page 5404, entry [1912]Open original source
ذكر الخبر عن سبب المرض الذي كانت فيه وفاته ذُكر عن سعيد العلّاف القارئ، قال: أرسل المأمون وهو ببلاد الرّوم - وكان دخلها من طَرسُوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة - فحُملتُ إليه وهو في البَدندون؛ فكان يستقرئني، فدعاني يومًا، فجئتُ فوجدته جالسًا على شاطئ البدندون؛ وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه، فأمرني فجلست نحوه منه؛ فإذا هو وأبو إسحاق مدلِّيان أرجلهما في ماء البدندون، فقال: يا سعيد، دَلّ رجليْك في هذا الماء وذقه؛ فهل رأيت ماء قطّ أشد بردًا، ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه! ففعلت وقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما رأيت مثل هذا قطّ، قال: أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: رُطَب الآزاذ؛ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لُجم البريد فالتفتَ، فنظر فإذا بغالٌ من بغال البريد، على أعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: اذهب فانظر: هل في هذه الألطاف رُطَب؟ فانظره، فإن كان آزاذ فأت به؛ فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاذ، كأنما جُنِي من النخل تلك الساعة؛ فأظهر شكرًا لله تعالى؛ وكثر تعجُّبُنا منه، فقال: ادن فكل، فأكل هو وأبو إسحاق، وأكلت معهما، وشربْنا جميعًا من ذلك الماء؛ فما قام منا أحد إلا وهو محمومٌ؛ فكانت منيّة المأمون من تلك العلّة؛ ولم يزل المعتصم عليلًا حتى دخل العراق، ولم أزل عليلا حتى كان قريبًا. ولما اشتدّت بالمأمون علّته بعت إلى ابنه العباس، وهو يظنّ أن لن يأتيّه، فأتاه وهو شديد المرض متغيّر العقل، قد نُفّذت الكتب بما نُفذت له في أمرأبي إسحاق بن الرشيد، فأقام العباس عند أبيه أيامًا، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق. وقيل: لم يوصِ إلّا والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقوّاد والكتاب، وكانت وصيته: هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضْرة مَنْ حضره؛ أشهدهم جميعًا على نفسه أنه يَشهد ومَنْ حضره أن الله ﷿ وحده لا شريك له في ملكه، ولا مدبّر لأمره غيره، وأنه خالقٌ وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئًا له مثل، ولا شيء مثله ﵎، وأن الموت حقّ، والبعث حقّ، والحساب حقّ، وثواب المُحسن الجنة وعقاب المُسيء النار، وأن محمدًا ﷺ قد بلَّغ عن ربّه شرائعَ دينه، وأدّى نصيحته إلى أمته؛ حتى قبضه الله إليه ﷺ أفضل صلاة صلّاها على أحد من ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين، وأني مقرّ مذنب، أرجو وأخاف، إلا أني إذا ذكرت عفْوَ الله رجوتُ؛ فإذا أنا متّ فوجِّهوني وغمّضوني، وأسبغوا وَضوئي وطهوري، وأجيدوا كَفني؛ ثم أكثروا حَمْد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد؛ إذ جعلنا من أمّته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجّلوا بي، فإذا أنتم وضعتموني للصلاة؛ فليتقدّم بها من هو أقربكم بي نسبًا، وأكبركم سنًّا، فليكبر خمسًا، يبدأ في الأولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصّلاة على سيّدي وسيد المرسلين جميعًا، ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات، ثم الدّعاء للذين سبقونا بالإيمان، ثم ليكبّر الرابعة، فيحمد الله ويهلِّله ويكبّره ويسلم في الخامسة، ثم أقلّوني فأبلغوا بي حُفرتي، ثم لينزِل أقربكم إليّ قرابةً، وأودّكم محبة، وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضَعُوني على شقي الأيمن واستقبلوا بيَ القبلةَ، وحُلُّوا كفني عن رأسي ورجليّ، ثم سدّوا اللحد بالّلبِن، واحْثوا ترابًا عليّ، واخرجوا عني وخلُّوني وعملِي؛ فكلكم لا يغني عني شيئًا، ولا يدفع عني مكروهًا، ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرًا إن علمتم، وأمسِكوا عن ذكر شرٍّ إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذٌ من بينكم بما تقولون وما تلفظون به، ولا تدَعُوا باكيةً عندي؛ فإن المعْوَل عليه يعذّب. رحمَ الله امرأ اتّعظ وفكر فيما ختّم الله على جميع خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحّد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. ثم ليَنظر ما كنتُ فيه من عزّ الخلافة؛هل أغنى ذلك عني شيئًا إذ جاء أمر الله! لا والله، ولكن أضعِف عليّ به بالحسابُ، فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرًا، بل ليته لم يكن خلقًا! يا أبا إسحاق، ادنُ منّي، واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذا طوّقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغترّ بالله ومهلته؛ فكأنْ قد نزلَ بك الموت. ولا تغفل أمرَ الرّعيّة. الرعيةَ الرعية! العوامّ العوام! فإن المُلْك بهم وبتعهُّدك المسلمين والمنفعة لهم. اللهَ اللهَ فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا يُنهَينَّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدّمتَه وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضَهم من بعض بالحقّ بينهم، وقرّبهم وتأنّهم، وعجل الرّحلة عنِّي، والقدوم إلى دار مُلْكِك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت. والخُرَّمية فأغزِهم ذا حزامة وصرامة وجلَد، وأكْنِفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرّجالة؛ فإن طالت مدتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدّم النِّيَّة فيه، راجيًا ثواب الله عليه. واعلم أنّ العِظة إذا طالت أوجبتْ على السامع لها والموصى بها الحجّة، فاتق الله في أمرك كله، ولا تُفْتَن. ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ به الوجَع، وأحسّ بمجيء أمر الله فقال له: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله ﷺ لتقومنّ بحق الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعته على معصيته؛ إذ أنا نقلتُها من غيرك إليك؟ قال: قال: اللهم نعم، قال: فانظر مَنْ كنت تسمعني أقدّمه على لساني فأضعِف له التّقدمة؛ عبد الله بن طاهر أقرّه على عمله ولا تهجْه، فقد عرفتَ الذي سلفَ منكما أيام حياتي وبحضرتي، استعطفه بقلبك، وخُصّه ببرّك، فقد عرفتَ بلاءه وغنَاءه عن أخيك. وإسحاق بن إبراهيم فأشرِكْه في ذلك؛ فإنه أهل له. وأهل بيتك، فقد علمتَ أنه لا بقيّة فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصّيانة لنفسه. عبد الوهاب عليك به من بين أهلك، فقدّمه عليهم، وصيّر أمرهم إليه. وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كلّ أمرك فإنه موضح لذلك منك، ولا تتخذّن بعدي وزيرًا تلقى إليه شيئًا؛ فقد علمتَ ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبثْ سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحّة مني، فصرتُ إلىمفارقته! قاليًا له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرًا! وهؤلاء بنو عمّك من ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فأحسن صحبَتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبَلْ من محسنهم، وصلاتِهم فلا تغفلْها في كلّ سنة عند محلّها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتّى. اتقوا الله ربكم حقّ تقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون. اتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلها. أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله مما كان مني، إنه كان غفارًا، فإنه ليَعْلَمُ كيف ندمِي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمها، وإليه أنيب ولا قوّة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد نبيّ الهدى والرحمة! (١).