماعة من الكتاب وبني هاشم، ومن القوّاد مُزاحم بن خاقان أرطوج، ومن الكتّاب عيسى بن إبراهيم بن نوح ويعقوب بن إسحاق، ونمارى، ويعقوب بن صالح بن مرشد، ومقلة، وابنٌ لأبي مزاحم بن يحيى بن خاقان، ومن بني هاشم عليّ ومحمد ابنا الواثق، ومحمد بن هارون بن عيسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان من ولد عبد الصمد بن عليّ. * * * وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد بالشُّكَيْر من أرض بني تغلب، قتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانهزم محمد بن خالد، وانتهب الآخرون متاعه، وهدم أيوب دور آل هارون بن معمر، وقتل من ظفر به من رجالهم. * * * وفيها كانت لبلكاجور غزوة فتح - فيما ذكر - فيها مطمورة أصاب فيها غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الأعلاج، وورد بذلك على المستعين كتاب تاريخه يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين ومئتين. * * * وفي يوم السبت لثمان بقين من رجب من هذه السنة كانت وقعة بين محمد ابن رجاء وإسماعيل بن فراشة وبين جُعلان التركيّ بناحية بادَرَايا وباكُسايا، فهزم ابن رجاء وابن فراشة جُعلانَ، وقتلا من أصحابه جماعة، وأسرا جماعة. * * *وفي رجب منها كان - فيما ذكر - وقعة بين ديوداد أبي الساج وبين بايكباك بناحية جَرْجَرايا، قتل فيها أبو الساج بايكباكَ، وقتل من رجاله جماعة، وأسر منهم جماعة، وغرق منهم في النهروان جماعة. وفي النصف من رجب منها اجتمع مَنْ كان ببغداد من بني هاشم من العباسيين، فصاروا إلى الجزيرة التي بإزاء دار محمد بن عبد الله، فصاحوا بالمستعين وتناولوا محمد بن عبد الله بالشتم القبيح، وقالوا: قد مُنعنا أرزاقنا، وتُدفع الأموال إلى غيرنا ممن لا يستحقها، ونحن نموت هزلًا وجوعًا؛ فإن دفعتَ إلينا أرزاقنا وإلا قصدنا إلى الأبواب ففتحناها، وأدخلنا الأتراك؛ فليس يخالفنا أحد من أهل بغداد، فعبر إليهم الشاه بن ميكال، فكلّمهم ورفق بهم، وسألهم أن يعبر معه منهم ثلاثة أنفس ليدخلهم على ابن طاهر، فامتنعوا من ذلك، وأبوا إلَّا الصّياح وشتْم محمد بن عبد الله؛ فانصرف عنهم الشاه؛ فلم يزالوا على حالهم على قُرْب الليل، ثم انصرفوا واجتمعوا من غد ذلك اليوم، فوجّه إليهم محمد بن عبد الله، فأمرهم بحضُور الدّار يوم الإثنين ليأمر من يناظرهم، فصاروا إلى الدّار فأمر محه رر بن داود الطوسيّ بمناظرتهم، وبذل لهم رزق شهر واحد؛ وأمرهم أن يقبضوا ذلك، ولا يكلّفوا الخليفة أكثر من هذا؛ فأبوْا أن يقبضوا رزْق شهر، وانصرفوا. * * *