page 5605, entry [2008]Open original source
[ذكر غارة البجة على مصر] وفي هذه السنة غارت البُجَة على حرس من أرض مصر، فوجّه المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القُمّيَ (١). * ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم: ذُكر أن البُجَة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة، قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا، وهم جنس من أجناس الحبَش بالمغرب، وبالمغرب من السودان - فيما ذكر - البُجة وأهل غانة الغافر وبينور ورعوين والفرويّة وبِكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش. وفي بلاد البجة معادن ذهب؛ فهم يقاسمون مَنْ يعمل فيها، ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر في كلّ سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تِبْر قبل أن يطبخ ويصفَّى. فلما كان أيام المتوكل امتنعت البُجَة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية فذُكر أن المتوكل ولَّى بريد مصر رجلًا من خَدَمِه يقال له يعقوب بن إبراهيم الباذغيسيّمولى الهادي، وهو المعروف بقوصرة، وجعل إليه بريد مصر والإسكندرية وبرقة ونواحي المغرب، فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البجة قد نقضت العهد الذي كان بينهما وبين المسلمين، وخرجت من بلادها من معادن الذهب والجوهر؛ وهي على التَّخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البُجة، فقتلوا عدة من المسلمين ممن كان يعمل في المعادن ويستخرج الذهب والجوهر، وسبَوْا عدَّة من ذراريَّهم ونسائهم؛ وذكروا أن المعادن لهم في بلادهم، وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها؛ وأن ذلك أوحش جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين، فانصرفوا عنها خوفًا على أنفسهم وذراريهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحقِّ الخمس من الذَّهب والفضة والجوهر الذي يستخرج من المعادن؛ فاشتدَّ إنكار المتوكل لذلك وأحفظه، وشاور في أمر البُجة، فأنهى إليه أنهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن يسلك إليهم الجيوش، لأنها مفاوز وصحارى، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر؛ في أرض قفر وجبال وعر، لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل، ولا حصن؛ وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزوَّد لجميع المدَّة التي يتوهم أن يقيمها في بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الإسلام، فإن امتدَّ به المقام حتى يتجاوز تلك المدة هلك وجميع من معه، وأخذتهم البُجَّة بالأيدي دون المحاربة، وأنَّ أرضهم أرض لا تردُّ على السلطان شيئًا من خراج ولا غيرة. فأمسك المتوكل عن التوجيه إليهم، وجعل أمرُهم يتزيَّد، وجرأتهم على المسلمين تشتدَّ حتى خاف أهلُ الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريَّهم منهم؛ فولَّى المتوكل محمد بن عبد الله المعروف بالقمي محاربتهم، وولَّاه معاون تلك الكور - وهي قفط والأقصر وإسنا وأرمنت وأسوان - وتقدَّم إليه في محاربة البُجَة؛ وأن يكاتب عنبسة بن إسحاق الضبئ العامل على حرب مصر. وكتب إلى عنبسة بإعطائه جميع ما يحتاج إليه من الجند والشاكريَّة المقيمين بمصر. فأزاح عنبسة عِلَّته في ذلك، وخرج إلى أرض البُجَّة، وانضمَّ إليه جميع ممَنْ كان في المعادن وقوم كثير من المتطوعة، فكانت عدَّة من معه نحوًا من عشرين ألف إنسان؛ بين فارس وراجل، ووجَّه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعةمراكب موقرة بالدَّقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر قومًا من أصحابه أن يلجوا بها في البحر حتى يوافُوه في ساحل البحر من أرض البُجة، فلم يزل محمد بن عبد الله القمي يسير في أرض البُجة حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذَّهب، وصار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم - واسمه علي بابا واسم ابنه لعيس - في جيش كثير وعدد أضعاف مَنْ كان مع القمي من الناس؛ وكانت البُجَة على إبلهم ومعهم الحراب وإبلهم فرَّةٌ تشبه بالمهاري في النجابة، فجعلوا يلتقون أيامًا متوالية، فيتناوشون ولا يصحِّحون المحاربة، وجعل ملك البُجة يتطارد للقمي لكي تطول الأيام طمعًا في نفاذ الزاد والعلوفة التي معهم؛ فلا يكون لهم قوَّة، ويموتون هزلًا، فيأخذهم البُجَة بالأيدي. فلما توهَّم عظيم البُجة أن الأزواد قد نفذت، أقبلت السبع المراكب التي حملها القميّ حتى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر في موضع يعرف بصنجة، فوجَّه القميَّ إلى هنالك جماعة من أصحابه يحمون المراكب من البُجة، وفرَّق ما كان فيها على أصحابه، فاتَّسعوا في الزاد والعلَوفة؛ فلما رأى ذلك علي بابا رئيس البُجة قصد لمحاربتهم، وجمع لهم، والتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ وكانت الإبل التي يحاربون عليها إبلًا زعرة، تكثر الفزَع والرُّعب من كل شيء؛ فلما رأى ذلك القميَّ جمع أجراس الإبل والخيل التي كانت في عسكره كلها، فجعلها في أعناق الخيل، ثم حمل على البُجة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، واشتدَّ رعبها، فحملتهم على الجبال والأودية، فمزَّقتهم كلَّ ممزِّق، واتبعهم القميَّ بأصحابه، فأخذهم قتلًا وأسرًا حتى أدركه الليل؛ وذلك في أول سنة إحدى وأربعين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم؛ فلما أصبح القميّ وجدهم قد جمعوا جمعًا من الرِّجالة، ثم صاروا إلى موضع أمنوا فيه طلب القميَّ، فوافاهم القميَّ في الليل في خيله، فهرب ملكهم؛ فأخذ تاجه ومتاعَه، ثم طلب علي بابا الأمان على أن يُرَدَّ إلى مملكته وبلاده، فأعطاه القميَّ ذلك، فأدى إليه الخراج للمدة التي كان منعها - وهي أربع سنين - لكل سنة أربعمائة مثقال، واستخلف علي بابا على مملكته ابنه لعيس، وانصرف القميّ بعلي بابا إلى باب المتوكل، فوصل إليه في آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكسا علي بابا هذا دُرَّاعة ديباج وعمامة سوداء، وكسا جمله رحْلامُدبَّجًا وجلال ديباج، ووقف بباب العامَّة مع قوم من البُجَة نحو من سبعين غلامًا على الإبل بالرِّحال، ومعهم الحراب في رؤوس حرابهم رؤوس القوم الذين قتلوا من معسكرهم؛ قتلهم القميّ. فأمر المتوكل أن يقبضوا من القميّ، يوم الأضحى من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وولَّى المتوكل البجة وطريق ما بين مصر ومكة سعدًا الخادم الإيتاخيّ فولى سعد محمد بن عبد الله القمي، فخرج القميَّ بعلي بابا؛ وهو مقيم على دينه؛ فذكر بعضم أنه رأى معه صنمًا من حجارة كهيئة الصبيَّ يسجد له. * * * ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وحجَّ جعفر بن دينار فيها، وهو والي طريق مكة وأحدَاث الموسم (١).