page 5569, entry [1981]Open original source
[ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث] فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حَلْبَسْ؛ جيء به أسيرًا من قبل أذْربيجان فحبس (٥).* ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره: ذكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ المتوكل كان اعتَلّ في هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمّى خليفة، فأخبره بأنّ المتوكل قد تُوفِّيَ، وأعدّ له دوابٌ، فهرب هو وخليفة الذي أخبره الخبر إلى موضعه من أذْرَبيجان، وموضعه منها مَرَنْد - وقيل: كانت له قلعتان تُدْعى إحداهما شاهى والأخرى يَكدرُ - ويكدر خارج البحيرة، وشاهى في وسط البحيرة، والبحيرة قدرُ خمسين فرسخًا من حدّ أرْمية؛ إلى رُستاق داخَرّقَان بلاد محمد بن الرواد، وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثَمَ، يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرْمِيَة وهي بحيرة لا سمك فيها ولا خير. وذُكر أنّ ابن البَعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذ منه الكُفَلاء نحوًا من ثلاثين كَفيلًا، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ؛ فكان يتردّد بسامراء؛ فهرب إلى مَرَنْد، فجمع بِمَرنْد الطعام؛ وفيها عيون ماء، فرَمَّ ما كان وَهيَ من سُورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل. وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر في طلبه، فولَّى المتوكل حمدويه بن عليّ بن الفضل السعديّ أَذْرَبيجان، ووجّهه من سامراء على البريد، فلما صار إليها جمع الجند والشاكريّة ومَن استجاب له، فصار في عشرة آلاف، فزَحف إلى ابن البَعيث، فألجأه إلى مدينة مَرَنْد - وهي مدينة استدارتها فرسخان وفي داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلّا في موضع أبوابها - وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء، فلما طالت مدّته وجه المتوكل زيرك التركي في مائة ألف فارس من الأتراك فلم يصنع شيئًا، فوجّه إِليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكريّة، فلم يُغنِ شيئًا، فوجَه إليه بغا الشرابيّ في أربعة آلاف ما بين تركيّ وشاكريّ ومغربيّ، وكان حمدويه بن عليّ وعمرو بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مَرَنْد، وقطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحوًا من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغِياض، ونصبوا عليها عشرين مِنْجَنيقًا، وبنوْا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه،ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثلَ ذلك؛ وكان مَنْ معه من عُلُوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرَّجُل لا يقدر على الدنوّ من سُور المدينة، فقُتل من أولياء السلطان في حَرْبه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل، وجُرح نحو من أربعمائة، وقتِل وجرِح من أصحابه مثل ذلك. وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويُراوحونه؛ وكان السور من قِبَل المدينة ذليلًا، ومن القرار نحوًا من عشرين ذراعًا، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلَّوْن بالحبال، معهم الرماح فيقاتلون؛ فإذا حُمِل عليهم من أصحاب السلطان لجؤوا إلى الحائط؛ وكانوا ربما فتحوا بابًا يقال له باب الماء؛ فيخرج منه العِدّة يقاتلون ثم يرجعون. ولما قرب بُغا الشرابيّ من مَرَنْد بعث - فيما ذكر - عيسى بن الشيخ بن السَّليل الشيبانيّ، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث، ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين وإلّا قاتلهم، فإن ظفر بهم لم يستبقِ منهم أحدًا، ومَنْ نزل فله الأمان؛ وكان عامة مَنْ مع ابن البَعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ؛ فنزل منهم قوم كثير بالحبال، ونزل خَتن ابن البعيث على أخته أبو الأغر. وذكر عن أبي الأغرّ هذا أنه قال: ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك، وخرج ابن البعيث من منزله هاربًا يريد أن يخرج من وجه آخر؛ فلحقه قوم من الجند، معهم منصور قَهرمانه؛ وهو راكب دابةً، يريد أن يصير إلى نهر عليه رحًا ليستخفيَ في الرحا، وفي عنقه السيف، فأخذوه أسيرًا وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بعد ما انتهب الناس: برئت الذّمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقي سراريّ؛ فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة، وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحوٌ من مائتي رجل، وهرب الباقون؛ فوافاهم بُغا الشرابيّ من غد، فنادى مناديه بالمنع من النهْب، فكتب بُغا الشرابيّ بالفتح لنفسه. * * * وخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى الأولى.