page 5370, entry [1889]Open original source
ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرَّقة إلى مصر وسبب خروج ابن السريّ إليه في الأمان (٢) ذُكر أن عبد الله بن طاهر لمّا فرغ من نصر بن شبَث العُقَيليّ، ووجّهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر؛ فحدّثني أحمد بن محمد بن مَخْلَد، أنه كان يومئذ بمصر، وأن عبد الله بن طاهر لما قَرُب منها، وصار منها على مرحلة، قدّم قائدًا من قوّاده إليه ليرتاد لمعسكره موضعًا يعسكر فيه، وقد خندق ابن السريّ عليها خندقًا، فاتّصل الخبر بابن السريّ عن مصير القائد إلى ما قرب منها، فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذي كان عبد الله بن طاهر وجّهه لطلب موضع معسكره؛ فالتقى جيش ابن السريّ وقائد عبد الله وأصحابه وهم في قلّة، فجالَ القائد وأصحابه جولةً، وأبرد القائد إلى عبد الله بريدًا يخبره بخبره وخبر ابن السريّ، فحمل رجاله على البغال؛ على كلّ رجلين بآلتهما وأدواتهما، وجَنبوا الخيل، وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السريّ؛ فلم تكن من عبد الله وأصحابه إلّا حمْلة واحدة حتى انهزم ابن السريّ وأصحابه، وتساقطتْ عامّة أصحابه - يعني ابن السريّ - في الخندق،فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثرَ ممّن قتله الجند بالسيف، وانهزم ابن السريّ، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأصحابه ومَنْ فيها الباب، وحاصره عبد الله بن طاهر؛ فلم يعاوده ابن السريّ الحربَ بعد ذلك حتى خرج إليه في الأمان. وذكر عن ابن ذي القلمين، قال: بعث ابن السريّ إلى عبد الله بن طاهر لمّا ورد مصْر ومانعه من دخولها بألف وَصِيف ووصيفة؛ مع كلّ وصيف ألف دينار في كيس حرير، وبعث بهم ليلًا. قال: فردّ ذلك عليه عبد الله وكتب إليه: لو قبلت هديّتك نهارًا لقبلتُها ليلًا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال: فحينئذ طلب الأمان منه وخرج إليه. وذكَر أحمد بن حفص بن عمر، عن أبي السمراء، قال: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طار متوجّهين إلى مصر؛ حتى إذا كنّا بين الرَّمْلة ودمشق؛ إذا نحن بأعرابيّ قد اعترض؛ فإذا شيخ فيه بقيّة على بعير له أوْرَق، فسلّم علينا فرددنا ﵇. قال أبو السمراء: وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقيّ وإسحاق بن أبي رِبعيّ، ونحن نساير الأميرَ، وكنّا يومئذ أفرَه من الأمير دوابّ، وأجود منه كُسًا. قال: فجعل الأعرابيّ ينظر في وجوهنها، قال: فقلتُ: يا شيخ؛ قد ألحَحْتَ في النظر، أعرفت شيئًا أم أنكرته؟ قال، لا والله ما عرفتُكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتُكم لسوء أراه فيكم؛ ولكني رجلٌ حسن الفراسة في الناس، جيّد المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبى رِبْعيّ، فقلت: ما تقول في هذا؟ فقال: أَرَى كاتِبًا دَاهِي الكتابَةِ بيّنٌ ... عليه وتأْدِيبُ العرَاقِ مُنيرُ له حرَكاتٌ قد يشاهِدْنَ أنَّه ... عليم بتقسِيطِ الخَراج بصِيرُ ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقيّ، فقال: ومُظهِر نُسْكٍ ما عليه ضميرُهُ ... يُحِبُّ اللهدايا، بالرِّجال مَكورُ إخال بهِ جُنْبًا وبُخلًا وشيمَةً ... تُخبّرُ عنهُ أمة لَوزيرُ ثم نظر إليّ وأنشأ يقول: وهذا نديمٌ للأَمير ومؤنِسٌ ... يكونُ لهُ بالقرْبِ منهُ سرورُ إخاله للأشعارِ والعِلم رَاويًا ... فبعْضُ ندِيم مرَّةً وسميرُثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول: وهذا الأَميرُ المُرتجَى سيْب كَفِّهِ ... فمَا إِن له فيمن رأَيْتُ نظيرُ عليه رِدَاءٌ من جمالٍ وهيْبَةٍ ... ووجهٌ بإِدراكِ النجاحِ بشِيرُ لقَد عُصِم الإِسلامُ مِنه بدَابدٍ ... به عاشَ معرُوفٌ وماتَ نكيرُ أَلا إِنما عبدُ الإِلهِ بنُ طاهر ... لنا وَالدٌ بَرٌّ بنا، وأَميرُ قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسنَ موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فأمر له بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه. وذكر عن الحسن بن يحيى الفهريّ، قال: لقينا البُطيْن الشاعر الحمصيّ، ونحن مع عبد الله بن طاهر فيما بين سَلَميْة وحِمْص، فوقف على الطريق، فقال لعبد الله بن طاهر: مَرْحَبًا مَرحَبًا وأَهلًا وسَهْلًا ... بابنِ ذِي الجودِ طاهِرِ بن الحُسينِ مَرْحبًا مَرحبا وأَهلًا وسَهْلًا ... بابن ذِي الغُرَّتينِ في الدَّعوَتينِ مَرْحبًا مرحبًا بمن كفّهُ البَحْـ ... رُ إِذا فاضَ مُزبدَ الرَّجَوَين ما يُبالِي المأمونُ أَيَّدهُ اللـ ... ـه إِذا كنْتُما له باقيَيْنِ أَنتَ غَرْبٌ وذَاكَ شرقٌ مقيمًا ... أَيُّ فَتقٍ أَتى منَ الجانبَيْنِ وحقيقٌ إِذ كُنتُما في قديمٍ ... لزُريْق ومُصعبْ وحُسينِ أَن تنالا ما نلتُماه مِن المجـ ... ـد وأَن تعْلُوَا على الثَّقَليْنِ قال: من أنت ثكلتك أمك! قال: أنا البُطَين الشاعر الحمصيّ، قال: اركب يا غلام وانظر كم بيتًا؟ قال: سبعة، فأمر له بسبعة ألاف درهم أو بسبعمائة دينار، ثم لم يزل معه حتى دَخلوا مصر والإسكندرية، حتى انخسف به وبدابته مخرَج، فمات فيه بالإسكندرية. * * *