page 5577, entry [1987]Open original source
[أمر المتوكل مع النصارى] (١) وفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذّمة كلهم بلبس الطيالسة العسليّة والزّنانير وركوب السروج يركب الخشَب وبتصيير كُرَتيْن على مؤخّر السروج، وبتصيير زِرّين على قَلانس مَنْ لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالفٌ لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه؛ وأن تكون إحدى الرُّقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلْف ظهره؛ وتكون كلُّ واحدة من الرُّقعتين قَدْر أربع أصابع، ولونهما عسليًّا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسليّ، ومن خرج من نسائهم فبرزتْ فلا تبرز إلَّا في إزار عسليّ، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزَّنانير وبمنعهم لبسَ المناطق، وأمر بهدم بيَعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صُيِّر مسجدًا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدًا صُيِّر فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صورَ شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقًا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلّم أولادُهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلِّمهم مسلم، ونهى أن يُظهروا في شعانينهم صليبًا، وأن يشمعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين. وكتب إلى عماله في الآفاق: (٢) بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإنّ الله ﵎ بعزّته التي لا تحاوَلوقدرته على ما يريد؛ اصطفى الإسلام فَرَضيَهُ لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكَنفَه بالبرّ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديّان، مبرَّأً من الشبهات، معصومًا من الآفات، محبوًّا بمناقب الخير، مخصوصًا من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها؛ وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلالِه، وحرّم عليهم من حرامه؛ وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال في كتابه فيما أمر به ونهى عنه، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾، وقال فيما حرّم على أهله مما غمط فيه أهل الأديان من رديء المطعم والمشرب والمنكح لينزّههم عنه وليظهر به دينهم، ليفضّلهم عليهم تفضيلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ .... ﴾ إلى آخر الآية، ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه؛ ممن عندَ عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم، فقال ﷿: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وقال ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... ﴾ الآية، فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجسَها وأنجسها، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزْرًا، وأولاها عند ذوي الحِجَى والألباب تحريمًا، ثم حباهم محاسنَ الأخلاق وفضائل الكرامات؛ فجعلهم أهلَ الإيمان والأمانة، والفَضْل والتراحم واليقين والصدق؛ ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابرُ، ولا الحميّة ولا التكبر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التباغي ولا التظالم؛ بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى، ووعد وأوعد عليها جَنّته ونارَه، وثوابه وعقابه؛ فالمسلمون بما اختصَّهم الله من كرامتِه، وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذي اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائِعهم الزّاكية، وأحكامهم المرضية الطاهرة، وبراهينهم المنيرة، وبتطهير الله دينهم بما أحلّ وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من الله ﷿ في إعزاز دينه؛ حتمًا ومشيئة منه في إظهار حقهماضية، وإرادة منه في إتمام نعمته على أهله نافذة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ , وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزيّ في الدُّنيا والآخرة على الكافرين. وقد رأى أمير المؤمنين - وبالله توفيقه وإرشاده - أن يحمل أهل الذمّة جميعًا بحضرته وفي نواحي أعماله؛ أقربِها وأبعدها، وأخصّهم وأخسَّهم على تصيير طيالستهم التي يلبسونها؛ مَنْ لبسها من تجَّارهم وكتابهم، وكبيرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسليّة، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومَنْ قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم، ومَنْ يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خِرْقتين صبغهما ذلك الصَّبغ يكون استدارة كلّ واحدة منهما شبرًا تاقًا في مثله، على موضع أمام ثوبه الذي يلبسه، تلقاء صدره، ومن وراء ظهره، وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرّة عليها تُخالف ألوانها ألوان القلانس؛ ترتفع في أماكنها التي تقع بها، لئلا تلصق فتُستَر ولا ما يركّب منها على حباك فتخفى؛ وكذلك في سروجهم باتّخاذ رُكب خشب لها، ونَصْبِ أكَرِ على قرابيسها؛ تكون ناتئة عنها، وموفية عليها، لا يرخَّص لهم في إزالتها عن قرابيسهم، وتأخيرها إلى جوانبها؛ بل يتُفقَّد ذلك منهم؛ ليقع ما وقع من الذي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرًا يتبيّنهُ الناظر من غير تأمُّل، وتأخذه الأعين من غير طلب، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم، ومَنْ يلبس المناطق من تلك الطبقة بشدّ الزنانير والكساتيج مكان المناطق التي كانت في أوساطهم، وأن توعِزَ إلى عمالك فيما أمر به أمير المؤمنين في ذلك إيعازًا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدّم إليهم فيه، وتحذّرهم إدهانًا وميلًا، وتتقدّم إليهم في إنزال العقوبة بمَنْ خالف ذلك من جميع أهل الذّمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره؛ ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله. فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمالك في نواحي عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله؛ وأمير المؤمنين يسأل الله ربَّه ووليَّه أن يُصَلِّيَ على محمد عبده ورسوله ﷺ وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولى ما ولّاه مما لا يبلغ حقه فيه إلّا بعونه؛حفظًا يحمل به ما حمله، وولاية يقضي بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه، وأفضل مزيده، إنه كريم رحيم. وكتب إبراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين (١). فقال عليّ بن الجهم: العَسلِيَّاتُ التي فرَّقَت ... بين ذوي الرِّشْدَةِ والغَيْ وما على العاقل إِنْ تَكْثرُوا ... فإنه أَكثرُ للفَيْ * * *