page 5528, entry [1955]Open original source
ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره ذُكر عن ابن أبي دواد أنه ذكر المعتصم بالله، فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وأطنب في فضله، وذكرَ من سعة أخلاقه وكرَمَ أعراقه وطيب مرْكَبِه ولين جانبه، وجميل عشرته؛ فقال: قال لي يومًا ونحن بعمُّوريّة: ما تقول في البُسْر يا أبا عبد الله؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ نحن ببلاد الروم والبُسر بالعراق؛ قال: صدقت قد وجَّهت إلى مدينة السلام، فجاءوا بكِبَاستَيْن، وعلمت أنك تشتهيه. ثم قال: يا إيتاخ، هات إحدى الكِبَاستين، فجاء بكباسة بُسْر، فمد ذراعه، وقبض عليها بيده، وقال: كُلْ بحياتي عليك من يدي، فقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! بل تضعها فآكل كما أريد، قال: لا والله إلّا من يدي، قال: فو الله ما زال حاسرًا عن ذراعه، ومادًّا يده، وأنا أجتني من العِذْق، وآكلُ حتى رمى به خاليًا ما فيه بُسرة. قال: وكنت كثيرًا ما أزامله في سفره ذلك؛ إلى أن قلت له يوميًا: يا أمير المؤمنين، لو زاملك بعضُ مواليك وبطانتك فاسترحتَ مني إليهم مرّة، ومنهم إليّ مرة أخرى، كان ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك، وأشدّ لراحتك؛ قال: فإنّ سِيما الدمشقيَ يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنت؟ قلت: الحسن بن يونس، قال: فأنت وذاك. قال: فَدعوت الحسن فزاملني. وتهيّأ أن ركب المعتصم بغلا، فاختار أن يكون منفردًا، قال: فجعل يسير بسير بعيري؛ فإذا أراد أن يكلمني رفعرأسه إليّ، وإذا أردتُ أن أكلمه خفضت رأسي؛ قال: فانتهينا إلى وادٍ ولم نعرف غَوره؛ وقد خلَّفنا العسكر وراءنا، فقال لي: مكانَك حتى أتقدّم. فأعرف غَوْر الماء وأطلب قلته، واتبع أنت موضع سيري، قال: فتقدّم فدخل الوادي، وجعل يطلب قلة الماء، فمرّة ينحرف عن يمينه، ومرّة ينحرف عن شماله، وتارة يمشي لسنَنَهِ، وأنا خلفه متبع لأثره حتى قطعنا الوادي. قال: واستخرجت منه لأهل الشاش ألفي ألف درهم لكرْى نهرٍ لهم اندفن في صدر الإسلام؛ فأضرّ ذلك بهم، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما لي ولك؛ تأخذ مالي لأهل الشاش وَفَرْغانة! قلت: هم رعيَّتك يا أمير المؤمنين، والأقصى والأدنى في حُسن نظر الإمام سواءٌ (١). وقال غيره إنه إذا غضب لا يبالي مَن قتل ولا ما فعل. وذكر عن الفضل بن مروأن أنه قال: لم يكن للمعتصم لَذّة في تزيين البناء؛ وكانت غايته فيه الإحكام. قال: ولم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنّفقة في الحرب. وذكر محمد بن راشد، قال: قال لي أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم: دعاني أمير المؤمنين المعتصم يومًا، فدخلت عليه وعليه صُدرة وشْيٍ ومنطقة ذهب وخفّ أحمر، فقال لي: يا إسحاق، أحببت أن أضرب معكَ بالصوالجة؛ فبحياتي عليك إلَّا لبستَ مثل لباسي؛ فاستعفيتُه مِنْ ذلك فأبى، فلبست مثل لباسه، ثم قُدّم إليه فرس محلّاة بحلية الذهب، ودخلنا الميْدان، فلما ضرب ساعة، قال لي: أراك كسلان، وأحسبك تكره هذا الزّيّ، فقلت: هو ذاك يا أمير المؤمنين، فنزل وأخذ بيدي، ومضى يمشي وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمّام، فقال: خذ ثيابي يا إسحاق؛ فأخذت ثيابَه حتى تجرد، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت؛ ثم دخلنا أنا وهو الحمَّام؛ وليس معنا غلام؛ فقمت عليه ودلكته، وتولى أمير المؤمنين المعتصم مني مثل ذلك، وأنا في كل ذلك أستعفيه، فأبى عليّ، ثم خرج من الحمّام فأعطيته ثيابَه، ولبست ثيابي، ثم أخذبيدي ومضى يمشي؛ وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فقال: يا إسحاق؛ جئني بمصلّى ومخدّتين، فجئته بذلك، فوضع المخدّتين، ونام على وجهه، ثم قال: هات مصلّى ومخدتين، فجئت بهما، فقال: ألقه ونم عليه بحذائي، فحلفت ألّا أفعلَ، فجلست عليه، ثم حضر إيتاخ التركيّ وأشناس، فقال لهما: امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما، ثم قال: يا إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكّر فيه منذ مدّة طويلة؛ وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيَه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين؛ فإنما أنا عبدك وابن عبدك، قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعةً أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلحْ أحدٌ منهم، قلت: ومَن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيتُ وسمعتُ، وعبد الله بن طاهر، فهو الرّجل الذي لم يُرَ مثله، وأنت، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد! وأنا فاصطنعت الأفشين فقد رأيتَ إلى ما صار أمْرُه، وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء، ووصيف فلا مغنى فيه: فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أجيب على أمانٍ من غضبكِ، قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزّك الله نظر أخوك إلى الأصول؛ فاستعملها، فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب إذ لا أصول لها، قال: يا إسحاق لمقاساةُ ما مرّ بي في طول هذه المدّة أسهلُ عليّ من هذا الجواب. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، أنه قال: أتيتُ أمير المؤمنين المعتصم بالله يومًا وعنده قينة كان معجَبًا بها، وهي تغنِّيه، فلما سلّمتُ وأخذت مجلسي، قال لها: خذي فيما كنت فيه، فغنّت فقال لي: كيف تراها يا إسحاق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذْق وتختله برفق، ولا تخرج من شيء إلّا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدرّ على النحور، فقال: يا إسحاق، لَصفتُك لها أحسن منها ومن غنائها، وقال لابنه هارون: اسمع هذا الكلام (١) .. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنه قال: قلت للمعتصم في شيء،فقال لي: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرّأي؛ فقلت له: كنت أحبّ يا أمير المؤمنين أن يكون معي شبابي؛ فأقوم مِنْ خدمتك بما أنويه، قال لي: أوَلست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك؟ قلت: بلى، قال: فأنت الآن تبلغ جهدك فسيّان إِذًا. وذكر عن أبي حسان أنه قال: كانت أمّ أبي إسحاق المعتصم من مولّدات الكوفة يقال لها ماردة. وذكر عن الفضل بن مروان، أنه قال: كانت أمّ المعتصم ماردة سُغديّة، وكان أبوها نشأ بالسَّواد، قال: أحسبه بالبَنْدَنيجين. وكان للرشيد من ماردة مع أبي إسحاق، أبو إسماعيل، وأمّ حبيب، وآخران لم يُعرف اسماهما. وذكر عن أحمد بن أبي دواد أنه قال: تصدّق المعتصم ووهب على يدي وبسببي بقيمة مائة ألف ألف درهم. * * *