page 5499, entry [1945]Open original source
ذكر خبر أبي شاس الشاعر وكان أبو شاس الشاعر، وهو الغطريف بن حُصين بن حنش فتًى من أهل العراق، ربِّيَ بخراسان، أديبًا فهمًا، وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها، فلما نزل بسرخاستان ما نزل به، وأبو شاس في معسكره، ومعه دواب وأثقال، هجم عليه قوم البُخارية، من أصحاب الحسن؛ فانتهبوا جميع ما كان معه، وأصابته جراحات، فبادر أبو شاس فأخذ جرة كانت معه، فوضعها على عاتقه، وأخذ بيده قدحًا، وصاح: الماء للسبيل؛ حتى أصاب غفلة من القوم، فهرب من مضربه، وقد أصابته جراحة، فبصر به غلام - وقد كان مرَّ بمضرب عبد الله بن محمد بن حميد القُطْقُطي الطبري، وكان كاتب الحسن بن الحسين - فعرفوه، عَرَفَهُ خدمه، وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء، فأدخلوه خيمتهم، وأخبروا صاحبهم بمكانه، فأدخل عليه، فحمله وكساه، وأكرمه غاية الإكرام، ووصفه للحسن بن الحسين، وقال له: قل في الأمير قصيدة، فقال أبو شاس: والله لقد امّحَى ما في صدري من كتاب الله من الهول، فكيف أحسن الشعر! ووجه الحسن برأس أبي صالح سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، ولم يزل من معسكره.وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جَبَلة مولى عبد الله بن طاهر، كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس، فكاتب قارن بن شهريار، ورغبه في الطاعة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه. وكان مازيار صيَّره مع أخيه عبد الله بن قارن، وضمّ إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته؛ فلما استملاه حيان؛ وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال، ومدينة سارية إلى حد جُرجان، على أن يملكه على جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، سجل له عبد الله بن طاهر بكل ما سأل، وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يُوغل حتى يكون من قارن ما يُستدل به على الوفاء، لئلا يكون منه مكر؛ فكتب حيان إلى قارن بذلك، فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن. وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك، وقال له القوهيار أخوه: في حبسك عشرون ألفًا من المسلمين، من بين إسكاف وخياط، وقد شغلت نفسك بهم، وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه، ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته، وعليَّ بن ربَّن النصرانيَّ كاتبه، وشاذان بن الفضل صاحب خراجه، ويحيى بن الروذبهار جهبذه، وكان من أهل السهل عنده، فقال لهم: إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب إليكم، وأكره أن أشُومكم، فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا لأنفسكم الأمان ثم وصلهم، وأذن لهم في الانصراف، فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الأمان لأنفسهم. ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين، وثبوا على عامل مازيار بسارية - وكان يقال له مهريستاني بن شهريز - فهرب منهم، ونجا بنفسه، وفتح الناس باب السجن، وأخرجوا من فيه، ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية، فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذي كان عامل طبرسان من حبسه،وحمله على بغل بسرج، ووجه به إلى حيَّان ليأخذ له الأمان، ويجعل له جبال أبيه وجده على أن يسلم إليه مازيار، ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير؛ فلما صار محمد بن موسى إلى حيان، وأخبره برسالة قوهيار إليه، قال له حيان: من هذا؟ يعني أحمد. قال: شيخ البلاد، وبقية الخلفاء والأمير عبد الله بن طاهر به عارف، فبعث حيان إلى أحمد، فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خُرَّماباذ مع محمد بن موسى، وكان لأحمد ابن يقال له إسحاق. وكان قد هرب من مازيار؛ يأوي نهاره الغياض، ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساواشريان، هي على طريق الجادة من قدح الأصبهبذ الذي فيه قصر مازيار. فذكر عن إسحاق، أنه قال: كنت في هذه الضيعة، فمر بي عدة من أصحاب مازيار، معهم دواب تقاد وغير ذلك، قال: فوثبت على فرس منها هجين، ضخم فركبته عُريًا، وصرت إلى مدينة سارية، فدفعته إلى أبي، فلما أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس، فنظر إليه حيان، فأعجبه، فالتفت حيان إلى اللَّوزجان - وكان من أصحاب قارن - فقال له: رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل قل ما رأيت مثله، فقال له اللَّوزجان: هذا الفرس كان لمازيار، فبعث حيان إلى أحمد يسأله البعثة بالفرس إليه، لينظر إليه، فبعث به إليه، فلما تأمل النظر وفتشه وجده مشطب باليدين، فزهد فيه، ودفعه إلى اللَّوزجان، وقال لرسول أحمد: هذا لمازيار، ومال مازيار لأمير المؤمنين، فرجع الرسول فأخبر أحمد، فغضب على اللَّوزجان من ذلك، فبعث إليه أحمد بالشتيمة، فقال اللَّوزجان: ما لي في هذا ذنب! ورد الفرس إلى أحمد، ومعه برذون وشهري [فاره]، فأمر رسوله فدفعهما إليه، وغضب أحمد من فعل حيان به، وقال: هذا الحائك يبعث إلى شيخ مثلي فيفعل به ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لِمَ تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بن الحسين بتركك إياه وميلك إلى عبد من عبيده! فكتب إليه قوهيار. قد غلطتُ في أول الأمر؛ وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويحاربني، ويستبيح منازلي وأموالي؛ وإن قاتلتُه فقتلتُ منأصحابه، وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء، ويبطل هذا الأمر الذي التمسته، فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك، واكتب إليه أنه قد عرضتْ لك علة منعتك من الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام؛ فإنك عُوفيت وإلَّا صرت إليه في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك منك، والمصير في الوقت. وإن أحمد بن الصُّقير ومحمد بن موسى بن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميس، فكتبا إليه أن اركب إلينا لندفع إليك مازيار والجبل، وإلا فاتك، فلا تقم. ووجها الكتاب مع شاذان بن الفضل الكاتب، وأمراه أن يعجل السير. فلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، حتى انتهى إلى سارية، فلما أصبح سار إلى خُرّماباذ - وهو يوم موعد قُوهيار - وسمع حيان وقع طبول الحسن، فركب فتلقاه على رأس فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع هاهنا! ولم توجه إلى هذا الموضع، وقد فتحت جبال شروين وتركتها، وصرت إلى هاهنا، فما يؤمنك أن يبدو للقوم، فيغدروا بك، فينتقض عليك جميع ما عملت، ارجع إلى الجبل، فصير مسالحك في النواحي والأطراف، وأشرف على القوم إشرافًا لا يمكنهم الغدر، إن هموا به. فقال له حيان: أنا على الرجوع، وأريد أن أحمل أثقالي، وأتقدم إلى رجالي بالرحلة، فقال له الحسن: امض أنت، فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك، وبت الليلة بمدينة سارية حتى يوافوك، ثم تبكِّر من غدٍ؛ فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية، ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بلبورة - وهي من جبال وَنْدَاهُرْمز، وهي أحصن موضع من جباله، وكان أكثر مال مازيار بها - وأمره عبد الله ألا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من المال، والذي كان بأسباندرة من ذخائر مازيار، وما كان لسرخاستان بقدح السلتان، واحتوى على ذلك كله. فانتقض على حيان جميع ما كان سنح له بسبب ذلك الفرس، وتوفى بعد ذلك حيان بن جبلة. فوجه عبد الله مكانه على أصحابه محمد الحسين بنمصعب، وتقدم إليه عبد الله ألا يضرب على يدي قارن في شيء يريده، وصار الحسن بن الحسين إلى خُرّماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير، فتناطروا سرًّا، فجزاهما خيرًا، وكتب هو إلى قوهيار، فوافى خُرّماباذ، وصار إلى الحسن، فبره وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل، واتعدا على يوم، ثم صرفه وصار قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له، وكان الحسين بن قارن قد كاتب قوهيار من ناحية محمد بن إبراهيم بن مصعب، وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين، فأجابه قوهيار، وضمن له ما ضمن لغيره، كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال إليه، فركب محمد بن إبراهيم من مدينة آمُل، وبلغ الحسن بن الحسين الخبر. فذكر عن إبراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبي السعدي، فلما قرب وكان طريقه على باب مضرب الحسن، قال: فلما حاذيتُ مضربه؛ إذا بالحسن الزوال انصرف يريد منزله راكب وحده، لم يتبعه إلّا ثلاثة غلمان له أتراك، قال: فرميت بنفسي، وسلمت عليه، فقال: اركب؛ فلما ركبت قال: أين طريق آرُم؟ قلت: هي على هذا الوادي، فقال لي: امض أمامي، قال: فمضيتُ حتى بلغت دربًا على ميلين من آرُم، قال: ففزعت، وقلت: أصلح الله الأمير! هذا موضع مَهُول، ولا يسلكه إلا ألف فارس؛ فأرى لك أن تنصرف ولا تدخله. قال: فصاح بي: امض. فمضيت وأنا طائش العقل، ولم نر في طريقنا أحدًا حتى وافينا آرم، فقال لي: أين طريق هُرْمزداباذ؟ قلت: على هذا الجبل في هذا الشَّراك. قال: فقال لي: سر إليها، فقلت: أعز الله الأمير! الله الله في نفسك وفينا وفي هذا الخلق الذي معك! قال: فصاح بي: امض يا ابن اللخناء، قال: فقلت له: أعزك الله! اضرب أنت عنقي؛ فإنه أحب إلي من أن يقتلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله بن طاهر الذنب. قال: فانتهرني حتى ظننت أنه سيبطش بي، ومضيت وأنا خليع الفؤاد، وقلت في نفسي: الساعة نؤخذ جميعًا، أو نوقَف بين يدي مازيار فيوبِّخني، ويقول: جئت دليلا عليّ! فبينا نحن كذلك إذْ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس، فقال لي: أين كان سجن المسلمين هاهنا؟ فقلت له: في هذا الموضع. قال: فنزل فجلس ونحن صيام، والخيل تلحقنا متقطعة، وذلك أنه ركب منغير علم الناس، فعلموا بعد ما مضى، فدعا الحسن بيعقوب بن منصور، فقال له: يا أبا طلحة، أحبّ أن تصير إلى الطالقانيّة، فتلطّف بحيَلك لجيش أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر؛ ما أمكنك، وكان بينه وبين الطالقانية فَرْسخان أو ثلاثة فراسخ، قال إبراهيم: فبينا نحن وقوف بين يدي الحسن، إذ دعا بقيس بن زَنجويه، فقال له: امض إلى درب لبورة، وهو على أقلَّ من فرسخ، فابرز بأصحابك على الدَّرب. قال: فلما صلّينا المغرب وأقبل الليل، إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشّمع مشتعلًا مقبلين من طريق لبُورة، فقال لي: يا إبراهيم، أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى نيرانًا وفرسانًا قد أقبلوا من ذلك الطريق، قال: وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه، حتى قربت النيران منا؛ فأنظر فإذا المازيار مع القوهيار، فلم أشعر حتى نزلا وتقدم المازيار، فسلم على الحسن بالإمرة، فلم يردّ عليه، وقال لطاهر بن إبراهيم وأوس البلخي: خذاه إليكما. وذكر عن أخي وميدوار بن خواست جيلان، أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهيار، وقال له: اتق الله، قد خلفت سرواتنا، فأذن لي أكنفُ هؤلاء العرب كلَّهم، فإن الجند حيارى جياع، وليس لهم طريق يهربون، فتذهب بشرفها ما بقى الدهر، ولا تثق بما يعطيك العرب، فليس لهم وفاء! فقال قوهيار: لا تفعلوا، وإذا قوهيار قد عبَّى علينا العرب، ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك؛ ولا يكون أحد ينازعه ويضادّه. فلما كان في السحر، وجّه الحسن بالمازيار مع طاهر بن إبراهيم وأوْس البلخيّ إلى خرماباذ، وأمرهما أن يمرّا به إلى مدينة سارية، وركب الحسن، وأخذ على وادي بابك إلى الكانية مستقبلا محمد بن إبراهيم بن مُصعب، فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى هرمزداباذ لأخذ المازيار، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله، أين تريد؟ قال: أريدُ المازيار، فقال: هو بسارية، وقد صار إليَّ، ووجّهت به إلى هنالك، فبقى محمد بن إبراهيم متحيرًا. وكان القوهيار قد همّ بالغدر بالحسن، ودفع المازيار إلى محمد بن إبراهيم، فسبق الحسن إلى ذلك، وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حين رآه متوسِّطًا الجبل، إن أحمد بن الصُّقير كتب إلى القوهيار: لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر، وقد كُتبإليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبيْن، فعند ذلك حذّره ودفعه إلى الحسن، وصار محمد بن إبراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ، فأحرقا قصر المازيار بها، وأنهبا ماله، ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ، ووجها إلى إخوة المازيار، فحبسوا هناك في داره، ووكل بهم، ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية؛ فأقام بها، وحبس المازيار بقرب خيمة الحسن، وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن القيد الذي كان قيده به المازيار، فبعث به محمد إليه، فقيد المازيار بذلك القيد، ووافى محمد بن إبراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته، فكتبا بذلك إلى عبد الله بن طاهر، وانتظرا أمره، فورد كتاب عبد الله إلى الحسن بتسليم المازيار وإخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم، ليحملهم إلى أمير المؤمنين المعتصم؛ ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمره أن يستصفي جميع ما للمازيار ويحرزه، فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره، وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند قوم سماهم، من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر، وأحضر القوهيار، وكتب عليه كتابًا، وضمنه توفير هذه الأموال التي ذكرها المازيار، أنها عند خزانه وأصحاب كنوزه، فضمن القوهِيار ذلك وأشهد على نفسه. ثم إن الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار، فيشهدوا عليه؛ فذكر عن بعضهم، أنه قال: لما دخلنا على المازيار، تخوفت من أحمد بن الصُّقير أن يفزعه بالكلام، فقلت له: أحب أن تمسك عنه، ولا تذكر ما كنت أشرت به، فسكت أحمد عند ذلك، فقال المازيار: اشهدوا أن جميع ما حملتُ من أموالي وصجبي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت أحمر، وثمانية أوقار سلال مجلدة، فيها ألوان الثياب، وتاج وسيف من ذهب وجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحُق كبير مملوء جوهرًا، وقد وضعه بين أيدينا، وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح، وهو خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى القوهيار. قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين، فقال: أشهدتم على الرجل؟ قال: قلنا: نعم، قال: هذا شيء كنت اخترته لي، فأحببت أن يعلم قِلّته وهَوَانه عندي.وذكر عن عليّ بن ربَّن النصراني الكاتب أن ذلك الحق كان شرى جوهره على المازيار وجدّه وشَهْريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان المازيار حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين، على أن يظهر أنه خرج إليه في الأمان، وأنه قد آمنه على نفسه وماله وولده؛ وجعل له جبال أبيه، فامتنع الحسن بن الحسين من هذا وعفّ عنه - وكان أعفَّ الناس عن أخذ درهم أو دينار - فلما أصبح أنفذ المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعليّ بن إبراهيم الحربيّ، وورد كتاب عبد الله بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بالمازيار ثلات مراحل، فبعث الحسن فردَّه، وأنفذه مع يعقوب بن منصور، ثم أمر الحسن بن الحسين القُوهِيار أخا المازيار أن يحمل الأموال التي ضمنها، ودفع إليه بغالا من العسكر، وأمر بإنفاذ جيش معه، فامتنع القوهيار، وقال لا حاجة لي بهم، وخرج بالبغال هو وغلمانه، فلما ورد الجبل وفتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبّاها ليحملها، وثب عليه مماليك المازيار من الديالمة - وكانوا ألفًا ومائتين - فقالوا له: غدرت بصاحبنا، وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! فأخذوه وكبلوه بالحديد، فلما جنّه الليل قتلوه، وانتهبوا تلك الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن، فوجّه جيشًا إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشًا من قِبَله في أخذهم، فأخذ منهم صاحب قارن عدة، منهم ابن عمّ للمازيار، يقال له شهريار بن المَصْمُغان - وكان رأس العبيد ومحرّضهم - فوجّه به قارن إلى عبد الله بن طاهر، فلما صار بقومِس مات، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السَّفح والغَيْضَة يريدون الديلم، فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب، فوجّه من قِبَله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم، وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا، فبعث بهم إلى مدينة سارية مع عليّ بن إبراهيم، وكان مدخل محمد بن إبراهيم حين دخل من شَلَنْبَة على طريق الروذبار إلى الورُّيان. وقيل: إن فساد أمر مازيار وهلاكه كان من قبل ابن عمّ له يقال له .... كان في يديه جبال طبرستان كلها، وكان في يد المازيارر السهل؛ وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه، فذُكر عن محمد بن حفص الطبريّ أن الجبالى بطبرستان ثلاثة: جبل وَنْداهُرْمز في وسط جبال طَبَرستان، والثاني جبل أخيه ونداسبْجان بن الأنداد بن قارن، والثالث جبَل شَرْوين بن سُرْخاب بن باب، فلما قوي أمرُالمازيار بعث إلى ابن عمه ذلك، وقيل هو أخوه القوهِيار، فألزمه بابه، وولَّى الجبل واليًا من قِبَله، يقال له درّي؛ فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة عبد الله بن طاهر؛ دعا بابن عمه أو أخيه القوهِيار، فقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين ومكاتبته له، وقال له: صرْ في ناحية الجبل، فاحفظ عليّ الجبل. وكتب المازيار إلى الدرّيّ يأمره بالقدوم عليه، فقدم عليه، فضم إليه العساكر، ووجّهه في وجه عبد الله بن طاهر، وظنّ أنه قد توثق من الجبل بابن عمه أو أخيه القُوهيار، وذلك أن الجبل لم يُظنّ أنه يُؤتى منه. لأنه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشَّجر الذي فيه، وتوثّق من المواضع التي يتخوّف منها بالدري وأصحابه، وضمّ إليه المقاتلة وأهل عسكره، فوجّه عبدالله بن طاهر عمَّه الحسن بن الحسين بن مصعب، في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار، ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب، ووجّه معه صاحب خبر يقال له يعقوب إبراهيم البوشنجي مولى الهادي، ويعرف بقوْصرة؛ يكتب بخبر العسكر؛ فوافى محمد بن إبراهيم الحسن بن الحسبن، وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قَرُبوا منه، والمازيار لا يشكّ أنه قد توثّق من الموضع الذي تلقّاه الجبل فيه. وكان المازيار في مدينته في نفر يسير، فدعا ابنّ عمّ المازيار الحقد الذي كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبله، أنْ كاتَبَ الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عساكره، وأنّ الأفشين كاتب المازيار. فأنفذ الحسن كتاب ابن عمّ المازيار إلى عبد الله بن طاهر، فوجّه به عبد الله برجل إلى المعتصم، وكاتب عبد الله الحسن بن الحسين ابن عم المازيار - وقيل القوهيار - وضمنا له جميع ما يريد؛ وكان ابن عم المازيار أعلم عبد الله بن طاهر أن الجبل الذي هو عليه كان له ولأبيه ولآبائه من قِبَل المازيار، وأن المازيار عند تولية الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه، وألزمه بابه، واستخفّ به، فشرط له عبد الله بن طاهر إن هُوَ وثب بالمازيار، واحتال له أن يصير الجبل على حسب ما لم يزل. ولا يُعرَض له فيه، ولا يحارب. فرضِيَ بذلك ابن عم المازيار، فكتب له عبد الله بن طاهر بذلك كتابًا،وتوثق له فيه، فوعد ابن عمّ المازيار الحسن بن الحسين ورجالهم أن يدخلهم الجبل، فلما كان وقت الميعاد، أمر عبد الله بن طاهر الحسن بن الحسين أن يزحف للقاء الدريّ، ووجّه عسكرًا ضخمًا عليه قائد من قواده في جوف الليل، فوافوا ابن عمّ المازيار في الجبل، فسلّم الجبال إليهم، وأدخلهم إليها، وصافَّ الدريّ العسكر الذي بإزائه، فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت الرّجّالة والخيل على باب قصره، والدري يحارب العسكر الآخر؛ فحصروا المازيار، وأنزلوه على حكم أمير المؤمنين المعتصم. وذكر عمرو بن سعيد الطبريّ أن المازيار كان يتصيّد، فوافته الخيل في الصيد؛ فأخذ أسيرًا ودُخل قصره عَنْوة، وأخذ جميع ما فيه، وتوجّه الحسن بن الحسين بالمازيار، والدريّ يقاتل العسكر الذي بإزائه، لم يعلم بأخذ المازيار، فلم يشعر إلا وعسكر عبد الله بن طاهر مِنْ ورائه، فتقطعت عساكره، فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم، فقتل أصحابه، واتيعوه فلحقوه في نفر من أصحابه، فرجع يقاتلهم، فقتِل وأخِذ رأسه، فبعث به إلى عبد الله بن طاهر، وقد صار المازيار في يده، فوعده عبدُ الله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الأفشين أن يسأل أمير المؤمنين الصَّفْح عنه، وأعلمه عبد ألله أنه قد علم أن الكتب عنده، فأقرّ المازيار بذلك، فطُلبت الكتب فوُجدت، وهي عدّة كتب، فأخذها عبد الله بن طاهر، فوجّه بها مع المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم، وأمره ألّا يخرج الكتب من يده ولا المازيار إلّا إلى يد أمير المؤمنين، لئلا يُحتال للكتب والمازيار، ففعل إسحاق ذلك، فأوصلها من يده إلى يد المعتصم؛ فسأل المعتصم المازيار عن الكتب، فلم يقرّ بها، فأمر بضرب المازيار حتى مات، وصلب إلى جانب بابك (١). وكان المأمون يكتب إلى المازيار: من عبد الله المأمون إلى جيل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشْوار جِرْشاه محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين. وقد ذكر أن بدء وهْي أمر الدريّ، كان أنه لما بلغه بعدما ضمّ إليه المازيارالجيش نزول جيش محمد بن إبراهيم دُنْباوند، وجّه أخاه بزرجشْنسٍ، وضمّ إليه محمدًا وجعفرًا ابني رستم الكلاريّ ورجالًا من أهل الثغر وأهل الرُّويان، وأمرهم أن يصيروا إلى حدّ الرّويان والرّيّ لمنع الجيش، وكان الحسن بن قارن قد كاتب محمدًا وجعفرًا ابني رستم، ورغّبهما؛ وكانا من رؤساء أصحاب الدّريّ، فلما التقى جيش الدري وجيش محمد بن إبراهيم، انقلب ابنا رستم وأهل الثغرين وأهل الرُّويان على بزرجشنس أخي الدرّيّ، فأخذوه أسيرًا، وصاروا مع محمد بن إبراهيم على مقدّمته، وكان الدريّ بموضع يقال له مُزْن في قَصْره مع أهله وجميع عسكره، فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابني رستم ومتابعة أهل الثغرين والرويان لهما وأسر أخيه بزرجشنس، اغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، وأذعن أصحابه، وهمَّتهُم أنفسُهم، وتفرّق عامّتهُم يطلبون الأمان، ويحتالون لأنفسهم، فبعث الدري إلى الديالمة فصار ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم، فرغبهم ومناهم، ووصلهم، ثم ركب وحمل الأموال معه، ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن إبراهيم، وإنما أراد الدخول إلى الديلم، والاستظهار بهم على محمد بن إبراهيم. فاستقبله محمد بن إبراهيم في جيشه؛ فكانت بينهم وقعة صعبة؛ فلما مضى الدرب هرب الموكلون بالسجن، وكسر أهل السجن أقيادهم، وخرجوا هاربين، ولحق كل إنسان ببلده، واتفق خروج أهل سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدريّ في يوم واحد، وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة خمس وعشرين ومائتين في قول محمد بن حفص، وقال غيره: كان ذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين. وذكر عن داود بن قحذم أن محمد بن رستُم، قال: لما التقى الدري ومحمد بن إبراهيم بساحل البحر، بين الجبل والغَيْضة والبحر، والغَيْضة متصلة بالديلم، وكان الدري شجاعًا بطلًا، فكان يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم، ثم يحمل معارضةً من غير هزيمة، يريد دخول الغَيْضة، شدّ عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة، فأخذه أسيرًا واسترجع، واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الأثاث والمال والدوابّ والسلاح، فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخي الدّرّيّ، ودُعيبالدري فمدّ يده فقُطعت من مرفقه، ومدت رجله فقطعت من الركبة، وكذا باليد الأخرى والرجل الأخرى، فقعد الدري على استه؛ ولم يتكلم ولم يتزعزع، فأمر بضرب عنقه، وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدري فحملهم مكبلين (١). وفي هذه السنة ولي جعفر بن دينار اليمن. وفيها تزوج الحسن بن الأفشين أترنجة بنت أشناس، ودخل بها في العمري، قصر المعتصم في جُمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامراء فحُدِّثت أنهم كانو يغلّفُون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة، وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقد من حضرها (٢). وفيه امتنع عبد الله الوَرْثانيّ بوَرْثان. * * *